الدكتور أمجد الجهني -
-
نفسيـة القاضـي
بعض العوامل اللاشعورية التي تؤثر في وجدان القاضي ونزاهة عدالته
بقلم القاضي الدكتور امجد حمدان الجهني

((حق الملكية الفكرية لهذا البحث محفوظ للمؤلف))

ان معرفة النفس ليست بالأمر الهين اليسير ، بل دون ذلك ترويض شاق وجهاد عسير ، فمن أخص طباع النفس البشرية انها تنفر من محتوياتها المكنونة في جوفها حين النظر اليها عارية مكشوفة ، لذلك كان لزاما علي ان اوجه النظر اولا الى ان الحديث قد لا يروق للبعض منا ، حينما يتناول كشف طرف من سوءات النفس البشرية وعوراتها المستورة .
ولكن مما يهون على نفوس القضاة الأمر، أنني حينما اتحدث اليهم عن نفسية القاضي ، انما اتحدث عن نفسي اولا ، باعتباري قاضيا مثلهم ، واعنيها بالخطاب قبل ان اعني نفس غيري ، فان راقهم الحديث، وصادف هوى من نفوسهم ، فاني - كزميل - اكون قد قمت ببعض الواجب على نحوهم في تبليغ رسالة العلم الى قلوبهم الكريمة ، ومن لم يرقه الكلام فهو في حل من ان يحمل نفسي وحدها وزر ما أقول ، ويقول لنفسه لا تجزعي فأن قاضيا من بيننا قام يحدثنا عن نفسه ، وله ان يعتبر الكلام موجه مني الى نفسي .
واني لا ابغي تجريح القاضي في عدالته ، او تجريده من رداء وقاره ومهابته ، حينما اتحدث اليه في بعض نواحي الضعف من نفسه ، بل على النقيض من ذلك ، اريد بمقامه اجلالا وتقديسا ، عندما أدعوه - باعتباره انسانا كسائر البشر - الى التحرر من نزعاته الشخصية وشهواته الذاتية ، وتحصين ضميره القضائي بسياج من العلم بالنفس ضد اهواء النفس .
إن النفس البشرية لها ملكات ظاهرة او شعورية وملكات باطنة أو لا شعورية ، وان القسم اللاشعوري من الجهاز النفسي اخطر شأنا من القسم الشعوري بمراحل ، وهو العامل الاقوى في توجيه تصرفاتنا واعمالنا وميولنا خلال حياتنا الشعورية . وما الشعور بالنسبة الى اللاشعور ، الا كسطح المحيط بالنسبة لجوفه وقراره ، واللاشعور له على الشعور اعظم اثر واقوى سلطان ، فهو منه بمناسبة القدر المحتوم والأوامر المنـزلة .
وفي اعتقادي انه سيكون للتحليل النفسي شأن عظيم في حياتنا القضائية ، حيث يصبح لنا خير معين على فهم الطبيعة البشرية على وجهها الصحيح ، فنقف منه على دراسة عقلية الفرد الخارج على المجتمع دراسة علمية منظمة تدنينا من الغرض الأسمى الذي تصبو اليه نفوسنا ، الا وهو حل مشكلة الاجرام والجريمة ، كما نقف منه كذلك على معرفة نفوسنا معرفة خالصة بريئة ، تعيننا على أداء رسالة العدل بين الناس على الوجه الأكمل .
إن الشارع الأردني لم يغب عن ذهنه ما للعامل الذاتي من التأثير في وجدان القاضي حين أقصاه عن تولي القضاء في ظروف معينة .
وقد اعجبني من المشرع يقظته الى ظاهرة نفسية معروفة بظاهرة التقمص او الاندماج او المشاطرة وذلك حين طلب اليه ان يقصى نفسه عن القضاء في قضية معينة ان كانت له دعوى شخصية مماثلة ( المادة 134/1 من قانون أصول المحاكمات المدنية الاردنية ) او لزوجه ، لأن عطف القاضي قد يتجه على الرغم منه نحو الخصم الذي موقفه من الدعوى يماثل موقف القاضي في خصومته الخاصة ، فيقضي له بما يتمنى ان يقضي له به ، لأن القاضي بحكم التشابه في موقف الخصومة يضع شخصه موضع الخصم الذي يشاطره موقفه ، ويدمج شخصه في شخصه ، وهو حينما يقضي له كأنما يقضي بذلك لنفسه دون أن يشعر .
ان العزل بين النفس والضمير لمن اشق الامور على المرء اذ كلاهما جزء متمم للآخر في تكوين شخصيته ، ومندمج في عقله وملكات تفكيره اندماجا يجعل الفصل بينهما عزيز المنال ، الا لمن اوتي قوة على تجريد ضميره من اثر الشهوات ، وكان خبيرا بأسرار النفس البشرية عالما بمواطنها ، وبما انطوت عليه من ميول فطرية ونزعات غريزية ، فمن الزم الصفات للقاضي ان يكون ملما بأسرار الطبيعة البشرية الماما يؤهله لفهم عقلية المتهم الذي يحاكمه ، فيقدر موقفه من الجريمة التي اسندت اليه ، والعوامل الدفينة التي دفعته الى التورط في ارتكابها ، كما يؤهله لمعرفة حقيقة نفسه وادراك ما يدور في خلده من العواطف المكنونة والنـزعات المدفوعة ، وكان لزاما عليه ان يروض نفسه على التأمل الذاتي نزولا على قوله تعالى :" وفي انفسكم افلا تبصرون " .
ان للنـزعات الغريزية والميول الذاتية المكنونة في قرارة اللاشعور اثرا كبيرا في تكييف تصرفاتنا وسلوكنا في الحياة العامة وتوجيهها في اتجاهات مقصودة بالذات دون ان نشعر بذلك او نحس بحقيقة امر هذه العوامل الباطنة وما بينها وبين اعمالنا الشعورية من صلات وروابط ، وعلى هذا القياس قد ينساق القاضي في تصوره الوقائع وتأويلها ، ثم يكون عقيدته في الحكم وراء دوافع لا شعورية كامنة في قرارة نفسه محجوبة عن شعوره ووجدانه .
لذلك كان من الزم الأمور وأوجبها أن يأمن القاضي على نفسه من نفسه ويحاط بالضمانات التي تبعث الى قلبه الطمأنينة والشعور بالاستقرار ، وتحصنه تجاه العوامل الشخصية والاهواء والمنافع الذاتية ، فيسقطها من حسبانه ويقصيها من ميدان تفكيره ووجدانه ، وبغير ذلك يتعذر في نظر العلم ، الاعتقاد بتجرد حكمه على الأمور من كل ظن او شبهة .
ان القاضي حينما يتجه بعاطفته ووجدانه اتجاها معينا او يميل في الدعوى الى وجهة نظر خاصة تتفق ومصلحة ذاتية دفينة في صدره وكمينة في قرارة نفسه ، نراه من غير وعي يدفع بسفينة العدل الى تيار هذا الميل ، ويسير بها قابضا على دفة التحقيق ، لكي لا تخرج من مجراها بكياسة ومهارة نادرتين ، فان كان في قرارة نفسه يجنح الى البراءة في قضية معينة نراه شديد اليقظة والحذر تجاه اخطاء شهود الاثبات وهفواتهم ، حاذقا حين استجوابهم في دفعهم الى التخبط في الوقائع والارتباك في الشهادة ، منقبا ماهرا خلف عباراتهم وما ينطقون ، قوي الملاحظة في استنباط كل ما يساعد على تفنيد شهاداتهم او تجريح شخصياتهم ، وان كان يجنح الى الإدانة انقلبت الآية نحو شهود النفي وأدلة البراءة وأسانيدها اجمالا .
قد يكون الهوى النفسي ظاهرا لضمير القاضي كما يكون كامنا او مستورا ، وهو حين ظهوره يكون اقل منه خطرا على العدالة حين خفائه ، لأن ظهوره من شأنه ان يقلق منه الضمير ويقض عليه مضجعه، وفي يقظة الضمير خير ضمان للعدالة ، ولكن حين سهاه وسباته يخلو الجو للأهواء النفسية والعواطف الشخصية فتلعب دورها على مسرح العدالة ، فنرى القاضي عندئذ يبدي الحذق والمهارة في استنباط الادلة والقرائن لتعزيز الرأي الذي يميل اليه في اعماق نفسه ، وسرعان ما يلجأ الى قوة المنطق ، فيبتدع الحجج والبراهين التي تهدئ من روع ضميره اذا ما خشي ان يضطرب او يتعثر وتسكن من آلام وجدانه اذا ما بدأ يستيقظ ويتأثر ، وهي محاولات تجري من نفسه دون وعي او شعور ، وذلك ما يسميه علماء النفس بظاهرة التدعيم او التبرير .
وهناك من النـزعات البشرية ما يكون متغلغلا في اعماق اللاشعور بعيد الغور في قرار النفس الى درجة يتعذر معها كشفها او الوصول اليها عن طريق التأمل الذاتي فحسب ، فهذه النـزعات الدفينة قد تكون موطن ضعف نفسي يهدد صرح العدالة ويزعزع اركانها دون ان يشعر القاضي بموقفه منها ، او تبدو لنظاريه اية شبهة نحو نفسه او سلامة تقديره للوقائع وحكمه على الامور .
فهناك من رجال القضاء من يميل بطبيعته الى الصرامة في احكامه ، تأخذه نشوة خفية حين يقسو على المتهم في العقاب ، كما قد تنتابه نوبة الم نفسي حينما يفلت من بين يديه متهم لم يجد مناصا من براءته ، ولا يعدم صاحب هذا المزاج اسبابا مشروعة يبرر بها قسوته ويقنع بها وجدانه .
وليست غريزة الاعتداء وشهوة التعذيب هما العامل الوحيد في النـزوع الى القسوة ، فقد يقسو الانسان على اخيه الانسان لنقيصة في نفسه يمقتها في سواه ، بأن يراها معكوسة على مرآة الغير عن طريق الظاهرة المعروفة بالانعكاس .
ولكن بجانب ذلك يوجد بين القضاة فريق من ذوي القلوب الرحيمة ممن اشتهروا بالرأفة في احكامهم واخذهم المتهم بالرفق والشفقة ، وبالأخص اذا كان الجاني من الناشئين والمبتدئين ، او المتورطين في جرائم الشهوة ، او المجرمين بحكم الظروف والصدفة ، فهؤلاء القضاة يكونون عادة من طبيعة تغلب عليها ظاهرة الاندماج او المشاطرة ، بمعنى ان القاضي الذي قويت فيه روح المشاطرة يدمج شخصيته في شخصية المتهم الماثل امامه ، او بعبارة اخرى يضع نفسه مكانه ويشاطره شعوره ووجدانه ، وخاصة اذا كان بين المتهم والقاضي تشابه او ظرف مشترك باي وجه من الوجوه او كان المتهم من بيئة قريبة المستوى من البيئة التي نشأ فيها القاضي ، أو كانت الجريمة بحسب نوعها او طبيعتها ليست وقفا على طبقة معينة من الناس او بيئة اجتماعية خاصة ، فان ذلك مما يسهل عملية الاندماج ويساعد على ايقاظ روح المشاطرة ، كما لو كان لسان حال القاضي يقول :"انه انسان مثلي وكل انسان غير معصوم حتى القاضي " ، وغالبا ما تجري هذه المعاني من غير وعي او شعور فتأخذه الرحمة بالمتهم ، وهو انما يرحم نفسه ويشفق عليها من حيث لا يدري .
وليست ظاهرة الاندماج وليدة مرض او ضعف في النفس ، او دليل انحراف في المزاج - كما هي الحال في ظاهرة الانعكاس - بل هي فطرة نبيلة مشتقة من غريزة الاجتماع وربما كانت انبل مظهر من مظاهر الروح الاجتماعية ، وطبيعة من اسمى طبائع البشر ، اذ قوامها المشاركة الروحية التي هي اقوى دعامة من دعائم التضامن الاجتماعي ، ومنها تستمد الروابط الاجتماعية بين الفرد والجماعة متانتها وقوتها .
والقاضي حينما يدمج شخصيته في شخصية المجني عليه لعلة من العلل ، يكون منه اشد خطرا على العدالة ، حيث تدفعه نزعة الانتقام وحب الأخذ بالثأر من المتهم ، وهي من الطبائع الموروثة عن الانسان الأول ، والكامنة في جوف اللاشعور ، فيقسو من غير مبرر وحيث لا يوجد في ظروف الدعوى ما يدعو الى القسوة ، سوى انه البس نفسه شخصية المجني عليه او شخصية المجتمع الذي ينتمي اليه دون ان يشعر ، فتعمى بصيرته عاطفة الأخذ بالثأر وحب الانتقام عن ادراك الحقائق المجردة ، وتتجسم لناظريه الاعتبارات التي تبرر الانتقام من شخص المتهم ، وتتضاءل الاعتبارات التي تحمله على الرأفة او تتلاشى من حسبانه .
ومما تقدم يبدو لنا أن عوامل القسوة لدى القاضي قد ترجع الى ظاهرتين متباينتين وهما ظاهرة الانعكاس حينما تتجه نحو شخص المتهم وظاهرة الاندماج حينما تتجه نحو شخص المجني عليه . وسواء كان الأمر هذا او ذاك فان الاجراءات النفسية المتقدمة تجري من نفس القاضي بطريقة لاشعورية محجوبة عن ادراكه ووجدانه .
ومما يسترعي النظر ايضا جنوح بعض المدعين العامين واحيانا القضاة الى جانب الادانة بدون مسوغ ظاهر الا مجرد موقف الاتهام .
فما الذي يا ترى يحمل القاضي احيانا الى الاعراض عن الاصغاء لسماع الظروف المخففة للجريمة ، او التي تكون في صالح المتهم ؟ فهل ذلك مرجعه الى مجرد موقف الاتهام البغيض والممقوت من جانب المجتمع ، وما يكتنف هذا الموقف من شبهات وظنون ، مما يحمل القاضي الى ازدرائه مركز المتهم متأثرا بشعور الجمهور ، فيتضائل في نظره الى الحد الذي لا يستحق معه ان يكبد نفسه عناء تحقيق دفاعه ؟ حاشا ان يكون ذلك مقصده فانى اجل القاضي وانزهه عن النظر الى المتهم بهذه النظرة الجائرة، ولكنها وجدانات لا شعورية تجري في اعماق نفس القاضي وتسيطر على تفكيره ، وتؤثر في مسلكه دون ان يحس بها او يشعر بوجودها ، فتحمله على ان يوسع صدره لأدلة الاتهام ، ويفسح من نفسه مجالا للتأثر بما يقصه المجني عليه من وقائع ، ووصف منمق لاعمال المتهم الاجرامية ، بينما يصم اذنيه ويغلق قلبه في وجه دفاع المتهم ، ويقاطعه مرارا وتكرارا ، ولا يستسيغ تصويره للوقائع حتى ولو كان تصويرا معقولا .
ان القاضي انسان كسائر الناس يعاني في قرارة نفسه ميلا فطريا الى القسوة ، ولكنه ميل مكظوم بحكم التقاليد الاجتماعية ، فهو يريد ان يغالط ضميره ويخادعه ليفسح منه ثغرة للتنفيس عن غرائزه وليرضى من نفسه شهوة الانتقام والتشفي التي استيقظت "مقنعة" عن طريق ادماج شخصيته في شخص المجني عليه او في شخص المجتمع الذي يمثله القاضي، فالاخذ باسباب الرأفة يسد عليه سبيل التنفيس عن هذه النـزعات كما وان هناك عاملا آخر قد يجيش في صدر القاضي دون ان يشعر ، اساسه نزعة الى التفوق سلبية المظهر ، تسود عقول الكثيرين من الناس ، فنراهم يميلون بطبيعتهم الى سوء الظن بغيرهم ، وتجسيم اوزارهم ، وبذلك يرتفعون امام ضمائرهم عن المستوى الأخلاقي الذي يتمنون انحدار سواهم اليه ، ان الشواهد في الحياة العملية على وجود هذه الظاهرة وشيوعها بين الناس كثيرة موفورة ، فلا يخفى علينا ما يبدو على بعضنا من مظاهر التلهف والترحيب بسماع سوءات الغير وعيوبهم ، وربما كان تصديق النقائص والعيوب اقرب الى القلوب واحب اليها من تصديق الفضائل والحسنات ، فالنفس البشرية على ما فيها من نواحي ضعف كثيرة ، نزاعة الى الغلبة والتفوق ، فاذا ما تعذر عليها ذلك في الحياة العملية عن طريق القيام بعمل ايجابي يرفع من شأنها في أعين المجتمع ، عمدت الى الارتفاع سلبيا عن طريق الحط من منـزلة الغير وتحقيره ، فالقاضي ميال بفطرته البشرية الى تكبير الفوارق الأدبية والاجتماعية التي تفصل بين شخصه وشخص المتهم الذي يحاكمه ، فينظر الى نفسه كما لو كانت من طبيعة اخرى غير طبيعة المتهم ، وما درى انه يعاني في الباطن ما يعانيه المتهم في الظاهر من العيوب والنـزعات ، غير ان القاضي استطاع ان يستر عن اعين المجتمع بقوة الكبت او الكظم ما لم يستطع المتهم ستره ، فهما من حيث طبيعتهما البشرية صنوان ، نبتا من اصل واحد لا يفضل احدهما الآخر ، الا من حيث المظهر الخارجي والاعتبارات الاجتماعية التي تفاضل في المنـزلة بين الحاكم والمحكوم .
ان القاضي اذا تجرد عن كبريائه وخلا الى نفسه يناقشها الحساب ، وهو يحاكم متهما بجريمة اقترفها تحقيقا لنـزعة من النـزعات الفطرية المكبوتة في النفس البشرية عادة وبالجملة في نفس القاضي ، قد يتبين انه يعاني في قرارة نفسه نوعا من الغيرة من جانب المتهم ، لان المتهم استطاع ان يأتي عملا يشتهيه القاضي في قرارة نفسه ولكنه مكبوت تحت ضغط الروادع الأدبية وقوانين المجتمع ، فبسبب ما يعانيه القاضي من مرارة الحرمان يحقد على المتهم دون ان يعي القاضي او يشعر ، ويضع في الباطن شخصيته المقدسة بجانب شخصية المتهم الآثمة في كفتي الميزان ، ويوازن بينهما ، كما لو كانا متناظرين او ندين ، ويقيس موقف المتهم من الجريمة التي اقترفها على نفسه ، وبقدر ما يعاني لا شعور القاضي من وطأة الحرمات والكبت وشدة الظمأ الى النـزعات التي استباحها المتهم لنفسه وشفى غلته منها ، يكون نزوع القاضي الى الصرامة في العقاب الذي ينـزله بالمتهم، حتى يتم بذلك التعادل بين الرغبة المكبوتة في نفس القاضي والعقوبة المفروضة من جانب المجتمع كثمن لتحقيق هذه الرغبة ، فكأن لسان حال القاضي يقول :" لقد اتيت ايها المتهم امرا حرمته انا على نفسي ، فحرمتها منه ، بينما انت متعت نفسك به، فاذا لم تعاقب كنت مميزا عني ، فاذا قد حق عليك العقاب ، لكي نصبح متعادلين " .
هذه الوجدانيات الباطنية هي التي تملأ غالبا لا شعورنا نحن معشر القضاة ، حين محاكمتنا متهما بجريمة مكظومة في اعماق نفوسنا، فتسيطر عاطفة الانتقام والتشفي على عقولنا وتؤثر في امزجتنا دون ان نحس بها او نشعر بوجودها ، في حين ان واجب العدالة يقضي على القاضي ان تكون عاطفته متجهة نحو دراسة العوامل التي اعجزت المتهم عن كبح جماح نفسه ، واقعدته عن التشبه بالقاضي والاقتداء به في القدرة على كبت نزعاته الفطرية ودوافعه الغريزية .
وقبل ان اختم الكلام أرجو أن أحذر أخواني القضاة والمدعين العامين من التأثر بما قد ينشب في ساحة العدالة أو خلال التحقيق من نضال بين الدفاع عن المتهم وبين القاضي أو المدعي العام ، لخلاف يقع بين الطرفين في وجهة النظر على أمر من الأمور ، أو مشكلة من المشكلات التي قد تطرأ أثناء اجراءات المحاكمة ، فقد يتطور الموقف بينهما الى صراع شخصي ، دون وعي او شعور ، كل منهما يبغى من ورائه الغلبة لنفسه والانتصار على خصمه بأي ثمن ، ولو على حساب العدالة ، فيضع كل من الطرفين المتناظرين مصلحة المتهم في المرتبة الثانية من الأهمية ، بالنسبة لمصلحته الذاتية ، القائمة على نزعة حب الانتصار والغلبة في ميدان الصراع القضائي ، خصوصا اذا كان الصراع في جلسة علنية وعلى مشهد حافل من الجمهور ، فقد ينساق القاضي بدافع الاعتداد بشخصه ، والذود عن كرامته الذاتية الى التورط في حكم جائر او شديد القسوة بغير مبرر دون أن يشعر ، أو تطغى عليه غريزة حب السيطرة والتسلط ، فتعشى بصيرته وتطمس معالم الحق لناظريه ، ويختل ميزان تقديره للعدالة .
وإني أحذر من التأثر كذلك من مجرد وقوف الشخص موقف الاتهام لاعتبار المظاهر الشكلية لاجراءات المحاكمة ، ألا وهو مثول المتهم امام القضاء بملابس السجن وبزي يشبه زي المحكوم عليهم من المجرمين ووقوفه في قفص الاتهام ، فان هذا المظهر بذاته قد يوحى الى النفس بفكرة الاجرام ، فللمظاهر الخارجية ايحاءا صامتا يؤثر في العقول تأثيرا تختلف درجته باختلاف الأمزجة والطبائع ، وقد يبلغ تأثيره في بعض النفوس مرتبة السحر او التنويم ، فيجتذب المظهر الخارجي انتباهنا إليه ، ويقصينا عن النظر الى ما عساه يكون مختفيا وراءه من حقائق تناقضه ، فواجب العدالة يقضي علينا نحن معشر القضاة ان نكون على حذر من نواحي الضعف من نفوسنا البشرية ، وحبذا لو يعدل عن نظام ظهور المتهم بملابس السجن خلال المحاكمة وكذلك وقوفه في قفص الاتهام .
ان عاطفة الاندماج او روح المشاطرة اذا ما وجهت توجيها صالحا خلال المحاكمة ، ولم تركز تركيزا معيبا في شخصية معينة من شخصيات القضية ، يختارها لاشعور القاضي لاعتبارات خاصة بشخصه او بميوله الفطرية ، فانها تكون اجراءا نفسيا محمودا ، واداة صالحة من شأنها تمكين القاضي من تصور الوقائع تصورا سليما ، وان تعينه على ادراك الامور على حقيقتها ، مثل القاضي في ذلك مثل محلل النفس الذي تتطلب منه اساليب العلاج ان يتقمص في شخصية مريضة ويلبس ثوب مرضه ، لكي يحس باحساساته ويشعر بمشاعره ، ويشاطره اعراض المرض ويقاسمه اوجاعه وآلامه ، وبدون ذلك يتعذر عليه ان يخرج من تحليله بصورة صادقة لنفسية المريض .
ان القاضي الذي يستطيع ان يضع نفسه موضع الشخص الماثل امامه ويلبس ظروفه متهما كان ام مجنيا عليه ام شاهدا ، فيرى بعيني محدثة ويسمع بأذنيه ويدرك بعقله ويحس باحساسه ويشاطره وجداناته ومشاعره ، ثم يرتد الى نفسه باحثا عن مواطن الضعف منها ليكون من جانبها على حذر ، لا ريب في انه يكون عندئذ اقرب الناس الى فهم الطبيعة البشرية فهما صادقا ، وابعدهم مدى في دراستها وسبر غورها ، وأدناهم الى بلوغ المثل الأعلى للعدالة . والله ولـي التوفيـق

القاضـي الدكتور : أمجد حمدان الجهني

الفقير إلى عفو الودود ناصر بن زيد بن داود

عدد التعليقات : 2 | عدد القراء : 2597 | تأريخ النشر : الاثنين 13 محرم 1429هـ الموافق 21 يناير 2008م

طباعة المقال

إرسال المقالة
(1) - عنوان التعليق : هذا البحث مسروق

تأريخ النشر: الثلاثاء 10 جمادى الأولى 1432هـ الموافق 12 أبريل 2011مسيحية

نص التعليق
سرقة علمية قبيحة من كتاب المسئولية القضائية لمؤلفه عبد الحميد الشواربي
وأيضا من كتاب علم النفس الجنائي،،،
ولم يألو الكاتب جهدا سوا تغيير بعض الضمائر وحذف بعض الجمل،،،
ألا يخاف الله أن ينسب كلام غيره لنفسه....
لا ويتحدث عن الحقوق الملكية

طباعة التعليق

إرسال التعليق
(2) - عنوان التعليق : مقالة تتسم بالجدة و الجدية

تأريخ النشر: الأحد 20 شعبان 1436هـ الموافق 7 يونيو 2015مسيحية

نص التعليق
إن السلطة القضائية Judicial Authority تعي ثقل المهمة الموكلة لها ، أنها مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى و هي أوجب ما تكون في الزمن الحاضر بأن تستجيب لما يرجوه المواطن و المتقاضي تحديدا سعيا إلى إدراك عدالة قوية و رصينة .
و من هذا الاساس فإن مقالك كان خير معوان لإرساء المحاكمة العادلة

طباعة التعليق

إرسال التعليق
إرسال المقالة والتعليقات إلى صديق
التعليقات متاحة للزوار التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع