نشرت في صحيفة الإقتصادية العدد 4955

قضائيات للفقهاء في تحديد ما يشترط في القاضي ليكون صالحاً لولاية القضاء مناهج كثيرة؛ غير أنَّ الملحوظَ في تَعَدُّدِ تلك المناهج هو: ثراءُ الفقه الإسلامي بالأقوال والخيارات، وأجملُ من هذا: أنَّ المجتمعَاتِ المسلمةَ في القرون العشرة الأولى من الهجرة تتقبلُ تَغَيُّرَ الاجتهادات في تعيين تلك الشروط بين الحين والآخر؛ دون استنكارٍ ولا تحسُّس.

فكلما رأى أحد الفقهاء أنَّ أمراً لابد أن يكون متوافراً في القاضي - لِتَكْمُلَ صفاته، وَتَحْسُنَ طريقته، وَيَقِلَّ خطؤه - فإنَّ شيئاً لا يمنعه من القول به والدعوة إليه؛ لا من المجتمعات التي عاشوا فيها، ولا من حكوماتها، بل ولا من أقرانه المعاصرين له؛ فهم الذين إن رأوا وجاهةَ الشرط الجديد أَيَّدُوه، أو نقلوه عنه، أو قَلَّدُوه فيه، وإن رأوا ضد ذلك لم يمنعهم مانعٌ من الرد عليه وتفنيد قوله بالحجة والبرهان، لا بالتبديع والتفسيق، ولا بالتجهيل والتحميق.

وللباحث أن يرى تَطَوُّرَ الأقوال في شروط القاضي بنظرةٍ سريعة في كتب الفقه والسياسة الشرعية والقضاء؛ حيث يجد أنَّ أقل الشروط ستة، وأكثرها 15؛ وإن كان في بعضها تداخلٌ مع شروطٍ أخرى.

ولا شك أنَّ تفاوتَ هذه الاشتراطات نتج عن اجتهادات شخصية أولاً، وعن استدراك من اللاحق على السابق ثانياً، فقد يعرض لبعض اللاحقين أن يرى لزوم إضافة شرط بحسب اجتهادٍ متجدد، وقد يرى بعضهم إلغاء شرط قديم بعد أن يستقرَّ لديه أنَّه غير لازمٍ لأيِّ علة يراها.

وفي نظام القضاء السعودي الحالي شروطٌ نظامية لم يتعرض لأغلبها الفقهاء الأوائل، رحمهم الله؛ ففي المادة (37) منه ما نصه: (يشترط فيمن يُوَلى القضاء:
أ- أن يكون سعودي الجنسية.
ب- أن يكون حسن السيرة والسلوك.
ج- أن يكون متمتعاً بالأهلية الكاملة للقضاء حسبما نص عليه شرعا.
د- أن يكون حاصلاً على شهادة إحدى كليات الشريعة في المملكة العربية السعودية أو شهادةٍ أخرى معادلةٍ لها؛ بشرط أن ينجح في الحالة الأخيرة في امتحانٍ خاصٍ تُعِدُّهُ وزارة العدل، ويجوز في حالة الضرورة تعيينُ من اشتهر بالعلم والمعرفة من غير الحاصلين على الشهادة المطلوبة.
هـ- ألا يقل عمره عن 40 سنة؛ إذا كان تعيينه في درجة قاضي تمييز، وعن 22 سنة؛ إذا كان تعيينه في درجات السلك القضائي الأخرى.
و- ألا يكون قد حُكِمَ عليه بِحَدٍ أو تعزير، أو في جُرمٍ مُخِلٍ بالشرف، أو صدر بحقه قرارٌ تأديبيٌ بالفصل من وظيفةٍ عامة؛ ولو كان قد رُدَّ إليه اعتباره) انتهى.

ولن نتحدث في هذه المقالة عن غير ما جاء في الفقرة (ج)؛ فهي ضابط الارتباط بين الماضي والحاضر.

ولقد تمحورت اشتراطات الفقهاء حول الشروط الـ 12 التالية (الإسلام، الحرية، التكليف، الذكورة، العدالة، السماع، البصر، الكلام، الكتابة، الاجتهاد، والواحديَة، الكفاية أو الجزالة أو اليقظة أو القوة أو الفطنة).

والحق أنني باستعراض هذه الشروط في كتب الأئمة لم أجد شرطاً واحداً سالماً من الخلاف، أو من الاستثناء. وللبيان نقصر حديثنا في هذه الحلقة عن الشرط الأول:

الشرط الأول/ الإسلام: ومع أنَّ الفقهاءَ قد اتفقوا على القول باشتراطه في القاضي، إلا أنه لم يخل من الاستثناء، ولو أننا عدنا إلى ما ذكره أهل العلم من قياس القاضي على الشاهد في الشروط، ومن قولهم: بجواز تحميل غير المسلم الشهادةَ في حال الضرورة؛ لِمَا ورد في تفسير آية الوصية في السفر، لتأتَّى القول: بجواز تولية غير المسلم القضاءَ في حال الاضطرار.

وقد أشار كثيرٌ من الفقهاء - عند ذكر قاضي الضرورة - إلى تصحيح أحكام القضاة غير المسلمين؛ إذا كان لهم دولة على ديار الإسلام؛ كما حصل من التتار في أوَّلِ أمرهم ومن الصليبيين في القديم والحديث.

وهذه الحال - وإن لم نتصوَّر حصولها في بلادنا حرسها الله - إلا أنها مُتَصَوَّرَةٌ في غيرها من بلاد المسلمين؛ حيث تشتمل تلك المجتمعات على مواطنين من أصحاب الديانات الأخرى، وتفرضُ دساتير بلادهم عليهم تعميمَ المشاركة الخدمية من جميع فئات المجتمع.

وإذا علمنا: أنَّ العدل لا يتأتى من المسلم فقط، بل يأتي من غير المسلم ولا شك، فقد أثنى الرسولُ، صلى الله عليه وسلم، على النجاشي - وهو لا يزال على دين النصرانية – "بأنه ملكٌ لا يُظلَمُ بأرضه أحدٌ"؛ رواه البيهقي في دلائل النبوة، ولِمَا أُثِرَ عن غير واحدٍ من السلف قوله: إنَّ الله يُمَكِّنُ للدولة الكافرة العادلة ما لا يُمَكِّنُ للدولة الظالمة؛ وإن كانت مسلمةً.

وبالمناسبة: ففي محاضرةٍ في معهد الدراسات الدبلوماسية في الرياض ألقاها أمين عام محكمة التحكيم الدائمة القاضي/ تشاكوفان هاون الهولندي الجنسية يوم 15/ 11/ 1427هـ ذكر فيها قصة التحكيم بين دولتي إريتيريا واليمن حول (جُزُرِ حنيش) المتنازع عليها بين البلدين، وأنَّ مندوب اليمن أحضر وثائق عثمانية تفيد: شمول حكم الخلافة العثمانية جُزُرَ حنيش إبان بسط سلطتها على اليمن، وأحضر مندوب إريتيريا وثائق إيطالية تفيد: شمول حكم الطليان جُزُرَ حنيش إبَّان فرض سيطرتهم على إريتيريا.

وذكر المحاضر: أنَّ المحكمةَ أسقطت دليل كلٍ من الدولتين، وقسمت الجزيرةَ الأمَّ بينهما بعلاماتٍ حدودية، وما كان من جزرٍ صغيرة شرقي الجزيرة الكبرى فهو لليمن، وما كان عنها من الغرب فهو لإريتيريا.

فأعجب أخي الكريم لهذا الحكم الصائب!، فإنَّ إسقاطَ الأدلة المتعارضة - ولا مُرَجِّحَ لأحدهما على الآخر - مبدأ من مبادئ العدالة التي جُبِلَ عليها البشر، وهي من قواعد الفقه الإسلامي، كما أنَّ قسمةَ العقار المتنازع عليه بين المتخاصمين - حيث لا يَدَ لأحدهما عليه، ومع عدم وجود من ينازعهما فيه، بعد إسقاط الأدلة - أصلٌ من أصول الحكم في شريعة المسلمين.

من ذلك كله يظهر لنا: أنَّ شرطَ الإسلام في تنصيب القاضي - وإن كان لازماً في مجتمعنا اليوم وما شابهه من مجتمعات المسلمين - إلا أنه غير لازمٍ في سائر المجتمعات بحسب أحوالها، كما أنَّ تحقيق العدالة لا يتوقف على وجوده. والله أعلم

الفقير إلى عفو الودود ناصر بن زيد بن داود

ليست هناك تعليقات | عدد القراء : 7168 | تأريخ النشر : الأحد 19 ربيع الثاني 1428هـ الموافق 6 مايو 2007م

طباعة المقال

إرسال المقالة
شروط القاضي بين الحاضر والماضي 1/3 للفقهاء في تحديد ما يشترط في القاضي ليكون صالحا لولاية القضاء مناهج كثيرة؛ غير أن الملحوظ في تعدد تلك المناهج هو: ثراء الفقه الإسلامي بالأقوال والخيارات، وأجمل من هذا: أن المجتمعات المسلمة في القرون العشرة الأولى من الهجرة تتقبل تغير الاجتهادات في تعيين تلك الشروط بين الحين والآخر؛ دون استنكار ولا تحسس. فكلما رأى أحد الفقهاء أن أمرا لابد أن يكون متوافرا في القاضي - لتكمل صفاته، وتحسن طريقته، ويقل خطؤه - فإن شيئا لا يمنعه من القول به والدعوة إليه؛ لا من المجتمعات التي عاشوا فيها، ولا من حكوماتها، بل ولا من أقرانه المعاصرين له؛ فهم الذين إن رأوا وجاهة الشرط الجديد أيدوه، أو نقلوه عنه، أو قلدوه فيه، وإن رأوا ضد ذلك لم يمنعهم مانع من الرد عليه وتفنيد قوله بالحجة والبرهان، لا بالتبديع والتفسيق، ولا بالتجهيل والتحميق. وللباحث أن يرى تطور الأقوال في شروط القاضي بنظرة سريعة في كتب الفقه والسياسة الشرعية والقضاء؛ حيث يجد أن أقل الشروط ستة، وأكثرها 15؛ وإن كان في بعضها تداخل مع شروط أخرى. ولا شك أن تفاوت هذه الاشتراطات نتج عن اجتهادات شخصية أولا، وعن استدراك من اللاحق على السابق ثانيا، فقد يعرض لبعض اللاحقين أن يرى لزوم إضافة شرط بحسب اجتهاد متجدد، وقد يرى بعضهم إلغاء شرط قديم بعد أن يستقر لديه أنه غير لازم لأي علة يراها. وفي نظام القضاء السعودي الحالي شروط نظامية لم يتعرض لأغلبها الفقهاء الأوائل، رحمهم الله؛ ففي المادة (37) منه ما نصه: (يشترط فيمن يولى القضاء: أ- أن يكون سعودي الجنسية. ب- أن يكون حسن السيرة والسلوك. ج- أن يكون متمتعا بالأهلية الكاملة للقضاء حسبما نص عليه شرعا. د- أن يكون حاصلا على شهادة إحدى كليات الشريعة في المملكة العربية السعودية أو شهادة أخرى معادلة لها؛ بشرط أن ينجح في الحالة الأخيرة في امتحان خاص تعده وزارة العدل، ويجوز في حالة الضرورة تعيين من اشتهر بالعلم والمعرفة من غير الحاصلين على الشهادة المطلوبة. هـ- ألا يقل عمره عن 40 سنة؛ إذا كان تعيينه في درجة قاضي تمييز، وعن 22 سنة؛ إذا كان تعيينه في درجات السلك القضائي الأخرى. و- ألا يكون قد حكم عليه بحد أو تعزير، أو في جرم مخل بالشرف، أو صدر بحقه قرار تأديبي بالفصل من وظيفة عامة؛ ولو كان قد رد إليه اعتباره) انتهى. ولن نتحدث في هذه المقالة عن غير ما جاء في الفقرة (ج)؛ فهي ضابط الارتباط بين الماضي والحاضر. ولقد تمحورت اشتراطات الفقهاء حول الشروط الـ 12 التالية (الإسلام، الحرية، التكليف، الذكورة، العدالة، السماع، البصر، الكلام، الكتابة، الاجتهاد، والواحدية، الكفاية أو الجزالة أو اليقظة أو القوة أو الفطنة). والحق أنني باستعراض هذه الشروط في كتب الأئمة لم أجد شرطا واحدا سالما من الخلاف، أو من الاستثناء. وللبيان نقصر حديثنا في هذه الحلقة عن الشرط الأول: الشرط الأول/ الإسلام: ومع أن الفقهاء قد اتفقوا على القول باشتراطه في القاضي، إلا أنه لم يخل من الاستثناء، ولو أننا عدنا إلى ما ذكره أهل العلم من قياس القاضي على الشاهد في الشروط، ومن قولهم: بجواز تحميل غير المسلم الشهادة في حال الضرورة؛ لما ورد في تفسير آية الوصية في السفر، لتأتى القول: بجواز تولية غير المسلم القضاء في حال الاضطرار. وقد أشار كثير من الفقهاء - عند ذكر قاضي الضرورة - إلى تصحيح أحكام القضاة غير المسلمين؛ إذا كان لهم دولة على ديار الإسلام؛ كما حصل من التتار في أول أمرهم ومن الصليبيين في القديم والحديث. وهذه الحال - وإن لم نتصور حصولها في بلادنا حرسها الله - إلا أنها متصورة في غيرها من بلاد المسلمين؛ حيث تشتمل تلك المجتمعات على مواطنين من أصحاب الديانات الأخرى، وتفرض دساتير بلادهم عليهم تعميم المشاركة الخدمية من جميع فئات المجتمع. وإذا علمنا: أن العدل لا يتأتى من المسلم فقط، بل يأتي من غير المسلم ولا شك، فقد أثنى الرسول، صلى الله عليه وسلم، على النجاشي - وهو لا يزال على دين النصرانية – "بأنه ملك لا يظلم بأرضه أحد"؛ رواه البيهقي في دلائل النبوة، ولما أثر عن غير واحد من السلف قوله: إن الله يمكن للدولة الكافرة العادلة ما لا يمكن للدولة الظالمة؛ وإن كانت مسلمة. وبالمناسبة: ففي محاضرة في معهد الدراسات الدبلوماسية في الرياض ألقاها أمين عام محكمة التحكيم الدائمة القاضي/ تشاكوفان هاون الهولندي الجنسية يوم 15/ 11/ 1427هـ ذكر فيها قصة التحكيم بين دولتي إريتيريا واليمن حول (جزر حنيش) المتنازع عليها بين البلدين، وأن مندوب اليمن أحضر وثائق عثمانية تفيد: شمول حكم الخلافة العثمانية جزر حنيش إبان بسط سلطتها على اليمن، وأحضر مندوب إريتيريا وثائق إيطالية تفيد: شمول حكم الطليان جزر حنيش إبان فرض سيطرتهم على إريتيريا. وذكر المحاضر: أن المحكمة أسقطت دليل كل من الدولتين، وقسمت الجزيرة الأم بينهما بعلامات حدودية، وما كان من جزر صغيرة شرقي الجزيرة الكبرى فهو لليمن، وما كان عنها من الغرب فهو لإريتيريا. فأعجب أخي الكريم لهذا الحكم الصائب!، فإن إسقاط الأدلة المتعارضة - ولا مرجح لأحدهما على الآخر - مبدأ من مبادئ العدالة التي جبل عليها البشر، وهي من قواعد الفقه الإسلامي، كما أن قسمة العقار المتنازع عليه بين المتخاصمين - حيث لا يد لأحدهما عليه، ومع عدم وجود من ينازعهما فيه، بعد إسقاط الأدلة - أصل من أصول الحكم في شريعة المسلمين. من ذلك كله يظهر لنا: أن شرط الإسلام في تنصيب القاضي - وإن كان لازما في مجتمعنا اليوم وما شابهه من مجتمعات المسلمين - إلا أنه غير لازم في سائر المجتمعات بحسب أحوالها، كما أن تحقيق العدالة لا يتوقف على وجوده. والله أعلم
التعليقات متاحة للزوار التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع