نشرت في صحيفة الإقتصادية العدد 4976

قضائيات في هذه الحلقة نختتم الحديث حول شروط القاضي بذكر الشروط الثلاثة الأخيرة منها، مع بيان سبب بحثها.

الشرط العاشر الاجتهاد: والخلاف فيه كبيرٌ، وأظهر من أن يُذكر، ويكفي أن نعلم أنَّ كثيراً من الفقهاء لا يقولون بغير تقليد أرجح الأقوال في مذاهبهم، وبعضهم: لا يُمانع من الاجتهاد في حدود قواعد وأصول مذهبه فقط.

الشرط الحادي عشر الواحدية: وقد انفرد بوضعه السادة فقهاء المالكية، وفي مذهبهم خلافٌ في اعتباره. ومن تأمَّل تعليل اشتراطه ظهر له أنَّ مقصودهم - رحمهم الله - سلامةُ الحكم من الاختلاف بين القاضيين، مما يعني جواز تولية الثلاثة والخمسة ونحوهم، لارتفاع العلة إذا جعلنا الاعتبار لحكم الأكثرية، كما هو حاصلٌ اليوم في غالب دول العالم.

الشرط الثاني عشر العقل: وللفقهاء في التعبير عنه ألفاظٌ عدة مثل: الكفاية، الجزالة، اليقظة، القوة، الفطنة.

فالحنفية: ذكروا مراتب العقل الأربع التالية:
المرتبة الأولى الاستعداد لإدراك الضَّرُورِيَّات أو الْبَدِيهِيَّات أو الكُلِّيَّات، ويسمى: العقل الهَيُولانِيِّ، أي: القابل للتَّشَكُّل، وَهُوَ حَاصِلٌ لِجَمِيعِ أَفْرَادِ الإِنْسَانِ فِي مَبْدَأِ فِطْرَتِهِمْ.

المرتبة الثَّانِيَةُ إدراك الكُلِّيَّات بِاسْتِعْمَالِ الْحَوَاسِّ فِي الْجُزْئِيَّاتِ، وَتَهَيُّؤ العقل لاكْتِسَابِ النظريات بِالْفِكْرِ، أو: هي الاستعداد لتحصيل الفِكرِيَّات، كاستعداد الأميِّ لِتَعَلُّمِ الكتابة، وَيُسَمَّى: الْعَقْلَ بِالْمَلَكَةِ، وَهُوَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ.

المرتبة الثَّالِثَةُ اكتساب النَّظَرِيَّات وتخزينها في العقل بالتكرار، والقدرة على استحضارها وتَحْصيلها مِنْ غَيْرِ افْتِقَارٍ إلَى اكْتِسَابٍ جديد، أشبه: استعداد الكاتب لفعل الكتابة في أيِّ وقتٍ يشاء، وَهُوَ يُسَمَّى: الْعَقْلَ بِالْفِعْلِ.

المرتبة الرَّابِعَةُ اسْتِحْضار هَذه النظريات وتحصيلها، وكأنه يراها لا تغيب عنه، وَيُسَمَّى: الْعَقْلَ الْمُسْتَفَادَ.

وقالوا: العقل الذي تتعلق به الصلاحية للولاية هو المرتبة الثالثة، المسمى (العقل بالفعل) بمعنى: القدرة على فصل الخصومات، وكأنَّ القاضي تهيَّأ لذلك بطبيعته أولاً، ثم أدرك أوَّلياته واستعد لاكتساب جزئياته، ثمَّ حَصَّلَ ذلك فعلاً، فكان بمقدوره تَوَلِّي فصل الخصومات في أيِّ وقتٍ يُطلب منه ذلك. وذلك لا يمكن حصوله بغير الفطنة واليقظة.

وعند المالكية الفَطَانَةُ والجَزَالَةُ: هي النَّبَاهَةُ وَجَودَةُ العَقْلِ وَأَصَالَةُ الرَّأيِ وَالقَطْعُ وَالقُوَّةُ وَالإِحكَامُ وَالإِتْقَانُ، وَكَونُ القاضي فَطِنًا، أي: غَيرَ مَخدُوعٍ لِعَقلِهِ، ولا مُستَزَلٍ فِي رَأْيِهِ، وَلا تَتَمَشَّى عَلَيهِ حِيَلُ الشُّهُودِ والخُصُومِ، فَلا تَصِحُّ عندهم - حينئذٍ - تَولِيَةُ المُغَفَّلِ الَّذِي يَنْخَدِعُ بِتَحسِينِ الكَلامِ، وَلا يَلِيقُ بِالقَضَاءِ مَن لا يَجزِمُ به، لِجَهلٍ أو لِوَسوَاسِ.

وعند الشافعية/ الكِفَاية، أن يكونَ القاضي ذا يقظةٍ تامةٍ، وقوةٍ على تنفيذ الحق بنفسه، فلا يكونُ جباناً ضعيفَ النفس عن التنفيذ والإلزام والسطوة، وإن كان عالماً دَيِّنَاً، حتى لا يُطمع في جانبه، وأن لا يُؤتَى من غفلة، بأن يحكمَ بخلاف الحق من أجل غفلته، وأن لا يُخدعَ عن الحق بسبب غُرورٍ شخصٍ له، فلا يصح قضاء المغفل، وهو: ضَعِيفُ الرَأْي الذي لا يضبط الأمور، ممن اختلَّ رأيه وَنَظَرُهُ بِكِبَرٍ أو مرضٍ ونحوهما.
والقاضي عندهم أولى باشتراط التيقظ وقوة الضبط فيه من المفتي، حتى لا تضيع الحقوق.

وقال الماوردي في الأحكام السلطانية عند بيان شرط العقل في القاضي ( وَهُوَ مُجمَعٌ عَلَى اعتِبَارِهِ، وَلا يُكتَفَى فِيهِ بِالعَقْلِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّكلِيفُ مِن عِلمِهِ بِالمُدرَكَاتِ الضَّرُورِيَّةِ، حَتَّى يَكُونَ: صَحِيحَ التَّميِيزِ، جَيِّدَ الفَطِنَةِ، بَعِيدًا عَن السَّهْوِ وَالغَفْلَةِ، يَتَوَصَّلُ بِذَكَائِهِ إلَى إيضَاحِ مَا أَشْكَلَ وَفَصْلِ مَا أَعضَلَ ).

وعند الحنابلة هو: كمال الرأي، وتمام العقل، والفطنة، والتيقظ، بحيث لا يُؤتَى من غفلة، ولا يُخدَعُ لِغِرَّةٍ، وَأن لا يكون مَعرُوفاً بِكَثرَةِ غَلَطٍ، أو نِسيَانٍ، وأَن يَكُونَ بَصِيرًا بِمَكرِ النَّاسِ وَخِدَاعِهِم، وَأَن لا يُحسِنَ الظَّنَّ بِهِم، بَل يَكُونُ حَذِرًا فَطِنًا مِمَّا يُصَوِّرُونَهُ فِي سُؤَالاتِهِم، لِئَلا يُوقِعُوهُ فِي المَكرُوهِ.

هذه هي تفاسير العقل عند فقهاء المذاهب الأربعة، والذي لو رُوعِيَ وجوده عند اختيار القضاة لأعيا لجان الاختيار، ولو ابتُلِيَ القضاةُ لمعرفة تحصيلهم إياه لأخفق الكثيرُ منهم في ذلك الاختبار،
وقد أدرك ذلك بعضُ الأئمةِ فكان لهم رأيٌ آخر في جميع تلك الشروط، قال الإمام مَالِكٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: لا أَرَى خِصَالَ القُضَاةِ تَجتَمِعُ "اليَومَ !!" فِي أَحَدٍ، فَإِن اجتَمَعَ فيه مِنهَا خَصلَتَانِ العِلْمُ وَالوَرَعُ رأيتُ أن يُوَلَّى.
وقَالَ ابن تيمية - رَحِمَهُ اللَّهُ: الوِلايَةُ لَهَا رُكنَانِ: القُوَّةُ، وَالأَمَانَةُ. فَالقُوَّةُ فِي الحُكْمِ: تَرجِعُ إلَى العِلْمِ بِالعَدْلِ، وَتَنفِيذِ الْحُكمِ. وَالأَمَانَةُ: تَرْجِعُ إلَى خَشيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَهَذِهِ الشُّرُوطُ تُعتَبَرُ حَسْبَ الإِمكَانِ، وَيَجِبُ تَولِيَةُ الأَمثَلِ فَالأَمثَلِ، وَعَلَى هَذَا يَدُلُّ كَلامُ الإِمَامِ أَحمَدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَغَيرِهِ. فَيُوَلِّي لِعَدَمِه أَنفَعَ الفَاسِقِينَ، وَأَقَلَّهُمَ شَرًّا، وَأَعدَلَ المُقَلِّدِينَ، وَأعرَفَهُمَ بِالتَّقلِيدِ، وَإِن كَانَ أَحَدُهُمَا أَعلَمَ وَالآخَرُ أَورَعَ: قُدِّمَ - فِيمَا قَد يَظهَرُ حُكمُهُ وَيُخَافُ الهَوَى فِيهِ - الأَورَعُ، وَفِيمَا نَدَرَ حُكمُهُ وَيُخَافُ فِيهِ الاشتِبَاهُ - الأَعلَمُ. قال البهوتي: وهو كَمَا قَالَ، وَإِلا لَتَعَطَّلَت الأَحكَامُ وَاختَلَّ النِّظَام.

ولمعرفة توافر شرط الكفاية وتطويره لا بد من إخضاع القضاة لاختبارات القدرات العقلية، ولبرامج التنمية الذاتية.

وأما سبب بحثي هذه الشروط: فهو ما ينتظره الجهاز القضائي قريباً من دمجٍ مُوَفَّقٍ لجميع قطاعاته التجارية والعمالية ونحوها، ولأنَّ من بين القائمين على تلك القطاعات من ليس على النهج الظاهر الذي عليه قضاة المحاكم الشرعية اليوم من الالتزام ببعض المظاهر والسنن، من: إعفاء اللحى، وتقصير اللباس، واجتناب لبس العقال مثلاً، بل قد يكون من بين الزملاء الجدد من هو مبتلىً ببعض الصغائر، كالتدخين مثلاً، غير أنه لا يُجارى في مجاله علماً ونزاهة، وحتى لا يُقالَ في حقهم (ما لم يقله مالكٌ في الخمر) رأيت بيان الخلاف في أمورٍ يَعُدُّهَا سوادُ القضاة الأعظم من القطعيات، بل إنَّ البعضَ يُوَالِي وَيُعَادِي فيها، وكأنَّها من الأصول الثوابت، وليت هؤلاء يعلمون أنَّ ما يفتقدونه هُم أهمُّ وأعظم.

فأهلاً وسهلاً ومرحباً بإخواننا القادمين إلينا، اللاحقين بركابنا في طورٍ جديدٍ من أطوار القضاء في مملكتنا الحبيبة، ممن جعلهم الله يأمرون بالقسط ويهدون بالحق وبه يعدلون، وفقنا الله وإياهم لكل ما يحبه الله ويرضاه.

والخلاصة من كل ما تقدم: أنَّ وجودَ القانون مصدرِ الحكمِ الواجبِ التطبيقِ، وتعميمَ الأجهزة الرقابية على القضاة، وتلقائيةَ تدقيق الأحكام، هذه الأمور الثلاثة تمنع القاضي من أن يُؤَثِّرَ حَالُهُ في سلامةِ حُكمه، أياً كان مُعتَقَدُهُ أو طَائِفَتُهُ أو مَذهَبُهُ أو طَرِيقَتُهُ أو جِنسُهُ أو حِزْبُهُ أو عُمُرُهُ. والله أعلى وأعلم.

الفقير إلى عفو الودود ناصر بن زيد بن داود

ليست هناك تعليقات | عدد القراء : 3691 | تأريخ النشر : الأحد 10 جمادى الأولى 1428هـ الموافق 27 مايو 2007م

طباعة المقال

إرسال المقالة
شروط القاضي بين الحاضر والماضي 3/3 في هذه الحلقة نختتم الحديث حول شروط القاضي بذكر الشروط الثلاثة الأخيرة منها، مع بيان سبب بحثها. الشرط العاشر الاجتهاد: والخلاف فيه كبير، وأظهر من أن يذكر، ويكفي أن نعلم أن كثيرا من الفقهاء لا يقولون بغير تقليد أرجح الأقوال في مذاهبهم، وبعضهم: لا يمانع من الاجتهاد في حدود قواعد وأصول مذهبه فقط. الشرط الحادي عشر الواحدية: وقد انفرد بوضعه السادة فقهاء المالكية، وفي مذهبهم خلاف في اعتباره. ومن تأمل تعليل اشتراطه ظهر له أن مقصودهم - رحمهم الله - سلامة الحكم من الاختلاف بين القاضيين، مما يعني جواز تولية الثلاثة والخمسة ونحوهم، لارتفاع العلة إذا جعلنا الاعتبار لحكم الأكثرية، كما هو حاصل اليوم في غالب دول العالم. الشرط الثاني عشر العقل: وللفقهاء في التعبير عنه ألفاظ عدة مثل: الكفاية، الجزالة، اليقظة، القوة، الفطنة. فالحنفية: ذكروا مراتب العقل الأربع التالية: المرتبة الأولى الاستعداد لإدراك الضروريات أو البديهيات أو الكليات، ويسمى: العقل الهيولاني، أي: القابل للتشكل، وهو حاصل لجميع أفراد الإنسان في مبدأ فطرتهم. المرتبة الثانية إدراك الكليات باستعمال الحواس في الجزئيات، وتهيؤ العقل لاكتساب النظريات بالفكر، أو: هي الاستعداد لتحصيل الفكريات، كاستعداد الأمي لتعلم الكتابة، ويسمى: العقل بالملكة، وهو مناط التكليف. المرتبة الثالثة اكتساب النظريات وتخزينها في العقل بالتكرار، والقدرة على استحضارها وتحصيلها من غير افتقار إلى اكتساب جديد، أشبه: استعداد الكاتب لفعل الكتابة في أي وقت يشاء، وهو يسمى: العقل بالفعل. المرتبة الرابعة استحضار هذه النظريات وتحصيلها، وكأنه يراها لا تغيب عنه، ويسمى: العقل المستفاد. وقالوا: العقل الذي تتعلق به الصلاحية للولاية هو المرتبة الثالثة، المسمى (العقل بالفعل) بمعنى: القدرة على فصل الخصومات، وكأن القاضي تهيأ لذلك بطبيعته أولا، ثم أدرك أولياته واستعد لاكتساب جزئياته، ثم حصل ذلك فعلا، فكان بمقدوره تولي فصل الخصومات في أي وقت يطلب منه ذلك. وذلك لا يمكن حصوله بغير الفطنة واليقظة. وعند المالكية الفطانة والجزالة: هي النباهة وجودة العقل وأصالة الرأي والقطع والقوة والإحكام والإتقان، وكون القاضي فطنا، أي: غير مخدوع لعقله، ولا مستزل في رأيه، ولا تتمشى عليه حيل الشهود والخصوم، فلا تصح عندهم - حينئذ - تولية المغفل الذي ينخدع بتحسين الكلام، ولا يليق بالقضاء من لا يجزم به، لجهل أو لوسواس. وعند الشافعية/ الكفاية، أن يكون القاضي ذا يقظة تامة، وقوة على تنفيذ الحق بنفسه، فلا يكون جبانا ضعيف النفس عن التنفيذ والإلزام والسطوة، وإن كان عالما دينا، حتى لا يطمع في جانبه، وأن لا يؤتى من غفلة، بأن يحكم بخلاف الحق من أجل غفلته، وأن لا يخدع عن الحق بسبب غرور شخص له، فلا يصح قضاء المغفل، وهو: ضعيف الرأي الذي لا يضبط الأمور، ممن اختل رأيه ونظره بكبر أو مرض ونحوهما. والقاضي عندهم أولى باشتراط التيقظ وقوة الضبط فيه من المفتي، حتى لا تضيع الحقوق. وقال الماوردي في الأحكام السلطانية عند بيان شرط العقل في القاضي ( وهو مجمع على اعتباره، ولا يكتفى فيه بالعقل الذي يتعلق به التكليف من علمه بالمدركات الضرورية، حتى يكون: صحيح التمييز، جيد الفطنة، بعيدا عن السهو والغفلة، يتوصل بذكائه إلى إيضاح ما أشكل وفصل ما أعضل ). وعند الحنابلة هو: كمال الرأي، وتمام العقل، والفطنة، والتيقظ، بحيث لا يؤتى من غفلة، ولا يخدع لغرة، وأن لا يكون معروفا بكثرة غلط، أو نسيان، وأن يكون بصيرا بمكر الناس وخداعهم، وأن لا يحسن الظن بهم، بل يكون حذرا فطنا مما يصورونه في سؤالاتهم، لئلا يوقعوه في المكروه. هذه هي تفاسير العقل عند فقهاء المذاهب الأربعة، والذي لو روعي وجوده عند اختيار القضاة لأعيا لجان الاختيار، ولو ابتلي القضاة لمعرفة تحصيلهم إياه لأخفق الكثير منهم في ذلك الاختبار، وقد أدرك ذلك بعض الأئمة فكان لهم رأي آخر في جميع تلك الشروط، قال الإمام مالك رضي الله تعالى عنه: لا أرى خصال القضاة تجتمع "اليوم !!" في أحد، فإن اجتمع فيه منها خصلتان العلم والورع رأيت أن يولى. وقال ابن تيمية - رحمه الله: الولاية لها ركنان: القوة، والأمانة. فالقوة في الحكم: ترجع إلى العلم بالعدل، وتنفيذ الحكم. والأمانة: ترجع إلى خشية الله عز وجل. وهذه الشروط تعتبر حسب الإمكان، ويجب تولية الأمثل فالأمثل، وعلى هذا يدل كلام الإمام أحمد - رحمه الله - وغيره. فيولي لعدمه أنفع الفاسقين، وأقلهم شرا، وأعدل المقلدين، وأعرفهم بالتقليد، وإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع: قدم - فيما قد يظهر حكمه ويخاف الهوى فيه - الأورع، وفيما ندر حكمه ويخاف فيه الاشتباه - الأعلم. قال البهوتي: وهو كما قال، وإلا لتعطلت الأحكام واختل النظام. ولمعرفة توافر شرط الكفاية وتطويره لا بد من إخضاع القضاة لاختبارات القدرات العقلية، ولبرامج التنمية الذاتية. وأما سبب بحثي هذه الشروط: فهو ما ينتظره الجهاز القضائي قريبا من دمج موفق لجميع قطاعاته التجارية والعمالية ونحوها، ولأن من بين القائمين على تلك القطاعات من ليس على النهج الظاهر الذي عليه قضاة المحاكم الشرعية اليوم من الالتزام ببعض المظاهر والسنن، من: إعفاء اللحى، وتقصير اللباس، واجتناب لبس العقال مثلا، بل قد يكون من بين الزملاء الجدد من هو مبتلى ببعض الصغائر، كالتدخين مثلا، غير أنه لا يجارى في مجاله علما ونزاهة، وحتى لا يقال في حقهم (ما لم يقله مالك في الخمر) رأيت بيان الخلاف في أمور يعدها سواد القضاة الأعظم من القطعيات، بل إن البعض يوالي ويعادي فيها، وكأنها من الأصول الثوابت، وليت هؤلاء يعلمون أن ما يفتقدونه هم أهم وأعظم. فأهلا وسهلا ومرحبا بإخواننا القادمين إلينا، اللاحقين بركابنا في طور جديد من أطوار القضاء في مملكتنا الحبيبة، ممن جعلهم الله يأمرون بالقسط ويهدون بالحق وبه يعدلون، وفقنا الله وإياهم لكل ما يحبه الله ويرضاه. والخلاصة من كل ما تقدم: أن وجود القانون مصدر الحكم الواجب التطبيق، وتعميم الأجهزة الرقابية على القضاة، وتلقائية تدقيق الأحكام، هذه الأمور الثلاثة تمنع القاضي من أن يؤثر حاله في سلامة حكمه، أيا كان معتقده أو طائفته أو مذهبه أو طريقته أو جنسه أو حزبه أو عمره. والله أعلى وأعلم.
التعليقات متاحة للزوار التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع