الدكتور أمجد الجهني غسيل الأموال وأثره على السرية المصرفية
الباحث أمجد حمدان الجهني

عمان
2003

((حق الملكية الفكرية لهذا البحث محفوظ للمؤلف))


المقـدمــة
تعتبر السريه المصرفيه من القواعد الاساسيه في عمل البنوك ، التي تلتزم بموجب القوانين والاعراف بحفظ أسرار العملاء وعملياتهم المصرفيـة ، مالم يكن هناك نص في القانون أو في الاتفـاق يقضي بغير ذلك. (1)
وينصرف السر المصرفي إلى كل أمر أو معلومات أو وقائع تتصل بعلم البنك عن عمليه بمناسبة نشاطه أو بسبب هذا النشاط ، ويستوي في ذلك أن يكون العميل قد أفضى بها بنفسه إلى البنك أو أن يكون قد اتصل علم البنك بها من الغير .
ويعتقد البعض انه يلزم وجود شرط صريح في العقد مع العميل بإلزام البنك بكتمان السر ، بحيث لا تقوم مسؤولية البنك إذا تخلف هذا الشرط ، ومع ذلك يعتقد الاغلبية أن الالتزام بالمحافظة على السرية هو التزام ضمني يقع على البنوك في علاقتها بالعملاء لما تقتضيه طبيعة العلاقة المصرفية من ثقة متبادلة وحيطة وحذر، ومن ثم يوجد واجب ضمني على البنوك بعدم إفشـاء المعلومات عن العمـلاء بعمد أو باهمـال(2) .
وإذا كانت السرية المصرفية مبدأ مستقرا في المعاملات المصرفية ، ولا يجوز إفشاء أسرار العميل إلا في الحالات المحددة بالقانون فهل يجوز إستبعاد مبدأ السرية المصرفية في حالات الاشتباه بغسيل الاموال ؟ وهل ترتفع المسؤوليـة عن البنوك في حالـة إبلاغهـا عن العمليـات المشبوهـة إلى السلطـات المختصـة .
تختلف التشريعات الوطنية في الاجابة عن هذه التساؤلات . فهناك تشريعات ترفض الخروج على مبدأ السرية المصرفية حتى في حال غسيل الاموال ، وهناك تشريعات أخرى حديثة بدأت تحد من هذا المبدأ في حالة غسيل الاموال وذلك بهدف الحفاظ على الصالح العام (3) .
ويلاحظ من خلال بعض القضايا في عدة دول أن غاسلي الاموال قد أستفادو من مبدأ السرية المصرفية كما في لوكسمبورغ ولبنان وجزر كايمان ، للقيام بعملياتهم المشبوهة . ولعل هذا ما دعا سويسرا حفاظا على سمعة بنوكها إلى التخفيف من مبدأ السرية المصرفية بشكل مطلق حيث راح هذا المبدأ ينحسر فيها أمام حالات غسيل الاموال في بعض الحالات . فقد بدأت سويسرا بتقديم تعاونها دوليا لتدعيم موقف الحكومات الاجنبيـة ومساعدتهـا في ملاحقـة بعض جرائم غسيل الاموال وبالـذات تلك التي تتخذ طابعـا سياسيا .
لذا فأننا ومن خلال هذا البحث سوف نجيب عن هذه التسأؤلات السابقة و سنحاول التعرف إلى موقف المشرع الاردني والذي يتبنى مبدأ السرية المصرفية ، وفيما إذا كان يخرج من هذا المبدأ في حالة غسيل الاموال ، ام يتعارض مبدأ الاحذ بالسرية المصرفية في هذه الحالة من خلال خطة البحث التالية .

خطة البحث

فصل تمهيدي : ماهية غسيل الاموال ووسائله .
المبحث الاول : ماهية غسيل الاموال .
المبحث الثاني : الاساليب المستخدمة في عمليات غسيل الاموال .
الفصل الاول : ماهية السر المصرفي والاعتبارات التي يقوم عليها .
المبحث الاول : ماهية السر المصرفي.
المبحث الثاني: الاعتبارات التي تقوم عليها السرية المصرفية
الفصل الثاني : التزام المصرف بس المهنة .
المبحث الاول : الاساس القانوني لالتزام المصرف بالسر المصرفي .
المبحث الثاني : حالات الاعفاء من الالتزام بالسر المصرفي .
الفصل الثالث : البنوك وغسيل الاموال .
المبحث الاول : دور البنوك في عمليات غسيل الاموال والاشكالات التي تخلقها
طبيعة العمل المصرفي .
المبحث الثاني: مسؤولية البنوك عن القيام بعمليات غسيل الاموال .
الفصل الرابع : إهدار السرية المصرفية في سبيل مكافحة غسيل الاموال .
المبحث الاول : الاتفاقات والقرارات الدولية والاقليمية .
المبحث الثاني : الوضع في التشريع الاردني .

فصل تمهيدي
ماهيه غسيل الاموال ووسائله
المبحث الاول
ماهية غسيل الاموال
يعتبر تعبير غسيل الاموال من التعبيرات التي جرى تداولها مؤخرا في كافة المحافل الدوليه والاقليميه والمحليه المهتمه بالجرائم الاقتصاديه والامن الاجتماعي والاقتصادي ، باعتبار ان عمليات غسيل الاموال ترتبط الى حد كبير بانشطة غير مشروعه، تكون في العالم خارجه عن حدود سريان القوانين المناهضة للفساد المالي ، وثم تحاول العوده مره اخرى بصفه شرعيه معترف بها من قبل نفس القوانين التي كانت تجرمها. ان مصطلح غسيل الاموال او تبييض الاموال الملوثه هوتعبير واحد يقصد به اخفاء او تمويه المصادر الحقيقيه غير المشروعه للاموال المنقوله و غير المنقوله المتآتيةعن ارتكاب الجرائم المنظمه كتجارة المخدرات والمؤثرات العقلية وتهريب الاسلحه والاشخاص وتزوير النقود وتجارة الرقيق واختلاس المال العام ……الخ ، ومن ثم ادخال هذه الاموال ضمن نطاق الدوره الاقتصاديه الشرعيه ، وصولها الى تداولها بصوره طبيعيه ومشروعه.(1)
وقد جاء تعريف اللجنه الاوروبيه لمكافحة غسيل الاموال الصادر عام 1990 واضحا وشاملا حيث عرفها بانها(عملية تحويل الاموال المتحصله من انشطه جرميه بهدف اخفاء او انكار المصدر غير الشرعي و المحظور لهذه الاموال او مساعدة أي شخص ارتكب جرما بتجنب المسؤوليه القانونيه على الاحتفاظ بمحصلات هذا الجرم ).(2)
وقد عرفه المشرع المصري في قانون مكافحة غسيل الاموال رقم 80 لسنة 2002 بقوله ( كل سلوك ينطوي على اكتساب اموال او حيازتها او التصرف فيها او ادارتها او حفضها او استبدلها او ايدعها او ضمانها او استثمارها او نقلها او تحويلها او التلاعب في قيمتها اذا كانت متحصلـه من جريمه من الجرائم المنصوص عليها في المادة
(2) من هذا القانون مع العلم بذلك متى كان القصد من هذا السلوك اخفاء المال او تمويه طبيعته او مصدرة او مكانه او صاحبه او صاحب الحق فيه او تغيير حقيقته او الحيلوله دون اكتشاف ذلك او عرقلة التوصل الى شخص من ارتكب الجريمه المتحصل منها المال ) .
اما مصرف الامارات العربيه المتحده المركزي فعرفه بقوله : ( غسل الاموال يعني كل معامله مصرفيه هدفها اخفاء او تغيير هوية الاموال المتحصله بطرق غير قانونيه وذلك لكي تظهر على انها نابعه من مصادر شرعيه وهي غير ذلك ). (1)
اما البنك المركزي الاردني فعرف غسيل الاموال بقوله : ( اخفاء المصدر الحقيقي للاموال غير المشروعه ألمتأتيه من عمل غير مشروع او اعطاء معلومات مغلوطه عن هذا المصدر باي وسيله كانت وتحويل الاموال او استبدالها لغرض اخفاء او تمويه مصدرها او تملك الاموال غير المشروعه او حيازتها او استخدامها او توظيفها باي وسيله من الوسائل لشراء اموال منقوله او غير منقولة او القيام بعمليات ماليه)21).
ومن وجهة نظري ان تعريف القانون المصري لغسيل الاموال هو التعريف الشامل ، حيث اضاف حالات لم تنص عليها باقي القوانين ، وكذلك ذكر صراحة وجوب توافر العلم .

المبحث الثاني
الاساليب المستخدمه في عمليات غسيل الاموال
تقسم الاساليب المستخدمه في غسيل الاموال الى اساليب تقليديه ومنها طريق تبادل العمله وشراء الاصول الماليه ، وهناك الاساليب الحديثه والتي منها استخدام البطاقه الذكيه ( smart card )
او النقود الالكترونيه( E.money).
وسنقوم بالتفصيل لهذه الوسائل والاساليب من خلال المطالبين التاليين :

المطلب الاول
الاساليب التقليديه في غسيل الاموال
ولا نعني بالتقليديه انها سبل جامده او غير قابله للتغير والتطوير بل هي الاساليب الشائعه والمألوفه، وهي قابله للتطوير تبعا للزمان والمكان الذي تستعمل فيه ، ومن هذه الاساليب التقليديه الشائعه :

اولا: تهريب وتبادل العملات:
اما عملية تهريب العمله فتتم من خلال ايداع هذه النقود في حساب جار في احد المصارف ، او المؤسسات المصرفيه التي تزاول مثل هذه الاعمال ليتم من بعد نقلها بحريه الى حيث لاتطالها يد العداله. وبعد اجراء هذه العمليه يصبح من الصعب التمييز، او الفصل بين الاموال المشروعه التي كانت مودعه في ذات الحساب مسبقا او جرى تحويلها اليه عبر المنظومات الماليه في العالم من خلال التحويلات البنكيه ، وبين الاموال القذره التي اضيفت الى هذا الحساب.(1)
وعمليات التهريب هذه قد تتم بصوره اكثر ماديه من مجرد الايداع في البنوك ونقل الاموال القذرة عبر شبكة البنوك العالمية ، بل قد يتعدى هذا الاسلوب الى النقل المادي لهذه النقود من خلال وسائط النقل والشحن المختلفة كالبواخر او الطائرات .
وفي ظل وجود شركات وطنيه تتعامل بالصرافة والنقد والاوراق التجارية المسحوبة على جهات خارج المملكة فانه يصبح من الضرورة بمكان احكام اوجه الرقابة على هذه الشركات حتى لا تكون هذه الوسيلة سهله على غاسلي الاموال وحتى لاتغدو جزء من الحلقه العالميه لتبييض الاموال.(2)

ثانيا:- الجنات الماليه او الملاذات الضريبيه:
ويطلق هذا الوصف مجازا على تلك الدول التي يمتاز نظامها الاقتصادي بسمات عديده اهمها:
•عدم فرض الضرائب على اغلب اوجه الدخل فيها، او الوصول بنسب هذه الضريبه الى حدود متدنيه جدا.
•وجود منظومه قانونيه فيها تكرس مبدا سرية البنوك.
•انعدام سبل الرقابه على دخول او خروج العملات .
•سهولة الاجراءات المتبعه في شراء او تاسيس الشركات والمصارف وشركات التامين.
•استقرار البيئه السياسيه والنقديه.
•توفر وسائل الاتصالات الحديثه .
•سهولة الدخول الى هذه الدول وسهولة الحصول على تاشيرات للاقامه فيها.
•تميز الموقع الجغرافي لهذه الدول كأن تقع على خطوط التبادل التجاري العالميه.

ثالثا:- استخدام الشركات الوهميه :
وهي شركات تؤسس فعليا ولكنها في واقع الامر لاتزاول اية نشاطات حقيقيه وتاسيسها ياتي كواجهه لاخفاء النشاطات الجرميه غير المشروعه ، وغسيل وتبييض الاموال، ويتم هذا من خلال استخدام ذمتها الماليه واسمها التجاري لغايات فتح الحسابات ، المصرفيه لدى البنوك واجراء التحويلات وتهريب الاموال القذره التي تودع في هذه الحسابات وتهرب من بعد ذلك الى الخارج .
وتكمن الاهميه التي تضطلع بها الشركات الوهميه كحلقه من حلقات تبييض الاموال القذره في ان هذه الشركات يرخص بها بالعمل محليا وعالميا ، وبالتالي فهي تستخدم في تدوير الاموال القذره في العجله الاقتصاديه بحيث يضفي عليها ذلك صفة المشروعيه التي تكتسبها من خلال ايداعها باسماء الشركات الوهميه ، وتتآتى هذه المشروعيه من خلال النظم والقوانين المرعيه في البلد الذي تنشا فيه هذه الشركات لتعود الاموال القذره الى تجار المخدرات واصحاب الدخول غير المشروعه ، اموالا نظيفه ذات مصادر مشروعه وغير مشكوك بها.

رابعا:- الصفقات الوهميه:
تعد اعمال التزييف احد الانشطه المتواترة الاستعمال في عمليات غسيل وتبييض الاموال. فباستخدام الاسعار المضخمه يكون بمقدور غاسلي الاموال نقل الاموال القذره الى الخارج باختراق فواتير زائفه تتضمن اسعارا هي مضاعفات الارقام الفعليه التي تم دفعها ثمنا للبضائع، هذا اذا كان هناك بضائع تم شراؤها فعلا من حيث المبدأ. وتستخدم هذه الفواتير الزائفه في تغطية اموال المخدرات التي تم ضخها في الشركات الوهميه التي انف الحديث عنها اما باستعمال اموال المخدرات للوفاء باثمان الصفقات الوهميه او لتبرير الارباح الزائده المتاتيه من عمليات اعادة بين السلع الوهميه في احيان اخرى.(1)

خامسا:- دور السمسره:
يمكن استغلال دور السمسره لغسل الاموال القذره بسهوله ويسر. اذ انه من الممكن تحويل مقدار كبير من هذه الاموال الى سماسره متعاونين في احدى الدول ليشتري بها كميات كبيره من الاسهم والسندات الماليه باسمائهم او باسم أي شخص اخر او حتى باسم شركه وهميه ، واذا كانت هذه السندات غير اسميه فان هذا يزيد من سهولة العمليه فيكون تسجيل ملكية هذه السندات غير ضروري ، او يقوم هؤلاء السماسره بشراء العقارات في الدول التي تسمح للاجانب بذالك باسعار مبالغ فيها ولا تتناسب مع قيمة العقار المراد شراؤه او بيعه.(2)

سادسا:- دور القمار والكازينوهات:
تنتشر الكازينوهات ودور القمار في العديد من الدول ومنها الدول الناميه ودول الوطن العربي ، وتهدف الدول من تاسيس او السماح بتاسيس مثل هذه المحال الى تشجيع السياحه الوطنيه وجذب المستثمرين في هذا القطاع اليها. اما عن الكيفيه التي تسهم فيها هذه المحلات في عمليات غسل الاموال ، فتتمثل في ان يقوم غاسل الاموال في شراء كميه كبيره من فيش المقامره التي تستعمل بدل النقد السائل في هذه المحلات او ان يقوم بايداع مبلغ او فتح حساب له في هذا الكازينو، ومن ثم يمضي غاسل الاموال بعض الوقت في هذا الكازينو ويقامر بمبلغ زهيد من المال او قد لا يقامر على الاطلاق ، وبعد الانتهاء يعيد الفيش الى صندوق الكازينو او يغلق حسابه فيه ، ويطلب الى ادارته تسليم المبلغ الى شخص اخر يعمل معه في حقيقة الامر ، ويمتثل الصندوق لاوامره، ويودع هذه الاموال في حساب ذلك الشخص الذي يقوم بسحبها من الحساب . واذا ما تمت مساءلة هذا الاخير عن مصدر هذه الاموال ، فله بكل بساطه ان يدعي انه ربحها من القمار في ذلك الكازينو.1

سابعا:-شراء الاصول الماديه والوسائل النقديه:
يقوم غاسلو الاموال في هذه الحاله باستعمال الاموال القذره في شراء الاصول الماديه العينيه كالسيارات والقوارب واليخوت والطائرات والعقارات والمعادن الثمينه والسلع الترفيهيه باهظة الثمن ، او ان يقومو بشراء الوسائل النقديه القابله للتداول كاوامر الدفع والشيكات المصرفيه والسياحيه واذونات الدفع البريديه والضمانات الائتمانيه وغيرها.
وقد اتضح في احدى الحالات ومن خلال التحريات ان العاملين في في خدمة غسيل الاموال لصالح تجار الهيروين النيجريين ، يقومون بشراء اصول عينيه (سيارات) لتصديرها بقصد بيعها في السوق الافريقيه ويسترون من خلال هذا الاجراء تهريب اموال وحاصلات بيع المخدرات.

المطلب الثاني
الاساليب التكنولوجيه المتقدمه في غسيل الاموال ( غسيل الاموال الالكترونيcyber laundering )
مع تفجر ثورة الاتصالات في العالم واقترانها بظاهرة العولمه ، وتطور شبكات الاتصال العالمية( الانترنت) بشكل كبير ومتغير باستمرار، اصبحنا نرى ما هو جديد في عالم الانترنت والاتصالات يوميا ، وقد رافق هذه الطفرات مجموعه من التغيرات في الاطر الكلاسيكيه للتعامل التجاري ، كظهور الاموال الالكترونيه(E.mony) والبطاقات الذكيه(smartcard) ، اصبح من اليسير من خلالها تبادل القيم النقديه عبر الانترنت ، واصبح قطاع البنوك مثله كمثل أي قطاع تجاري له تعاملات داخليه وخارجيه يتداول اعماله من خلال وسائل التكنولوجيا الحديثه ، تاقلما مع الاوضاع العالميه المستحدثه ليستفيد من ميزة السرعه التي توفرها هذه التكنولوجيات.الا انه وبالمقابل فان عصابات الجريمه المنظمه ، وغاسلي الاموال يستفيدون بالمقابل من مزايا هذه التكنولوجيا ايضا فقد تغيرت وسائل واساليب غسيل الاموال او اصبحت تنآى تدريجيا عن الاساليب التقليديه التي قد تكون عرضه للاشتباه فيها وبالتالي كشفها، واصبحت هذه الشبكه الالكترونيه تشكل ملاذا امنا تلجأ اليه عصابات الجريمه المنظمه في العالم لاجراء عمليات غسيل الاموال.
وظاهرة إستغلال تكنولوجيا الاتصال الحديثة في عمليات غسل الاموال اخذة بالانتشار على الصعيد الدولي وبصورة تدعو للقلق ولأهمية هذا الموضوع فأننا ننتقل الى دراسة الادوات التي يجري استغلالها لتحقيق الغاية المرجوة من عمليات غسيل الاموال بغية التعرف على هذه الادوات.(1)

أولاً :-أجهزة الصرف الآلي ((Automated Teller Machines
تبين للسلطات الأمنية في أنحاء مختلفة من العالم تزايد استخدام هذه الأجهزة في عمليات إيداع أو سحب النقود القذرة من الحسابات المصرفية ، وذلك للتخلص من الإجراءات المصرفية التي تتضمن تعبئة نماذج خاصة بعمليات الإيداع والسحب وعدم لفت النظر اليها ، ويجري استعمال هذه الآلات في غسيل الأموال من خلال إجراء العديد من عمليات الإيداع والسحب للأموال القذرة في ذات اليوم ومن عدة أماكن مختلفة وبصورة تضمن عدم انكشاف أمرها أو لفت الانتباه إليها .

ثانياً:-الخدمات المصرفية الإلكترونية (Online Banking services )
ظهرت في الحقبة الأخيرة وخصوصاً بعد اندلاع ثورة تقنيات الاتصالات مجموعة من الخدمات التي تقدمها المصارف المحلية والدولية لزبائنها، وهي تستعين في توصيل هذه الخدمات بشبكة الإنترنت . وتهدف البنوك من استعمال هذه التقنيات الى خدمة زبائنها وتسهيل تنفيذ وإجراء العمليات المصرفية المختلفة كتحويل الاموال ودفع الالتزامات والفواتير والاستفسار عن الحساب وغيرها .
وعلى الرغم من التطابق ما بين العمليات المصرفية الألكترونية والخدمات التي تجري في البنوك بالصورة التقليدية على حاجز البنك ، الا ان الاحصائيات تشير الى تزايد مضطرد في اعداد المستفيدين من الخدمات الالكترونية .
وبالنظر الى الطبيعة المتحركة المنظومة الانترنت وأنظمة الاتصالات الحديثة فقد تقارب المسافة الفعلية بين غاسلي الاموال والمتعاملين معهم ، أو بين الجاني والضحية في جرائم الاحتيال المالي على مساحة قارة كاملة - في بعض الاحيان - مما يزيد من صعوبة تعقب وقوع هذه الجرائم ، ويعقد من عمليات التحري عنها او التحقيق فيها .
كما ان من التحديات التي تواجه السلطات التي تتعقب هذه الجرائم عدم إمكانية تحديد الهوية الحقيقية للجاني، فالتعامل مع الحاسوب يجري ضمن معادلات ودلالات معينة يستطيع الحاسوب تفسيرها، ويمكن في بعض الاحيان التلاعب بإحداثيات هذه المعادلات بصورة تجعل الحاسوب يعتقد أن المتعامل معه هو المستفيد الحقيقي من الخدمة ، ويصبح من المستحيل بالتالي معرفة الشخص وراء التلاعب ، بالاضافة الى إمكانية إعدام أية آثار للتلاعب ، من شأن مراجعتها أن يؤدي الى الشك به او ملاحقته.

ثالثاُ :- بنوك الانترنت (Internet Banks ):
من ضمن مساهمات ظهور شبكة الانترنت نشوء التجارة الالكترونية والتي تتسم بالتعقيد. وهذه السمة تجعل من السهل - بواسطة خبراء في المجال - إجراء العديد من الصفقات المشبوهة وغير القانونية التي تنطوي على عمليات لغسيل الاموال .
ولهذا السبب فقد أصبح من الضرورة تحديد هوية المتعاملين التجاريين من خلال الشبكة بواسطة بطاقات تعريف شخصية تتضمن أسم المتعامل وعنوان أقامته وهاتفه مثلاً ، وهذا ينسحب على البنوك على الصعيد المحلي ، إلا أننا نصطدم بعوائق كثيرة اذا ما تعلق الامر ببنك او مصرف دولي موجود في دولة أخرى ولو كانت مجاورة ، حيث لا يمكن توفير آلية لضبط عملية التعرف على المتعاملين مع البنوك التي تتعامل عبر شبكة الانترنت العالمية.(1)¬

رابعاً :- النقود الإلكترونية والتشفير (E.money )
والنقود الالكترونية إحدى اكثر انظمة النقد والصرف اغرا لغاسلي الاموال لاستحالة تعقبها وسريتها وسرعتها ، اذ يمكن تحويل أي مبلغ من خلالها في فترة وجيزة جداً من الزمن ودونما اعاقات او حواجز جغرافية او مصرفية او قضائية. وبخلاف البطاقات الذكية(smart card ) فالاموال الالكترونية يجري تمريرها بين أي طرفين على الشبكة وبصورة مباشرة ودون الحاجة الى وسيط مالي كالبنوك على سبيل المثال.
وتتمتع النقود الالكترونية (E.money) بعدة مزايا تستفيد منها كافة الاطراف في جمهرة المتعاملين بها من مستهلكين او بنوك. اما بالنسبة للمستهلك فهي تمتاز بـ:
•جري التعامل بها بسهولة وسرعة وفعالية عالية.
•عدم الحاجة لحمل الأوراق النقدية .
•تخضع للحماية المقررة للمستندات المالية الشخصية الالكترونية.
•يمكن ابقاء العمليات التي تمت بها سرية ومجهولة.
•ذات طبيعة تجعلها محمية من السرقة.

اما مميزات النقود الالكترونية للبنوك والشركات المتعاملة بها فتتمثل بـ:
•التنفيذ الفوري للعمليات المالية المختلفة.
•خفض الكلفة الزائدة التي يفرزها التعامل بالنقد التقليدي.
اما التشفير(coding) وهو عملية يمكن من خلالها حماية المعلومات المتعلقة بالبنوك والعملاء والعمليات المالية التي يقومون بها على الشبكة بجعلها مجهولة تماماً من خلال مفاتيح التشفير المتوفرة على الحواسيب الشخصية ، وباجراء عمليات التشفير تصبح النقود الاكترونية بمثابة النقد الورقي التقليدي فهي ملك لحائزها ، ومتى تم سحب او ايداع هذه النقود عن طريق شبكة الانترنت فيسوغ لحائزها ان ينفقها في أي وجه يريد او ان يعطيها لاي كان ، كما يمكن من خلال ذلك اجراء عمليات غسيلها وبصورة لا تتيح الاشتباه بها او الكشف عنها ، اذ تتم هذه العمليات دونما اثر يتيح تعقبها وبسرعة ودقة عاليتين وتغطيها حركة رؤوس الاموال المضطردة والمستمرة على الشبكة .

خامساً:-البطاقات الذكية(smart card )
وهي وسيلة من وسائل الدفع . وقد بدأ استعمالها في الاردن في باكورة عام 1995، وبخصوصها تقوم الجهة المصدرة بشحن البطاقة بمعطيات رقمية الكترونية تمثل قدراً معيناً من النقود وتتيح لحاملها بالتالي استخدامها في الشراء الفوري للسلع بالنسبة للتجار الذين يقبلون الوفاء بها ، ويجري اقتطاع مبلغ كل عملية من عمليات الشراء بصورة الكترونية من رصيد الحامل المخزون على البطاقة الذكية وبواسطة الرقاقة الاكترونية(Electric chip ) المركبة على هذه البطاقة بالترافق مع اجهزة ونقاط نهاية البيع التي توفرها الجهة المصدرة للتجار الذين يقبلون الوفاء بهذه البطاقات .

الفصل الاول
ماهية السر المصرفي والاعتبارات التي يقوم عليها
المبحث الاول :
ماهية السر المصرفي
البحث في ماهية السر المصرفي تقتضي ان تتصدى اولا لمفهوم السر المصرفي من خلال تعريفه والنظريات التي قيلت حول ذلك , ودراسة طبيعة هذا السر .
اولاً : مفهوم السر المصرفي .
يعرف السر لغويا بانه ما يكتمه الانسان في نفسه , فهو كل خبر يقتصر العلم به على عدد محدود من الاشخاص , وهو كل معلومة مقرر لها ان تكون مكتومة او هو ما يفضي به الشخص لآخر مستامنا اياه على عدم افشاؤه , بل انه يشمل كل واقعة تقترن بها ادلة تدل على انه يجب ان تكون مكتومة او كان العرف يقضي بكتمانها .(1)
وقد عرف السر المصرفي بانه :-( امر غير معروف وغير شائع بحيث يؤثر اطلاع الغير عليه تاثيراً يضر بمصلحة العميل ووضعه المالي كأفشاء رصيد حساب احد العملاء او الضمانات التي قدمها لقاء تسهيلات مصرفية) .(2)
وقد نادى بعض الفقهاء بعدة نظريات لتحديد مفهوم السر المصرفي ومن هذه النظريات : (3)
1ـ نظرية الضرر :
ومفاد هذه النظريه ان افشاء السر المصرفي لايعتبر اخلالا بالالتزام الواجب قانونا الا اذا كانت الواقعة المفشاة ذات طبيعة ضارة او نتج عن الافشاء ضرراً اصاب العميل .
ويرى انصار هذه النظرية ان جريمة افشاء السر المصرفي هي نوع من انواع القذف والسبب، ذلك ان كلا من هذه الجرائم يسبب ضرراً او اذى للمجني عليه في سمعته وشعوره .
ولكن هذه النظرية تعرضت لانتقادات عديدة اهمها ان جريمة افشاء السر المصرفي لا يمكن ان نقرنها بجرائم السبب والقذف لأن عناصرهما مختلفة والغاية من التجريم فيهما مختلفة ايضا ً، فبينما الغاية من التجريم في جرائم القذف هي حماية سمعة وشرف المواطنين مجد ان الغاية من تجريم افشاء السر هي لحماية الثقة المفترضة والواجبة في ممارسة بعض المهن ، كالمهنة المصرفية ومافيها من مساس بالصالح العام .

2ـ نظرية التفرقة بين الوقائع السرية والوقائع المعروفة :
يرى انصار هذه النظرية ان افشاء السر المصرفي لا يقع الا على وقائع سرية او معلومات مكتومة ويتمثل افشاؤها في نقلها من طي الكتمان الى علم الغير , فلا يعتبر افشاء للسر القول بواقعة معروفة للناس ، أي ان تكون معروفة بطبيعتها .
اخذ على هذه النظرية ان معرفة الواقعة من قبل لا تكفي لجعل الافشاء مشروعاً لان فعل الافشاء يؤكد اخبارا كانت تتردد حول هذه الواقعة قد تكون مجرد اشاعات , وهذا ما نراه في تعريف الافشاء انه :- من شان افشاء هذه الواقعة ان يعطي الغير اطمئناناً او تاكدا لم يكن لديه من قبل (1)
3ـ نظرية ارادة المودع في بقاء الامر سراً :
مضمون هذه النظرية كما قال بها انصارها انها لاتعتبر الامر او الواقعة سراً الا اذا عهد بها صاحبها الى الامين على انه سراً , أي ان تتجه ارادة صاحب السر على ان الواقعة التي افضى بها هي السر لا يجوز افشاؤه .
ولم تلاقي هذه النظرية قبولا لدى العديد من الفقهاء(2) لأنها لا تحقق الغاية او الغرض من تحريم افشـــاء السر , ذلك ان بعض الوقائع تعتبر سراً بطبيعتها او بحكم القانون ولا دخل لأرادة المودع بذلك ، لذا فلا مبرر للقول بجواز افشاؤها لعدم اتجاه ارادة المودع ببقاءها سراً .
وكما ذهب بعض الفقهاء الى انه (3) ليس من الضروري ان يودع الشخص سره بنفسه لدى الامين بل قد يحصل عليه هذا الاخير بطريق او باخر ويلتزم رغم ذلك بعدم افشاؤه , كحالة حصول البنك على المعلومات بطريق الاستعلام عن العميل . ونخلص مما تقدم ذكره من تعريفات السر المصرفي والنظريات التي قيلت حول ذلك ان السر الذي يعلم به المصرفي عن عميله لا يجوز افشاءه لانه يلتزم بكتمانه بحسب واجبه المهني .
ثانيا : طبيعة السر المصرفي .
لا تعتبر جميع الوقائع التي تصل الى علم البنك بالنسبة لعميله سراً يتعين كتمانه , بل لابد ان تكون مرتبطة بعلاقات الاعمال بين البنك وعميله .وان تصل هذه المعلومات الى البنك بمناسبة مباشرة نشاطه وان تتجه ارادة العميل الى اعتبار هذه الوقائع سراً او ان تقضي طبيعتها بذلك . فليست جميع المعلومات التي يحصل عليها البنك تدخل ضمن النطاق السر المصرفي بل يجب ان تكون هناك حدوداً وفواصل بين ما يعتبر سرا وما لا يعتبر كذلك .
وبسبب عدم تحديد نصوص القوانين لهذه الوقائع فقد حاول (1)بعض الفقهاء تحديدها على سبيل الحصر , وبالرغم من ان هذا الاسلوب يتسم بالتحديد والوضوح الا انه لا يمكن حصر جميع الوقائع التي يمكن ان تعتبر سراً والتي قد تحدث في المستقبل او تستجد ، ولذا فان هذه الطريقة لم تكن مجدية
لذا فقد قيل بوضع ضوابط او معايير لتحديد الواقعة التي تعتبر سراً لا يجوز افشاؤه من تلك التي لا تعتبر كذلك ، وقد تم تحديد ضابطين وهما :
1- ضابط مادي
ويتعلق هذا الضابط بالوقائع والمعلومات ذاتها , اذ يجب ان تنبع من نطاق روابط الاعمال بين البنك والعميل ، وان ترتبط ارتباطا وثيقا بمباشرة البنك لنشاطه .
فالمعلومات والبيانات السرية هي التي تنجم عن علاقات العمل ما بين البنك والعميل ، والتي يحصل عليها البنك بحكم هذا التعامل او الاستعلامات التي قام بها البنك لمعرفة الوضع المالي الحقيقي لعميله او مسموعاته الادبية او التجاريه .
لذالك وحسب الضابط فان أي تفاصيل او معلومات يتحصل عليها البنك بمناسبه مباشرة اعماله او بسبب تعامله المباشر مع العميل ، فانها تعتبر اسراراً مهنيه ولا يجوز افشائها.
وقد واخذ (2) الفقه الفرنسي بهذا المعيار وذهب الى ان البنك لايعتبر ملزماً بكتمان السر الذي لا صله له بمهنته أي الذي وصل لعمله خارج نطاق اعماله، فلا يعتبر افشاء للسر القول بمعلومات تعتبر من الامور المعروفه والشائعه لدى الجميع او التي علم بها موظف البنك لصلة قرابه بالعميل وفي غير نطاق عمله .
2-ضابط شخصي:
يعتمد هذا الضابط على الجانب الشخصي فيجب ان يكون السر منسوبا لشخص معين مما يستلزم ان تنسب الوقائع لعميل بعينه، ويتعين لتحديد الوقائع التي تعتبر سرا البحث عنها في ارادة العميل ، فهي التي تتجه الى كتمان بعض الوقائع والمعلومات الناشئه عن علاقته بالبنك، ويفترض قيام هذه الارادة حتى قبل ابرام أي اتفاق خاص ، باعتبار ان الكتمان مفترض على اعمال البنوك.
ويترتب على الاخذ بهذا الضابط ان العميل هو سيد سره ، وهو وحده صاحب الحق في التصرف فيه وتعتبر الواقعه سرا يكلف البنك بكتمانها حتى لو كان كتمانها لايتضمن فائده للعميل (3)
فالخلاصه اذن ، ان المعلومات التي تشملها السريه المصرفيه هي التي تتصل بعلم البنك بسبب مباشرته مهنته واثناء التعامل مع عميله والتي تنصرف ارادة العميل الصريحه او الضمنيه باعتبارها سراً مصرفيا او التي تقضي طبيعتها بكتمانها.

المبحث الثاني
الاعتبارات التي تقوم عليها السريه المصرفيه
ان الاساس القانوني للكتمان المصرفي هو التزام المصرف بالمحافظة على اسرار عملائه المعهودة اليه وعدم افشائها، لان ذلك يعرضه للجزاءات المدنيه والجزائية.
ويختلف نطاق الالتزام بالسر المصرفي تبعا لاختلاف السياسة التشريعية للدولة ، وغالبا ما تستند هذه السياسة الى حماية الحرية الشخصية للفرد وحماية مصلحة المجتمع ،ذلك ان افشاء السر المصرفي يضر بمصلحة الشخص نفسه ، فضلا انه يمس الجماعة ككل ، لذلك يتدخل المشرع بإسباغ الحماية الجنائية عليه (1) 0
بالاضافه لما تقدم نجد في المحافظة على الأسرار المالية حماية للمجتمع والمصلحة العامة ذلك لان إفشاء السر يخل بالثقه العامه الواجب توافرها في ممارسة المهنة المصرفية، كما يمس بالوقت ذاته مصلحة المصرف نفسه ذلك بأنه يؤثر بثقة العملاء فيه ، ومدى قدرته على حفظ أسرارهم ، وبالتالي مدى إمكانية التعامل معه 0(2)
وعلى ذلك (3) كانت الاعتبارات التي يقوم عليها السر المصرفي هي اعتبارت تتعلق بالحرية الشخصيه واحترام الحياه الخاصه للفرد، كما انها اعتبارات تتعلق بكتمان انشطة المصرف الخاصه بالعملاء حتى ينشا جو من الثقه فيما بين المصرف وعملائه، اضف الى ذلك الاعتبارت الخاصة بالمصلحة العامة .

اولا: حماية الحريه الشخصيه.
تنص المادة السابعة من الدستور الاردني لسنة1952م" ان الحرية الشخصية مصونة " حيث ان الدستور قد كفل الحرية الشخصية وما يتبعها من احترام الحياة الخاصة للمواطن وصون كرامته وادميته، فالانسان بحكم طبيعته له اسراره الشخصية ومشاعره الذاتية وصلاته الخاصة ،ولا يمكنة ان يتمتع بهذه الملامح الا في اطار مغلق يحفظها ويهيء لها سبيل البقاء.
وتقتضي حرمة الحياة الخاصه ان يكون للانسان الحق في اضفاء السرية على مظاهرها واثارها، ومن هنا كان الحق في السرية وها مقابلاً للحق في الحياة الخاصة لاينفصل عنه في أي حال من الاحوال.
لذا فان الكتمان المصرفي مظهر من مظاهر حماية الحرية الشخصية للافراد بمناسبة نشاطهم الاقتصادي ، وهي حمايـــة تقوم على اسس قانونية وتمليها اعتبارات سياسية واقتصادية واجتماعية ،ذلك ان للفرد مطلق الحريه – في حدود القانون- ان يمارس نشاطــه الاقتصادي0
المشروع وان يحتفظ لنفسه بذمته المالية وتفصيلاتها دون ان يتعرض له احد الا وفق احكام القانون.

ثانيا:حماية مصلحة المصرف في كتمان اعماله .
ان ازدهار أي مصرف ونمائه يتوقف على ازدياد عدد المتعاملين معه وحركة تعاملاتهم،ذلك ان أي مهنه خدميه كقطاع المصارف تتوقف بالدرجه الاولى على زبائنها وتعتمد اعتمادا كليا عليهم، لذلك كان من مصلحة المصرف ان تبقى اعماله مكتومة لارتباط ذلك بمصلحة العملاء الذين يأمنوه على اسرارهم المالية والذي يتوجب عليه ان يحافظ عليها، ليس من منطلق الحماية القانونية للسر المصرفي فحسب ، بل من منطلق الحرص على مصلحته في تدعيم الثقة فيه وعدم نفور العملاء من التعامل معه ، وبالتالي خسارة المصرف على الصعيد المالي والتجاري ومنها تعويض الأضرار التي لحقت بالعملاء من جراء إفشاء الأسرار.
أضف إلى ذلك (1)أن ممارسة أي مهنة تقوم على جانبين:جانب مادي هو الأفعال التي يقوم بها صاحب المهنة وجانب معنوي هو أخلاقيات المهنة، والتي يقصد بها مجموعة الواجبات الأدبية والانسانيه التي تمليها المهنة على المشتغلين بها.
وبعض هذه الواجبات الأدبية تصبح من سلوكيات واداب المهنة الثابته ، وبعضها ما يكتسب حماية القانون ويضفي عليها إلزام قانوني ومنها عدم إفشاء السر المصرفي، لان المصرف يعتبر مؤتمنا على أساس الثقة المفترضه فيه ومن ثم يتعين عليه ان لا يخون هذه الثقه.

ثالثا:المصلحه العامه.
تعرف المصلحه العامه "بانها ليس فقط مايتعلق بأمن الدوله ولكن كل ما يمكن أن يضر بالسياسة الخارجية وطوائف الدولة والتحقيقات الحكومية والسياسة التجاريه وبحقوق وامتيازات البرلمان ، والمشرع ، وكل ما يمكن ان يضر بالاتفاق بين طوائف المجتمع المختلفة والمصلحة العامة تمثل الاتجاهات العليا سواء الاقتصادية او السياسية او الاجتماعية وما تسعى الجماعة لتحقيقه من اهداف ، وفي الواقع انة يصعب اعطاء تعريف دقيق وواضح للمصلحة العامة ، ذلك انها فكرة تختلف باختلاف الزمن وتتغير بتغير الظروف .
وتعتبر المصلحة العامة من اهم الاعتبارات التي تكمن خلف التزام المصارف بسر المهنة ، ذلك ان الفرد هو جزء من الجماعة أي انه جزء من كل ، وبمراعاة مصلحة الجماعة تتحقق مصلحة الفرد ، فكتمان الاسرار المصرفية يؤثر ايجابيا على الاقتصاد الوطني بما يوفره من ثقة للائتمان العام باعتباره (1)مصلحة عليا للدولة .
ذلك ان دعم الثقه في الائتمان الوطني وبالتالي في المصارف الوطنية يؤدي لازدياد التعامل معها وايداع الاموال بما فيها جذب رؤوس الاموال الاجنبية والعاملة واستقرارها في البلد الامر ، الذي يدعم الثقة والائتمان المصرفي ، ذلك ان جذب رؤوس الاموال تلعب دورا كبيرا في دعم عجلة الاقتصاد الوطني وازدهار النشاط الاقتصادي و الرخاء الاجتماعي ، مما يعود بالنفع والفائدة على المجتمع ككل .

الفصل الثاني
التزام المصارف بسر المهنه
لقد نظمت بعض التشريعات الحديثه (1) السريه المصرفيه ووضعتها في مصاف الأسرار المهنيه المتعارف عليها ، فإذا كانت هذه الأسرار تهدف إلى حماية الإنسان وخصوصياته ، فان السريه المصرفيه تهدف بالاضافه لذلك تسهيل ممارسة المهنه المصرفيه، فالسريه تدعم ثقة الجمهور بالمصارف وتعطي ضمانات جديه للتكتم ولعدم كشف الأسرار تحت طائلة المسؤوليه ، مما يؤدي بالتالي إلى تأمين المصلحه الاقتصادية للمجتمع.
وقد أجمعت (2)التشريعات والاجتهادات القضائيه والأعراف في سائر البلدان ، على ان البنك ملزم بحفظ السر الذي وصل الى علمه والوقائع والمعلومات التي ترتبط بالنشاط الاقتصادي لعميله ، كما الزمت القوانين الاشخاص من خارج البنك والذين يطلعون على اسراره بحكم مهنهم الحفاظ على هذه الاسرار كالقضاه ومدققي الحسابات ومفتشي الضرائب وموظفي البنك المركزي.

المبحث الاول
الاساس القانوني للالتزام بالسر المصرفي
ان الالتزام بالسر المصرفي كان في البداية واجبا اخلاقيا تدعو اليه مكارم الاخلاق والتزام طبيعي، ثم املته بعد ذلك الاعراف والتقاليد المصرفيه المستقره بالتعامل ، واستقر بعد ذلك التزاما قانونيا.
الا ان الفقه اختلف في اساس الالتزام بالسر المصرفي ، فمنه من يرى ان اساس الالتزام هو العقد المبرم بين المصرف والعميل، وجانب اخر يرى ان بان اساسه هو فكره النظام العام.

المطلب الاول
العقد كمصدر للالتزام بالسر المصرفي
عرف القانون (3)المدني الأردني العقد بأنه" ارتباط الإيجاب الصادر من أحد المتعاقدين بقبول الآخر وتوافقهما على وجه يثبت أثره في المعقود عليه ويترتب عليه التزام كل منهما بما وجب عليه للآخر" وقد عرفه الفقه (1)على انه توافق ارادتين على انشاء الالتزام او نقله ، اذا فالعقد هو اتفاق بين شخصين او توافق ارادتين وينشئ التزاما متبادلا على كل طرف من اطرافه.
والعقد في الشريعه الاسلاميه(2) هو ربط كلامين او مايقوم مقامهما ينشا على اثره الشرعي. وللعقود عدة تقسيمات فهناك العقود الرضائيه التي تتم بمجرد توافق الارادتين ، وهناك العقود الشكليه التي يجب ان تخضع لشكل معين محدد بالقانون اضافه لتوافق الارادتين فيها،وهناك ايضا العقود الملزمه لجانب واحد والملزمه للجانبين.
وسنحاول تطبيق القواعد العامه في العقود على نظرية العقد كاساس للالتزام بالسر المصرفي ، ذلك ان معظم عمليات المصارف ان لم تكن جميعها تتم عن طريق ابرام العقود المصرفيه باختلاف انواعها ، وتنعقد هذه العقود برضاء كلا من الطرفين البنك والعميل.
ويتمثل رضاء البنك بالايجاب المقدم منه بشكل نماذج معده لهذا الغرض كنماذج عقد فتح الحساب او عقد الاقتراض او خصم الكمبيالات او فتح الاعتمادات الى غير ذلك من انواع العمليات المصرفيه، ويتم قبول العميل بمجرد الموافقه على النموذج المقرر من البنك والتوقيع عليه.
لذلك فان اساس الالتزام بالسر المصرفي يكمن في اتفاق العميل المودع للسر مع المصرف المودع لديه هذا السر عن طريق العقد المبرم بينهما ، ذلك ان المصرف ليس ملزما بتلقي الاسرار ، ولكنه اذا تلقاها باختياره فان واجب عليه التكتم عليها.
فالعقد (3)يعتبر المصدر الرئيسي لالتزام البنك بحفظ الاسرار المعهوده اليه، اذ غالبا ما يعهد العميل بسره الى البنك بمناسبة اتفاق بينهما بشان عمليه مصرفيه ، وتتجه اردة العميل الى كتمان المعلومات التي تتعلق بتلك العمليه ، فيتولى تحديد موضوع السر ونطاقه.
ولايشترط ان تتجه ارادة العميل صراحه الى ذلك فهي اراده مفترضه كما تفترض السريه في اعمال البنوك، ويتعين عند تفسير العقد وتحديد الوقائع والمعلومات محل الكتمان البحث عنها في ارادة العميل .
ولكن اذا ما استندنا للعقد كاساس للالتزام بالسر المصرفي ، كان علينا ان نحدد طبيعة هذا العقد، أي نوع من العقود هو، وان نتعرض لعقود العمليات المصرفية ، وعلى اية حال ايا كان الاساس للالتزام بالسر المصرفي ممثلا باي نوع من انواع العقود ، فانها لاتنعقد الا تحت شرط صريح او ضمني ، وهو اذلا يفشي البنك اسرار عميله ، وان يتكتم على المعلومات المعطاة اليه من قبله.
وقد قيل بعدة نظريات لتحديد نوع عقد الالتزام بالسر المصرفي ومن اهمها:

اولا: نظرية عقد الوديعة.
وفحوى هذه النظريه ان العقد الذي بين المصرف والعميل هو عقد وديعة ، والوديعة (1)بشكل عام هي " عقد يلتزم بموجبه شخص باستلامها والمحافظه عليها على ان يردها عينا " .
وعرفه القانون المدني الاردني بانه عقد يخول به المالك غيره حفظ ماله ويلتزم الاخر بحفظ هذا المال ورده عينا.
وعقد الوديعه (2)هو عقد رضائي يتم بين العميل والبنك ولا يستلزم لابرامه شكل معين ويتم بمجرد توقيع أي عقد لاية عملية مصرفية ، ويستنتج ان اساس الالتزام بالسر المصرفي ناشيء عن عقد وديعه نص المادة 355 من قانون العقوبات الاردني بقولها "3- كان بحكم مهنته على علم بسر وافشاه دون سبب مشروع".
أي ان السر المصرفي مودع لدى الامين البنك بحكم وظيفته او مهنته ويقابلها المادة875 من القانون المدني الاردني والتي نصت على انه الايجوز للمودع لديه ان يستعمل الوديعة او يرتب عليها حقا للغير بغير اذن المودع، مما يدل على ان عقد الالتزام بالسر المصرفي هو عقد وديعة .
ومن جهة اخرى فان افشاء السر المصرفي والاخلال بالوديعة يترتب على كل منهما جزاء جنائي نص عليه في كل من المادتين 355 من قانون العقوبات بالنسبه للسر المصرفي والمادة 422 من قانون العقوبات بالنسبة للوديعة .
وقد لقيت نظرية عقد الوديعة انتقادات شديدة من جانب بعض الفقهاء (3)وذلك لعدة اسباب منها:
1. ان عقد الوديعة عقد تبرعي بلا مقابل ومحله اشياء منقولة ، وهذا لاينطبق على السر اذ ان محل العقد بين العميل والمصرف هو شيء معنوي وليس مادي.
2. ان الاشياء التي تكون محلا لعقد الوديعة يمكن استردادها لانها ترد على شيء منقول وملموس وذلك خلافا للسر الذي لايمكن استرداده ممن اؤتمن عليه او مطالبته برده .
3. ان طبيعة السر تختلف عن طبيعة الاشياء .
4. أن عقد الوديعة في القانون المدني الادني من العقود العينيه التي لاتتم الا بالقبض وهذا لاينطبق على السر المصرفي لان المصرف لايقبض شيئا عندما يعلم بالسر من عميله .

ثانيا : نظرية عقد الوكالة .
تقول هذه النظرية بإمكان تقريب الالتزام بالسر من عقد الوكالة، ففي عقد الوكالة يكون الوكيل ملزما بالتصرف لصالح الموكل ، وبذلك ينشا الالتزام بالسر المهني مباشرة او بطريق غير مباشر ، من الواجب المفروض على الوكيل بان لايتصرف بما يضر بمصالح موكله (4).
ومن الانتقادات الموجهة لهذه النظرية(1) ان عقد الوكاله لايمكن ان يفسر العلاقة بين البنك والعميل، وايضا ان عقد الوكالة ينتهي او ينقضي بتمام العمل الذي كلف به الوكيل ، وهذا غير وارد في السر المصرفي اذ على البنك الالتزام بحفظ السر حتى لو انتهى تعامل العميل مع البنك .

ثالثا : نظرية عقد ايجار خدمه .
ذهبت هذه النظرية الى انه عندما يقبل البنك التعامل مع عميل ما ، فانه يبذل مافي وسعه في تنفيذ التزاماته بخدمة هذا العميل ، وان يحفظ كل ما عهد اليه هذا العميل من اسرار او ما يعرفه من جراء التعاملات القائمة ، فالعقد الذي يربطهما هو عقد ايجار خدمة.
وقد انتقدت هذه النظرية ايضا لقصورها ، ذلك ان التعامل بين البنك والعميل ليس مجرد عقد اسداء خدمة ينتهي بانتهائها ، بل يبقى الالتزام بالسر حتى لو انتهى التعامل بينهما.

رابعا : نظرية العقد غير المسمى .
واخيرا ونظرا لقصور النظريات السابقة في تبرير الالتزام بالسر المصرفي ، فقد قيل بان طبيعة هذا العقد هو عقد غير مسمى ، أي ان الالتزام بالسر المصرفي قائم على عقد تم بالرضاء بين البنك والعميل ، الا انه عقد غير مسمى.
وكسابقاتها وجهت لهذه النظرية عدة انتقادات منها انعدام الرضا من جانب المصرف في ابرام العقد في بعض الحالات ، كالحوالات التي ترد إليه من الخارج.
ومن النتائج (2)التي تترتب على الاخذ بالنظرية العقدية كاساس للالتزام بالسر المصرفي هي ان الالتزام بالسر المصرفي يعد التزاما نسبيا ولا يعد التزاما مطلقا بالكتمان ، وان رضا صاحب السر بالافشاء يعد سببا لاباحة الافشاء فيستطيع ان يعفي المصرف منه او ان يسقطه عنه وله الحق في اعطائه الحرية الكاملة في افشائه .
ان النظرية العقديه لم تسلم من الانتقادات التي وجهت اليها فقد انتقد بعض الفقهاء(3) لانها تقوم على افتراض عقد ضمني بين المصرف والعميل مما لايتفق مع الواقع.
الا انني ارى ومع كل ما تقدم انه يجب الاخذ بنظرية العقد كاساس للالتزام بالسر المصرفي ذلك انها تصلح لتفسير اساس الالتزام ، ذلك لان كل العمليات المصرفية التي يقوم بها العميل مع المصرف تستند اساسا الى عقد يبرم بينه وبين المصرف ، سواء اكانت العملية فتح حساب او وديعة او قرض ، وتتجه ارادة العميل الى كتمان المعلومات التي تتصل بهذه العمليات ، او ان ارادة العميل مفترضه في ذلك .
اما عن طبيعة العقد او نوعه فلا حاجة للقول بنظريات لتحديدها ذلك ان كل عملية مصرفية تتسم بعقدها الذي تتم به، فهناك عقد الوديعة النقدية وهي ذلك النموذج الذي يوقع عليه العميل عند فتح الحساب والذي يتضمن شروط التعامل والقواعد التي تحكم وديعته ، فهو عقد قائم بذاته يرتب كافة الالتزامات العقدية على طرفي العقد.
وهناك عقد فتح الاعتماد وعقد الافتراض ، فكل هذه انواع من العقود ترتب كافة الالتزامات القانونية على طرفي العقد وتحكمهما القواعد العامة ، ومنها مسؤولية البنك عن افشاء السر المصرفي ، تبعا لاخلاله بالتزاماته التعاقديه.

المطلب الثاني
نظرية النظام العام كاساس للالتزام بالسر المصرفي
ان النظام العام فكرة قوامها المصلحة العامة وقد اختلفت اراء الفقهاء (1)كثيرا في تعريف النظام العام وتحديد نطاقه ، الا ان جميعها تدور حول المصلحة العليا للمجتمع سواء اكانت هذه المصلحة سياسية او اجتماعية او اقتصادية او ادبية.
فيعتبر من النظام العام الحريات ، كالحرية الشخصية وحرية الاقامة وحرية التنقل وغيرها، وايضا يعتبر من النطام العام حقوق وواجبات العمال وقوانين التسعير الاجباري وغيرها.
وذهب العديد من الشراح الى ان الاساس القانوني للسر المصرفي يقوم على المصلحة الاجتماعية التي دعت المشرع الى التدخل لفرض احترام السر المصرفي وتحريم افشائه ، ورتب على ذلك نتائج معينة تنم عن الصفة المطلقة للسر.
فاساس الالتزام بالسر المصرفي هو النظام العام وليس نتيجة عقد صريح او ضمني بين العميل والمصرف ، أي ان واجب البنك بكتمان السر اساسه المصلحة العامة والتي تتمثل في عدة اعتبارات اهمها:
1. المصلحة العامة تقتضي ان يجد العميل مصرفا امينا يستطيع التعامل معه دون خوف على اسراره المالية، وذلك لما لمهنة المصارف من دور ضروري في المجتمع في الوقت الحاضر، وهو دور ليس بالامكان الاستغناء عنه، فاذا خشي الافراد من التوجه الى المصارف للتعامل معها خوفا على اسرارهم فهذا يلحق بالمجتمع اضرارا بصورة غير مباشرة ، فالمصلحة الاجتماعية تتحقق عندما يزدهر النشاط الاقتصادي والعمليات التجارية والتي بدون البنوك في الوقت الحاضر لامجال لاتمام أي منها.
2. حرص المشرع على خلق جو من الثقه المتبادلة بين المصرف والعميل وهذه الثقة لن تتحقق الا اذا كان للفرد ضمان مهني وقانوني في ان لا يفشي البنك هذه الاسرار ، ووسيلة ذلك اضفاء الصفة المطلقة على السر المصرفي بجعله يتعلق بالنظام العام.
ووفقا لهذه النظرية فان السر المصرفي مقرر اصلا لحماية الائتمان باعتباره مصلحة اقتصادية عليا للدولة وهذه المصالح اولى واجدر بالحماية من غيرها.
ويترتب على الاخذ بنظرية النظام العام عدة نتائج اهمها:
1. ان الالتزام بالسر المصرفي واجب مطلق ومستمر والتزام عام على البنوك لتعلقه بالنظام العام.
2. ان الحق في كتمان السر المصرفي مقرر لصالح الجماعة وللمصلحة العامة ولذلك فان العميل لايملك أن يصرح للبنك بافشاء السر, في حالة التعارض بين الالتزام بالكتمان واي احكام اخرى تقضي بالافشاء يجب ان يلتزم المصرف الكتمان لان حماية المصالح العامة اولى من المصالح الشخصية.
4. لايستطيع المصرف حتى ولو في معرض الدفاع عن نفسه ان يكشف عن اسرار العملاء حتى لو ترتب على ذلك قيام مسؤوليته ، ويعد فعل الافشاء مجرما حتى لو من اجل التخلص من المسؤولية.
ان نظرية النظام العام وان كانت مقنعة الى حد ما وذلك في تاكيدها المستمر على احترام السر المصرفي الا انها لاقت بعض النقد الذي يمكن اجماله فيما يلي(1):
1. ان هذه النظرية والقائلين بها لم يحددوا ما المقصود بالنظام العام بالنسبه للسر المصرفي، وقد سبق ان بينا ان مفهوم النظام العام موضوع شائك ويختلف حسب المفاهيم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والاخلاقية السائده في مجتمع ما ، ومن مجتمع لاخر ومن زمن لاخر، الا ان المفهوم العام له هو المصلحة العامة ، وبشكل عام تضييق دائرة النظام العام في المجتمعات التي تتبنى النزعة الفردية ، وتتسع في الدول الاشتراكية التي تتدخل الدولة في مناحي الحياة فيها بشكل كبير.
2. ان تاسيس الالتزام بالسر المصرفي على النظام العام يعطي الاولوية للحق في الصمت في أي حال من الاحوال، مما يعطي المصرف فرصة للاحتجاج بذلك للافلات من اية دعوى تقام ضده لخطاء مهني ارتكبه هو ودفاعا عن مصالحه الخاصة لامصلحة العميل ، وبذا تكون هذه النظرية قد بعدت عن هدفها الاساسي وهو حماية مصلحة المجتمع.
3. ان هذه النظرية وما فيها من سرية مطلقة تحول في بعض الاحيان دون الكشف عن حقائق تؤدي الى تحقيق العدالة في المجتمع كما في حالة الكسب غير المشروع، فمصلحة المجتمع هنا كشف الفساد وليس التستر بالسر المصرفي لاخفاء الجريمة، فدرء المفاسد اولى من جلب المنافع.
4. ان التمسك بالنظام العام كاساس للالتزام بالسر المصرفي يحرم العميل من حقه في اعفاء المصرف من الالتزام بالسر لان ذلك يؤدي الى تنازع بين مصلحة العميل الخاصة ومصلحة المجتمع ويصعب التوفيق بينهما ، حيث تغلب المصلحة العامة على الخاصة.
ومع ان نظرية النظام العام تحقق احتراما اكيدا للسر المصرفي وتؤدي الى حماية الثقة المفترضه في المهنه المصرفية وتاكيد دورها في المجتمع والقول بغير ذلك يضر بالصالح العام الا انني ارى ان هذه النظرية قد تشددت اكثر من اللازم في تطبيق السرية المطلقة ، ومن الاجدر ان تطبق بشكل نسبي وان تراعي الحرية الشخصية لحد ما وان لاتطغى فكرة الصالح العام وتفهم بشكل خاطيء او ان يتعسف في استعمالها لان الحرية الفردية ومراعاتها جزء من الصالح العام ايضا.

المبحث الثاني
حالات الاعفاء من الالتزام بالسر المصرفي
تنص الماده 355 من قانون العقوبات الاردني على : ( الحبس لمدة لاتزيد على ثلاث سنوات لكل من كان بحكم مهنته عل علم بسر فا فشاه دون سبب مشروع) ومن ذلك يتبين ان الالتزام بالسر ليس التزاما مطلقا اذ يجوز افشاءه لوجود سبب مشروع يسمح بذلك.
وكذلك فالالتزام بالسر المصرفي تطبيقا للقاعده العامة ليس التزاما مطلقا بل هو التزام نسبي يجوز الخروج عنه اذا توافر سبب مشروع، مثل وجود اذن من العميل نفسه او بناء على استعلام يرد المصرف عليه ، او لاداء الشهاده امام القضاء ، او لتقديم الدفاتر للاطلاع عليها للسلطات الضريبية والنقدية، او بناء على ما تقتضيه مصلحة المصرف نفسه اذا ما ثار نزاع بينه وبين العميل.
وعلى ذالك فاننا سنبحث في هذه الاسباب المشروعة التي تعفي المصرف من التزامه بالسر المصرفي على النحو التالي:-

اولا : رضاء العمل نفسه.
إن العميل هو سيد سره وهو الذي يملك أن يفشيه بإرادته ، ولذا فمن باب أولى أنه يملك أن يصرح للغير بإفشاء هذا السر لأن من يملك الأكثر يملك الأقل ، فمن هنا فإن رضاء العميل وصدور الإذن منه للمصرف بجواز الادلاء بأي معلومات عنه يرفع عن المصرف التزامه بالسريةالمصرفية،وذلك خلافا لما ذهب إليه بعض الفقهاء(1) من الخلط بين عدم قيام العميل بالشكوى كقيد من قيود تحريك الدعوى العامة وبين رضائة بالافشاء .
وقد جرى الفقه(2) على ان موافقة العميل بالسماح للغير بالاطلاع على حساباته المصرفية يحل ويعفي المصرف من التزامه بالسر المصرفي ، ولا يسأل المصرف عن إفشــاء السر المصرفي ، الا ان بعض التشريعات المتعلقة بالسرية المصرفية جعلت الملاحقة الجزائية مرهونة بشكوى يقدمه المتضرر .(3)
وحتى يصبح رضاء العميل بالافشاء معتدا به وسببا مشروعاً للاباحة ، يجب أن يتوافر في هذا الرضا عدة شروط وهي :
1 - صدور الرضا من العميل نفسه :
يجب أن يصدر الرضا من العميل نفسه أي مما يملكه قانونا" فهو صاحب الحق في السر المصرفي ومقرر حمايتة لمصلحته ولا عبرة بالرضاء الصادر من غيره(4) ، كما يصدر الرضاء ايضا" عن الولي او القيم في حالة كون العميل قاصرا" او محجورا عليه .
ويمكن للعميل ان ياذن مقدما" إذنا" عاما" للبنك في الافصاح عن كل معاملاته لمن يطلب ذلك ويكون هذا الاذن العام صحيحا" ، فصاحب السر هو الذي يملك اما الاستمرار في إضفاء السرية علية او التوقف عن ذلك بالاذن في افشاء من البداية .(5)
2- صدور الرضا من شخص مميز وبارادة حرة سليمة :
يجب ان يكون الرضا معبرا عن ارادة ذات قيمة قانونية ، أي ان يصدر عن شخص مميز ومدرك لما يصدر عنه من افعال ، وما يترتب عليها من آثار كما يجب ان تكون ارادة العميل سليمة مما يعيبها (6) قانونا" أي ان يصدر الرضا باختيار العميل وبارادته الحرة فلا عبرة بالرضاء الصادر عن الاكراه او تهديد مادي او معنوي كما انه لا عبرة بالرضا الصادر عن إرادة مغلوطة نتيجة غش او خداع او لحيلة او لغلط في الواقع فكل هذه الامور تنفي الرضاء وتجرده من كل قيمة او اثر قانوني .(7)
3- ان يكون الرضا صريحا او ضمنيا" :
يجب ان يصدر الرضا من قبل العميل بإفشاء السر المصرفي سواء بشكل صريح أو ضمني،(1) كان يصدر الاذن كتابة بالسماح للمصرف الادلاء بأية معلومات او اسرار تتعلق بمعاملات العميل المصرفية ، فهنا الرضا صريح لالبس فيه ، ولكن قد يتخذ الرضا شكلا ضمنيا يستنتج من واقع الحال او الظروف المحيطة كأن يصطحب العميل احد معارفه للمصرف ويقوم بالاستفسار أمامه عن حساباته او اية معاملة تتعلق به فكانه تنازل ضمنيا" عن واجب عدم الافشاء تجاه هذا الشخص .
4- ان يكون رضا العميل قائما" وقت الافشاء :
يجب ان يكون الرضا سابقا على وقوع الافشاء او على الاقل ملازما" له (2) حتى ينتج اثره، واخيرا" فإن على المصرف الالتزام بالغاية التي كانت محلاً للرضاء وعدم استغلال المعلومات لغايات اخرى ، كان يبيح العميل للمصرف الادلاء بمعلومات عنه لغايات الاستعلام المصرفي0

ثانيا" : الاستعلام المصرفي عن حالة العميل .
الاستعلام هو طلب معلومات عن شخص معين من مصادر مختلفة اهمها الجهات التي يتعامل معها ، ومن صوره الاستعلام المصرفي (3) ، فالمصارف تقدم الائتمان ، والائتمان يرتبط بالثقة والثقة تستلزم ان يكون مانح الائتمان على علم حقيقي بمركز وحالة طالب الائتمان .
وجرت العادة بين البنوك و العرف المصرفي ان تتبادل المصارف المعلومات عن عملاءها واحوالهم واوضاعهم المالية ومسموعاتهم التجارية و الادبية ، فالاستعلام المصرفي يعتبر خروجا" على مبدأ السرية المصرفية واساسة يرجع إما للاذن الصريح من قبل العميل بان يجعل المصرف مرجعا" للاستعلام عنه او اذنه الضمني ، ذلك ان معظم العملاء يعرفون بهذه العادة المصرفية ويتوقعون حصولها من علاقاتهم بالمصاريف وخاصة عندما يعطى العميل اسم مصرفه للطرف الاخر (4) في التعامل التجاري 0
وانتقال المعلومات بين البنوك عن طريق الاستعلام المصرفي لا يتم هكذا دون ضوابط تضمن سرية انتقال هذه المعلومات ، حيث يتولى تنظيم هذا التبادل البنك المركزي عن طريق دائرة مخاطرة الائتمان ، حيث تتجمع المعلومات الواردة من البنوك للاستعلامات المصرفية وتدرج في كشف يسمى بكشف الاخطار المصرفية ، ويعامل بسرية تامة ويرمز للعميل بارقام تحدد وفق اسس وضوابط متفق عليها ، ثم يوزع على البنوك مما يضمن اكبر قدر من السرية و التكتم حتى لا تصل هذه المعلومات الى ايدي غير امينة .
واخيرا" يجب الاشارة الى ان الاستعلام المصرفي يتم بين المصارف فقط ولا يجوز الادلاء بمعلومات عن عملية لجهات خاصة اخرى كلاستعلام من قبل تاجر او شركة ما شابه ، فالاستعلام يكون بين المصارف بما يخدم مصالحها ، والتشريعات التي اخذت بالسرية المصرفية نصت على جواز تبادل مثل هذه المعلومات بين المصارف 0(1)

ثالثا : اداء الشهادة امام المحاكم :
الشهادة دليل من الاثبات يتمثل في رواية شخص عما ادركه مباشرة بحواسة المختلفة عن واقعة معينه ، و الشهادة واجب قانوني لا يستطيع المطلوب للشهادة التخلف عن ادائة بل يجبر على الحضور امام المحكمة واداء الشهادة ، وقد سلكت التشريعات (2) المختلفة مسالك متباينة فيما يتعلق بمدى الاحتجاج بالكتمان المصرفي للامتناع عن اداء الشهادة امام القضاء ، فبعض هذه التشريعات توجب على البنك ان يمتنع عن اداء الشهادة احتراما" لالتزامة بحفظ السر ، سواء أكان ذلك أمام القضاء المدني او الجزائي زمنها القانون المصري لسرية الحسابات وقانون السر المصرفي اللبناني.(3
اما بالنسبة للقانون الاردني فنفرق بين الشهادة امام القضاء الجزائي و الشهادة امام القضاء المدني ، اما بالنسبة للقضاء الجزائي فلا يستطيع البنك الاحتجاج بالسر المصرفي في مواجهة القاضي الجزائي لان ذلك يعيق سير العدالة ويضر بالصالح العام ، لان اكتشاف الجرائم من الامور المتعلقة بالنظام العام وتمس المجتمع مما يعلو على المصالح الفردية و مصلحة العميل في كتمان سره .
اما الشهادة امام القضاء المدني فإن ما جاء بنص المادة 37 من قانون البينات الاردني بشأن الاعفاء من الشهادة للملزمين بحفظ السرا ، جاء النص حصرا"على الاطباء و المحامين خلافا" للتشريعات الاخرى (4) ، ولم يشمل الحظر في المادة السابقة المصارف باعفائها من افشاء السر المصرفي .
الا انني ارى انه يحق للمصرف التذرع بالسرية المصرفية في الامتناع عن الشهادة لدى القضاء المدني ، ذلك اننا في مواجهة مصلحتين كل منهما خاصة ، ولا تفضيل لاحداهما عن الاخرى ولذا فا من باب اولى ان تكون مصلحة عميل المصرف اجدر بالرعاية من مصلحة أي طرف اخر في دعوى مدنية .

رابعا" : تقديم الدفاتر والاوراق المصرفية للاطلاع عليها .
اعتبرت المادة( 6) من قانون التجارة في الفقرة (د) أن أعمال المصارف من الأعمال التجارية بطبيعتها ، وكذلك المادة( 9 ) من نفس القانون أعطت البنوك صفة التاجر (1) ، ذلك أنها شركات مساهمة عامة تهدف لتحقيق الربح وتقوم بأعمال تجارية .
واكتساب البنوك صفة التاجر يرتب عليها التقيد بالالتزامات التي فرضها قانون التجارة على التجار مثل (2) مسك الدفاتر التجارية ، و الدفاتر التجارية هي دفاتر معينة بنص القانون يجب على التاجر مسكها ويدون فيها ماله من حقوق وما عليه من التزامات ، ويثبت فيها جميع العمليات التجارية التي يباشرها .(3)
وقد يثور نزاع بين عميل وشخص أخر من الغير ويحق في هذه الحالة لهذا الاخير أن يطلب من المحكمة الاطلاع على دفاتر مصرف العميل باعتباره من الغير وتحت يده ورقة أو سند للاثبات ، ذلك ان حسابات المصرف ماهي في الحقيقة الا غطاء لحساب العميل ، وإجازت المادة 25 من قانون البينات الاردني للمحكمة اثناء سير الدعوى ان تدعو الغير لالزامة بتقديم ورقة او سند تحت يده ، كما أجاز (4) القانون للمحكمة أن تامر أي فريق بأبراز ما في حوزتة او تحت تصرفة من مستندات ترى انها ضرورية للفصل في الدعوى اذا كان هذا الفريق موجودا" داخل البلاد .
كما أجاز قانون التجارة (5) عرض الدفاتر التجارية أو المطالبة بابرازها وذلك لاستخلاص ما يتعلق منها بالنزاع ، و للقاضي من تلقاء نفسه ان يامر بابراز الدفاتر التجارية للغاية ذاتها اذا كان إبراز هذه الدفاتر ضروريا" للفصل في الدعوى .(6)
ومما يتقدم يتضح مدى حق المحكمة بإلزام المصرف بإبراز دفاتره ومستنداته ، وإذا ادعى بالسرية كحصانة له في مواجهة هذا الطلب فان للمحكمة الحق في التثبت من مدى صحة هذا الادعاء .(7)

خامسا" : حجز ما للمدين لدى الغير :
القاعدة العامة في الحجز على الأموال أن جميع أموال المدين ضامنه للوفاء بديونه(8) ، وللدائن الحق في حجز أموال المدين والتنفيذ عليها سواء أكانت في يده أو في يد شخص ثالث .
فالمصرف لا يحجز على أموال العميل التي تحت يده ولا يدلي بينات حولها إلا بناء على أمر قضائي وذلك التزاما منه بالمحافظة على السرية المصرفية ، وهذا يرتب على المصرف عدم الاحتجاج بالسرية المصرفية عند الحجز على أموال العميل التي لدية انطلاقا" من عموم لذا النصوص القانونية التي تجيز حجز ما للمدين لدى الغير .
لذا فان التشريع الاردني خلافا للتشريعات الاخرى(1) يلزم المصرف بالكشف عن السرية والتقرير بما للعميل المدين من اموال لديه ، باعتبار المصرف محجوز لديه ، وبالتي تستبعد السرية المصرفية حتى يتمكن المصرف من الكشف عن اموال المدين المحجوز عليه .(2)
وتثور مشكلة الخزائن الحديدية في معرض الحديث عن حجز ما للمدين لدى الغير ، حيث يقوم البنك بتأجير الخزائن الحديدية لعملائه ، في حين يحتفظ العميل بمفتاح الخزنة وله وحدة حق اداع الاشياء وحق سحبها دون أي رقابة من قبل المصرف ودون العلم بمحتويات الخزنة وتسري عليها قواعد اجارة الاشياء ويكون المصرف مسؤولا عن سلامة هذه الخزائن (3)، وبالتالي فأنه لا مجال بحجز موجودات الخزنة من قبل المصرف كون هذا المصرف لا يجوز هذه الموجودات وانما هي تحت يد العميل ، إلا أن حجزها يتم من قبل المحكمة بعد معرفة موجودات الخزنة باعتبار المصرف مؤتمن عليها .

ساسا : السلطات الضريبية والنقدية وحقها بالاطلاع على الحسابات :
ازداد التدخل الدولة الحديثة في نشاط الافراد والزم كل فرد بالتخلي عن جزء من حريته لصالحها فكل فرد يلتزم بالادلاء عن موارده واملاكه حتى تتمكن الدولة من تحديد القيمة الضريبية المطلوبة
فالمسائل الضريبية تشكل أحد الاسباب التي تدفع المصارف للافشاء عن مدخرات الافراد المتعاملين معها وذلك تمهيدا لفرض الضريبة عليهم ، فيحق لدائرة ضريبة الدخل مثلا الحصول على معلومات من البنوك عن عملائها وذلك لغايات تقدير الضريبة أو مقارنة البيانات المقدمة من قبل المكلف بالبيانات التي لدى المصرف والتأكد من صحة المعلومات الواردة فيها .
وكما يسمح قانون الضريبة على الدخل بالاطلاع على مستندات والسجلات فانه يحمي هذه الاسرار بالزام موظفي الضرائب بحفظ السر .
ويجب على المصرف(4) ايضا ان يصرح لوصي التركة – والذي يتولى حصر اموال المورث تمهيدا لتوزيعها على الورثة – بما لديه من اموال العميل المتوفي ، وذلك حتى تخضع هذه الاموال للرسم المقرر على التركات .
اما بالنسبة للسلطات النقدية والمتمثلة لدينا بالبنك المركزي الاردني فله الحق في الرقابة والاطلاع على دفاتر ومستندات المصارف التجارية (1)، فالبنوك ملزمة بتزويد البنك المركزي بالمعلومات والإحصاءات التي يطلبها(2) ، ولموظفي البنك المركزي حق فحص دفاتر أي بنك مرخص وتدقيق حساباته ووثائقه الاخرى ، وعلى إدارة البنك المرخص وجميع موظفيه تقديم التسهيلات اللازمة في هذا الشان ويلتزم موظفوا البنك المركزي بسرية المعلومات التي يطلعون عليها(3) .

سابعاً : المحافظة على المصالح المشروعة للبنك .
أن مصلحة المصرف قد تقتضي احيانا الكشف عن اسرار العميل ومعاملاته المصرفية وذلك عندما يقع نزاع بينه وبين العميل ، كما في حالة رفع دعوى على العميل يطالبه فيها بتسديد كمبيالات المستحقة عليه ، أو فوائد قرض منحه أياه أو تسديد حساب مكشوف ، ففي هذه الحالة يضطر المصرف للكشف عن سر عميله وطبيعة التعامل معه وذلك حفاظاً على حقوق من الضياع ولا يمكن ان تطالب منه في هذه الحالة الالتزام بالسرية المصرفية والتزام الصمت وإهدار حقوقه سبيل مصلحة عميله ، فمصلحة المصرف منها أولى بالرعاية ولا يقف السر المصرفي حائلاً دون حق المصرف من استيفاء حقوقه وبالرغم من ذلك فلا يجوز للمصرف ان يفشي سر أحد عملاءه إلا بمناسبة دعوى قضائية فيما بينه وبين العميل (4).
والاعفاء من الالتزام بالسرية لا يتم الا بالنسبة للموضوع المتنازع عليه والعمليات المتلازمة معه والنزاع المقصود به هنا هو النزاع المعروض على سلطة قضائية او سلطة تحكيمية وان يكون فيه للمصرف والعميل مصالح متضاربة تجعل كل منهما خصماً للأخر بالاضافة الى ذلك فانه لا يجوز اغشاء السر الا امام المحكمة او هيئة التحكيم المعروض عليها هذا النزاع .

ثامناً : الابلاغ عن الجرائم :
الجريمة فعل غير مشروع صادر عن ارادة جريمية يقرر له القانون عقاب او تدبير احترازياً وهناك واجب قانوني بالابلاغ عن الجرائم ، ذلك انه على كل من علم بوقوع جناية او جنحة ان يبادر لإبلاغ السلطات العامة(5) .
فيجب تغليب اعتبارات المصلحة العامة وحسن سير العدالة على المصلحة في الحفاظ على الاسرار الخاصة وذلك للحفاظ على كيان المجتمع من اخطار الجرائم وبالتالي يقع على البنك واجب التبليغ على الجرائم - الجنايات والجنح - ان هو علم بها اثناء ممارسته لمهنته واخلاله بهذا الالتزام يوجب مساءلته جزائياً (1).
وبالامثلة على حالات ارتكاب الجرائم ووجوب إفشاء السر المصرفي لكشفها ، كثيرة ، ولكننا نستعرض حالتان تعتبران من اهم الحالات واكثرها حصولاً ، وهما جريمة اصدار شيك بدون رصيد وجريمة غسيل الاموال الملوثة .
1 - جريمة اصدار شك بدون رصيد :
فاذا قدم شك للبنك موقع من العميل ولم يوجد رصيد كاف له ، فان البنك يكون مضطراً لافشاء السر المصرفي ، بان يصرح بان رصيد العميل غير كافي او لا رصيد له .
ومن ناحية أخرى فان الفقرة الاولى من المادة( 251 ) من قانون التجارة ألزمت الحامل بقبول الوفاء الجزئي الذي يعرضه عليه المصرف اذا قدم له شيكاً ، وكان رصيد حساب الساحب اقل من قيمته ، كما اجازت للحامل ان يطلب الوفاء بقدر ما يكون هناك من مقابل بالوفاء الشيك المقدم ولا يحق للمصرف الامتناع او رفض قبول الوفاء الجزئي فالعميل عندما يسحب شيكاً لا رصيد له او كان مقابل الوفاء اقل من قيمة الشيك فانه يعد مرتكباً لجرم اصدار شيك بلا رصيد فلا عبرة من حمايته بعدم افشاء سره المصرفي وذلك حتى يعاقب على الجرم الذي ارتكبه كما ان اعمال النص القانوني في قانون التجارة والتي يجيز الوفاء الجزئي لا يستقيم الا بمعرفة رصيد الساحب لدى المصرف ولا يعتبر ذلك انتهاكاً للسرية المصرفية ذلك ان سحب العميل شيكاً على مصرف يؤدي عملياً الى رفع السرية في حدود قيمة الشك .
ففي هذه الحالة يجب على البنك الابلاغ عن جريمة اصدار شيك بدون رصيد وذلك حماية لمصالح اولى بالاعتبار ، اولها المصلحة العامة والنظام العام ، ومصلحة المستفيد من الشيك ثانياً .
2 - جريمة غسيل الاموال الملوثة :
برزت هذه الجريمة في السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ وازدادت خطورتها مع تفاقم المشكلة بكبر حجم الاموال التي تغسل ، فقد قدرت حجم الاموال التي تغسل سنوياً بحوالي ثلاثمائة مليار دولار أمريكي (2)، وتستخدم في غسيل هذه الاموال المؤسسات المالية والمصرفية وكافة القنوات المصرفية المتاحة لتنفيذ عمليات مصرفية وتحويلات مالية لهذه الأموال .
وبالتالي فان قوانين السرية المصرفية والتشدد في سرية الحسابات تشجع على جريمة غسل الاموال ، حيث تعتبر الدول التي تأخذ باحكام صارمة للسرية المصرفية مثل سويسرا ، مرتعاً خصباً لعمليات غسيل الاموال .
ولذلك يجب ان لا تكون السرية المصرفية عائقاً امام الرقابة على هذه الاموال الملوثة وذلك للحد من هذه العمليات ، فعلى البنوك التي تشك في مصدر اموال مودوعة لديها وتلاحظ تحركات مشبوهه لهذه الاموال والتي ليس لها غرض او مردود اقتصادي او قانون واضح ، ان تبلغ السلطات النقدية بهذه التحركات وان تكشف عن هوية اصحابها .
وقد تحركت الدول وعلى راسها امريكا لمكافحة هذه الجريمة مطالبة سويسرا وغيرها من الدول(1) ، التي تأخذ بالسرية المطلقة والزمتها باتخاذ اجراءات تحد من نطاق السرية المصرفية التي تعتبر غطاء قانونياً لعمليات غسيل الاموال ، وقد امتثلت سويسرا لهذا التوجهه وقامت بتوقيع اتفاقية الحيطة والحذر عام 1977م وهي اتفاقية تمنع الموقعين عليها القيام باي عمل مصرفي دون معــرفة الطــرف الاخر ، سواء بقبول النقد او إيداع اوراق مالية او حوالات مالية(2) .

الفصل الثالث :
البنوك وغسيل الأموال .
لقد خطا البنك المركزي الأردني خطوة مهمة في مجال مكافحة غسيل الاموال وذلك باصداره لتعليمات غسيل الاموال رقم (10/2001) مستنداً على نص المادتين ( 93) و (99) من قانون البنوك رقم (18) لسنة 2000 .
كذلك وادراك من المشرع الأردني لأهمية مكافحة الأرهاب وتمويل العمليات الأرهابية ، فقد صدر مؤخرا القانون المؤقت رقم (54) لسنة 2001 والمعدل لقانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960 والذي نص على ما يلي :
" يعد من جرائم الارهاب أي فعل يتعلق باي عملية مصرفية وبصورة خاصة ايداع أموال لدى أي بنك في المملكة أو أي مؤسسة مالية تمارس أعمال البنوك أو تحويل هذه الأموال من قبلها أي اية جهة كانت إذا تبين أنها أموال مشبوهة ولها علاقة بنشاط أرهابي وفي هذه الحالة تطبق الاجراءات التالية :
الحجز التحفظي على هذه الأموال بقرار من النائب العام وحضر التصرف بها الى حين استكمال اجراءات التحقيق بشأنها ."
ولكن التساؤل الذي يطرح نفسه ، هل تكفي هذه التعليمات والمواد لمكافحة غسيل الأموال والتي تهدد الاقتصاد الأردني كما تهدد غيره من الاقتصاديات العالمية ؟!
سوف نحاول التعرف على أجابة هذا السؤال من خلال معرفة دور البنوك في عملية غسيل الأموال ،وماهية المشاكل التي تثار ، ومدى مسؤولية البنك عن القيام بغسيل هذه الاموال .

المبحث الأول
دور البنوك في عمليات غسيل الاموال والاشكالات التي تخلقها طبيعة العمل المصرفي في مكافحة غسيل الاموال
البنوك والمصارف احدى الحلقات الرئيسية التي تدور فيها الاموال المستمدة من مصادر غير مشروعة ، بل يمكن اعتبرها احد انجع الحلقات بسبب النتيجة النهائية والتي تصل اليها المصارف والبنوك بالذات لعملية غسيل الاموال ، ويرجع السبب في ذلك الى طبيعة العمل المصرفي وتشعب العمليات المالية التي يمارسها على مستوى يومي ، وهذا التشعب بطبيعة الحال سيبعد الاموال غير المشروعة عن مصادرها الفعلية ويدخلها في دوامة من العمليات التجارية والمالية التي يصعب على السلطات الرقابية تدقيقها والوصول الى الاموال غير المشروعة عبرها .
بالاضافة الى ذلك فالصناعة المصرفية وبفضل التطور التكنولوجي في العالم ، اصبحت تقدم مجموعة كبيرة من الخدمات المصرفية التي من شأنها ان تسهل على غاسلي الاموال عملهم لما تمتاز به هذه الخدمات المصرفية من سرعة في الزمن ودقة وتميز في الآداء ، وبالتالي فقد لا يشترك المصرف في غسيل الاموال بصورة مباشرة ، الا ان ما يقدمه من خدمات مصرفية قد يستغل بصورة مخالفة للقانون ، وهناك جانب اخر لا يجوز اغفاله وهو السرية المضفاة على التعاملات المصرفية المكتسبة من نصوص القوانين النافذة ، وبالنسبة لغاسل الاموال فان السرية عنصر ضروري جدا لا بل وأساسي .
وسنعرض في هذا المبحث الى ما يتعلق بالمؤشرات التي قد تدل البنك على ان المتعامل معه هو من غاسلي الاموال ، والثاني نتطرق فيه الى الأشكاليات التي تخلفها السرية المضفاة على التعاملات المصرفية التي تصطدم بها عمليات مكافحة غسيل الاموال .

أولا: المؤشرات التي قد تدل على تورط العميل في عمليات غسيل الاموال :
قد يتولد الشك لدى موظف البنك في حال توفر احد او بعض المؤشرات التي سيرد ذكرها بأن العميل الذي امامه هو احد المتعاملين بغسيل الاموال ، وبعض هذه المؤشرات قد يتعلق بشخص العميل وطبيعة النشاط الذي يمارسه وخلفية التعامل معه ، والبعض الاخر يتعلق بطبيعة العمليات المصرفية والمالية التي يقوم بها العميل ، ويلي مجموعة من المؤشرات التي قد تدفع بالموظف في البنك الى الشك بالعميل :
1ـ وجود زيادة واضحة في الايداعات النقدية في الحسابات الفردية الشخصية او المتعلقة بالشركات ودون وجود دلالات ظاهرية تبررها ، خاصة عندما يتم تحويل هذه الايداعات ضمن فترة زمنية قصيرة من بلد آخر لا تتضح طبيعة الرابطة التي تربط ما بينها وبين نشاط العميل .
2ـ طغيان التعامل المالي النقدي مع البنك من قبل شركة او شخص سواء بالسحب او الايداع بدلا من اشكال التعاملات المصرفية الاخرى كالشيكات مثلا .
3ـ قيام شخص بفتح حساب جديد وتقديمه لمعلومات غير كافية او مضللة او معلومات يصعب على ادارة البنك التحقق من صحتها بسبب ارتفاع الكلفة .
4ـ رفض العميل تقديم معلومات تخوله في العادة الحصول على خدمات وتسهيلات مصرفية يعتبرها العميل العادي ميزة إضافية .
5ـ قيام مجموعة من العملاء معا بفتح حسابات مختلفة واجراء ايداعات نقدية في هذه الحسابات تقل عن الحد المقرر في القانون للتبليغ عنها وفي اوقات وظروف متباينة بحيث يكون مجموع قيمة الحسابات مبلغا ضخما .
6ـ العملاء الذين يكتشف في ارصدتهم اوراق نقدية مزيفة بمعدلات واضحة .
7ـالعملاء الذين يقومون بايداعات مالية ضخمة او يتلقون حوالات نقدية ضخمة من احد البلدان التي ترتبط بعملية انتاج او تهريب المخدرات او البلدان المعروف عنها تورطها في عمليات غسيل الاموال
8ـ العملاء الذين يقومون بشراء عملات اجنبية متنوعة وبصورة منتظمة ومتكررة.
9ـ زيادة عالية في حجم المدفوعات النقدية في احد الفروع او احد الحسابات في ذات الفرع من فروع المصرف ( واحصائيات الادارت العامة للبنوك بامكانها الكشف عن هذا ) .
10ـ العملاء الذين يقومون بتسطير حوالات مالية ضخمة الى بلد آخر مع تعليمات بالدفع نقدا للمستفيد
11ـ العملاء الذين يتفادون الاتصال المباشر مع البنك ، ويستخدمون اجهزة الصراف الآلي لغايات اجراء الايداعات او السحوبات المالية الضخمة .
12ـ شراء او بيع العملات الاجنبية المتنوعة وبكميات كبيرة وباستخدام اسلوب التعامل النقدي على الرغم من ان العميل يحتفظ بحساب مفتوح لدى المصرف .
13ـ السحوبات المالية الضخمة من حساب خامد او معلق ، او من حساب تم قيد حوالة واردة اليه بمبلغ ضخم ومباشرة بعد وصولها .
14ـ قيام عدد كبير من الافراد باجراء ايداعات لقيدها في حساب واحد اما في ذات الفرع او في فروع مختلفة ودون وجدود تفسير واضح لذلك .
15ـ ورود حوالات متعددة الى حساب واحد وبمجاميع ضخمة الا انها جميعا تقل عن الحد المقرر في القانون لاجراء التبليغ عنها في البلد الذي حولت منه.
16ـ تورط بعض العاملين في المصرف في تسهيل عمليات غسيل الاموال ، ويتبين هذا من خلال التغيرات الملحوظة والمفاجئة في مستوى المعيشة وظهوره بمظهر لايتناسب مع حالته المادية او الارتفاع الواضح والمميز والمفاجئ في اداء موظف البنك المسؤول عن التعامل مع الجمهور
17ـ رفض اتمام عملية الايداع النقدية التي تصل الى الحد المقرر في القانون من قبل المودع اذا اعلم انه يجب التحقق من هويته .
18ـ محاولة المودع اغراء موظف البنك واقناعه بشتى الوسائل حتى لا يقوم بالتثبت من هويته .
وللبنوك و المصارف اتباع بعض السياسات المقترحة في محاولة منها لتفادي الوقوع في شرك التورط في عمليات غسيل اموال وهي :

1- اعرف عميلك .
فيتوجب على البنك ولضمان عدم تورطه في عمليات غسيل الأموال ، الايعاز لموظفيه المتعاملين مع الجمهور ببذل كافة الجهود للتثبت من الهوية الحقيقية للعميل الذي يتقدم لفتح حساب جديد أو للحصول على أحد الخدمات المصرفية ويتعين عليه كذلك بذل العناية الكافية للتعرف على اصحاب الحسابات الاصليين وصناديق الحفظ لديه ، كما يتوجب على المصارف والبنوك ان تتبنى سياسة واضحة وصريحة في رفض تقديم الخدمات المصرفية للعملاء الذين يفشلون في تقديم المتطلبات القانونية والمستندات الدالة على هويتهم .

2 - ضمان وجود أثار للعمليات .
وهذا المبدأ مهم للغاية في تسهيل مهمة الجهات الرقابية القائمة على مكافحة غسيل الأموال، وتوجب هذه السياسة على البنك الاحتفاظ بنسخة من مستند اثبات الشخصية الذي قدمه العميل أو المودع والاحتفاظ بقيود وسجلات خاصة حول العمليات المصرفية المشتبه بها لتمكين الجهات الرقابية وفي حال تبين وجود عمليات غسيل للاموال من اعادة بناء العمليات المصرفية التي قام بها غاسل الأموال وتتبع النقود المغسولة حيثما ذهبت .

3- الاجتهاد واجب .
فعلى البنوك واجب اخذ الحيطة والحذر وتوجيه عناية خاصة لتفاصيل العمليات المصرفية المعقدة او الضخمة بصورة غير عادية او المتعلقة بايداعات او سحوبات ضخمة وتتم من خلال عمليات انماط غير مالوفة او بدون سبب اقتصادي او قانوني واضح .
كما يتوجب على القائمين على إدارة المؤسسة المصرفية توخي الحذر في التعاملات التي تتم مع الاشخاص او الشركات او البنك في البلدان التي لا تطبق نظمأ او معايير او اجراءات خاصة متعلقة بمكافحة عمليات غسيل الأموال أو التي لا تكون هذه الاجراءات فيها ناجعة بما فيها الكفاية ، وجوهر هذا المبدأ أن البنوك لا يجوز أن تغمض عيونها عن اية عملية تتم منها أو اليها مشكوك فيها او مشتبه بها .

4 - التقيد بالقوانين والتشريعات .
ويتوجب على إدارات البنوك هنا ضمان توافق العمل المصرفي مع نصوص واحكام القوانين والتشريعات المتعلقة بالعمل المصرفي والاسس الاخلاقية التي تحكمه ، وتطبيق احكام هذه القوانين على العمليات المالية المصرفية التي يقوم العملاء بتنفيذها وعلى الرغم من ان البنوك في بعض الاحيان لا يمكنها التحقق فيما اذا كانت العمليات المصرفية التي يقوم بها العملاء مرتبطة بصورة مباشرة او غير مباشرة باحد النشاطات الاجرامية وقد لا يتحقق لها ذلك على المستوى الدولي ايضا فالبنوك لا يتسنى لها معرفة فيما اذا كانت العمليات التي تجري عالميا متفقة مع احكام القوانين والتشريعات في بلدان اخرى ، الا انه على البنوك والمصارف باي حال من الاحوال الا توفر الخدمات وتقدم المساعدات لاية عمليات مصرفية يشتبه بوجود علاقة بينها وبين النشاطات الاجرامية

5 - التعاون الفعال بين البنوك والاجهزة الرقابية .
يجب على البنوك أن تكون متعاونة مع سلطات انفاذ القانون بالحدود المتفقة مع القوانين المحلية المرتبطة بسرية العمل المصرفي ويتوجب على البنوك الحذر من امكانية مساعدة او تسهيل مهمة أي من المتعاملين الذين يحاولون خداع السلطات الرقابية من خلال قيام البنك بتزويد هذه السلطات بمعلومات مزورة او ناقصة او مضللة .
واذا ما قام الاعتقاد لديها بناءا على حقائق مثبتة بأن الاموال المودعة لديها في احد الحسابات أموال مستمدة من مصدر غير مشروع فعلى البنك اتخاذ الاجراءات القانونية مثل رفض تقديم المساعدة لهذا العميل أو انهاء علاقته بالبنك او اغلاق او تجميد حسابه لديهم وتقديم المساعدة والعون في جميع هذه الاحوال للسلطات الرقابية ، كل هذا مع عدم الاخلال باساسيات العمل المصرفي والقواعد القانونية التي تحمي المصرف والعملاء لديه على السواء ، كما ينبغي على موظفي البنوك الا يقوموا بتحذير العملاء اذا ما قام البنك بالابلاغ عن عمليات ايداع او سحب تتجاوز الحد المقرر في القانون للسلطات المعنية .
6 - اجراءات مناسبة للرقابة الداخلية .
يتعين على البنك أو المؤسسة المصرفية أن تضع نظاما يتضمن اجراءات للرقابة الداخلية بهدف احباط ومنع العمليات المرتبطة بغسيل الأموال ، فيمكن مثلا تعيين منسق على مستوى الادارة العامة وخلق وظيفة رقابية لفحص جميع الاجراءات المتعلقة بالعمليات المالية والتحقق منها .
7 - البرامج التدريبية .
تضمن البنوك لموظفيها برامج تدريبية خاصة وعلى أسس منظمة ومدروسة بغرض تعريفها على عمليات غسيل الأموال والكيفية التي يمكن من خلالها مكافحة هذه الافه واستمرار امدادهم بالمعلومات المستجدة في هذا المجال لكي يمارسوا وظائفهم بكفاءة وفاعلية (1).

ثانيا : اشكاليات التوفيق بين مكافحة غسيل الأموال وقواعد العمل المصرفي .
لا شك أن الاليات المصرفية المعقدة المتطورة التي تملكها البنوك من شانها ان تسهل عمليات غسيل الأموال ، وهناك خصيصة اخرى تتمتع بها الصناعة المصرفية من شانها ان تحفز غاسلي الاموال على استخدام كافة السبل ودفع أي مقابل لقاء تعاون المؤسسة المصرفية معهم وهي خاصية سرية العمل المصرفي المستمدة من تشريعات سرية العمل المصرفي الشائعة في انحاء العالم ، وهذه الخاصية تتعارض في بعض جوانبها مع الجهود التي تبذلها السلطات الرقابية في عمليات مكافحة غسيل الأموال .
ومبدأ السرية المصرفية يحرم على البنك أو المؤسسة المصرفية والموظفين العاملين فيها افشاء اية معلومات أو بيانات تتعلق بالعملاء اطلع عليها الموظف بحكم عمله ، كما لا يبيح هذا المبدأ اطلاع أي كان حتى لو كان موظفا في البنك ، فيما عدا صاحب الحساب حصرا او ورثته القانونين والجهات الرسمية في حالات حصريه ، كما لا يجوز اعطاء اية معلومات هاتفية عن اي حساب حتى لو ادعى المتصل بأن صاحب الحساب وبسبب هذا المبدأ ايضا بلغت المصارف الى مرحلة عدم استعمال المغلفات البريدية الشفافة حفاظا على هذه السرية(1) .
والنظم القانونية في العالم اجمعت على الاخذ بهذا المبدا وقرت مجموعة من الجزاءات لمنتهكي هذا المبدا وقانون البنوك الأردني رقم 18 لعام 2000 تضمن في متونه مجموعة من النصوص المنبثقة عن هذا المبدأ وقد ورد في نص المادة 72 منه أنه : " على البنك مراعاة السرية التامة لجميع حسابات العملاء وودائعهم واماناتهم وخزائنهم لديه ويحضر أي بيانات عنها بطريق مباشر او غير مباشر الا بموافقة خطية من صاحب الحساب او الوديعة او الخزانة او من أحد ورثته أو بقرار من جهة قضائية مختصة في خصومة قضائية قائمة او بسبب احدى الحالات المسموح بها بمقتضى هذا القانون ، ويظل الحظر قائم حتى لو انتهت العلاقة ما بين العميل والبنك لاي سبب من الاسباب " كما نصت المادة 73 من ذات القانون على أنه " يحظر على أي من اداريي البنك الحاليين او السابقين اعطاء اية معلومات او بيانات عن العملاء او حساباتهم او ودائعهم او الامانات او الخزائن الخاصة بهم او أي من معاملاتهم او كشفها او تمكين الغير من الاطلاع عليه في غير الاحالات المسموح بها بمقتضى احكام هذا القانون ويسري هذا الحظر على كل من يطلع بحكم مهنته او وظيفته او عمله بطريق مباشر او غير مباشر على تلك البيانات او المعلومات بمن في ذلك موظف البنك المركزي ومدققوا الحسابات " كما اورد المشرع في المادة( 75) من هذا القانون مجموعة من الجزاءات التي توقع بمن يخرق احكام المواد 72 و 73 منه وتتمثل بالحبس مدة لا تقل عن ستة اشهر وبغرامة مالية لا تقل عن عشرة الاف دينار ولا تزيد عن خمسين الف دينار او بكلتا العقوبتين معا 0
كما انتهج المشرع المصري المنهاج ذاته بهذا الصدد ، فقد نظمت المواد 1 و2 و5 و7 من قانون سرية الحسابات المصرفية المصري رقم 205 للعام 1990.
ونلحظ ان الظروف الاقتصادية كانت دافعا قويا وراء اقرار مبدا سرية العمل المصرفي في العديد من الدول التي تسعى للحفاظ علي راس المال الوطني من الهروب الى الدول التي تطبق هذا المبدا ولجذب رؤوس الاموال الاجنبية للاستثمار فيها بغية دعم الاقتصاد الوطني والسبب في انتقال الاموال الي الدول التي تطبق مبدا سرية التعاملات المصرفية هو ذات السبب الذي يجعل غاسلي الاموال يتجهون الى تلك الدول ، وهو الحفاظ علي سرية التعاملات المصرفية بحيث تتم هذه التعاملات بسرية وبسلاسة ودون ان تكون عرضة للكشف عنها مما قد يلحق الضرر في الاعمال التجارية وتستفيد الاموال المستمدة من مصادر غير مشروعة والقائمون على غسلها من هذه الميزة في الوقت ذاته ، وبالتالي يثور التساؤل عن الكيفية التي يمكن من خلالها فض التعارض ما بين قواعد سرية العمل المصرفي وامكانية مكافحة جرائم غسيل الاموال .
في الواقع لا يوجد ما يحول دون امكانية التوفيق بين قواعد ومضامين مبدأ سرية العمل المصرفي من ناحية والاجراءات التي تمارسها السلطات الرقابية لمكافحة عمليات غسيل الاموال من ناحية اخرى ويتسنى هذا من خلال وضع اصل عام هو سرية العمل المصرفي واستثناءاً من هذا الاصل يجري الخروج على قواعد سرية العمل المصرفي في حالات يبينها القانون ، كما أن الاصوات الحديثة تتطالب أن تكون سرية الحسابات على الأموال النظيفة ، أما الأموال الملوثة فلا توجد عليها سرية(1).
وقد أورد المشرع الاردني في المادة( 74 ) من قانون البنوك مجموعة من الحالات التي يجوز الخروج فيها على مقتضيات مبدأ سرية العمل المصرفي ، الا ان هذا النص افتقر الى ما تداركه المشرع المصري في قانون سرية الحسابات المصرفية ، اذ ورد به نص يجيز الخروج على مقتضيات هذا المبدأ اذا اقتضى ذلك الكشف عن جناية او جنحة توافرت دلائل واضحة على وقوعها .
وقد اشترط المشرع المصري قيدين على هذا الصلاحية القيد الاول : أن حق خرق مبدأ السرية منوط بالنائب العام او من يفوضه من المحامين العامين المدنيين ، والثاني : ان يطلب الكشف عن هذه الحسابات بموجب طلب يقدم الى محكمة استئناف القاهرة التي تفصل في الطلب أثناء انعقادها في غرفة الشورى ( المداولة) ويجب أن لا يفصل في هذا الطلب الا بعد الاستماع الى أقوال النيابة العامة حوله ، وقد كان الأجدر بالمشرع الأردني إيراد نص مماثل في النصوص المتعلقة بسرية العمل المصرفي في قانون البنوك الأردني رقم 18 لسنة 2000 .
وليس للبنك أو المؤسسة المصرفية في حال طلب إليه تعليق أو تسليم الأموال غير المشروعة المودعة لديه لغايات التحفظ عليها أن يرفض ذلك محتجاً بأنه لا يمتلك هذه الأموال أو الودائع المودعة لديه وأنها مودعة لديه باسم العميل ولصالحه ، فالراجح في الفقه أن البنك أو المؤسسة المصرفية يمتلك الأموال المودعة لديه وله بالتالي حق استعمالها أو التصرف فيها على النحو الذي يرتأيه مناسباً (2)، وبالتالي فلا يجوز للبنك أو المؤسسة المصرفية أن تثير هذا الدفع في مواجهة الأوامر التي تصدر إليها بكشف الحسابات المصرفية أو تسليم الودائع الموجودة لديه .
ومن جانب آخر فلا يجوز للبنك أو المؤسسة المصرفية التنصل من واجب اليقظة ومسؤوليتها في التحقق من كافة العمليات المصرفية والحركات المالية التي يقوم بها العميل لديها ، ولعل تبرير إلتزام المصرف بالابلاغ عن الأموال المشبوهة يتمثل في كون عقد الوديعة عقداً قائماً على الاعتبار الشخصي ، وبالتالي فلا عجب في مساءلة المصرف في حال إخلاله بواجب التبليغ عن العمليات المشبوهة أو حركة عوائد الجريمة .

المبحث الثاني
مسؤولية البنوك عن جريمة غسيل الأموال .
يلعب القطاع المصرفي دورا رئيسيا في مجال غسيل الأموال ومكافحة هذه الجريمة إذ لا يمكن تصور نجاح أية إجراءات أمنية وقائية أو عقابية في هذا المجال دون تعاون القطاع المصرفي .
فمن المعروف والطبيعي أن يلجأ غاسلوا الأموال إلى البنوك لتحويل اموالهم الى اعتمادات وودائع بحيث يصبح التصرف بها أكثر سهولة ويسراً إضافة الي اللجوء إلى توظيف هذا الاموال من خلال المصارف والمؤسسات المالية بصورة استثمارات مالية بهدف إخفاء المصادر الحقيقية لهذه الاموال القذرة .
وبناءً على ما ذكر فقد تتعرض البنوك للمساءلة عن تلقيها أو قبولها للأموال القذرة خاصة إذا كانت تعلم أن هذا الاموال متحصلة عن فعل إجرامي .

وهنا يبرز التساؤل عن مدى اعتبار البنك مسؤولا او مساهماً في النشاط الجرمي لغسيل الاموال ، ومدى اعتباره مرتكبا لجريمة إخفاء أشياء او اموال متحصلة عن جريمة عند قبوله ايداع اموال قذرة لديه .
أولا : متى يمكن اعتبار البنك مساهما في جريمة غسيل الاموال ؟
إن قيام البنك بايداع الاموال القذرة لديه مع علمه بمصدرها وانها اموال ناتجة عن نشاط جرمي يكفي للقول بان البنك مساهم في تيسير غسيل الاموال ، وبالتالي مساهمته في الجريمة الاصلية التي نتجت عنها تلك الاموال ولكن البعض يعتقد انه ليس شرطا ان يكون البنك على علم بعدم مشروعية هذه الاموال وقد يكون هذا صحيحا ولكن توفر الظروف الموضوعية التي تحيط بعملية الايداع أو التحويل او غيرها يجب ان تجعل من الممكن التوصل الي الاشبتاه على الاقل بان العملية المصرفية مثيرة للريبة .
وعليه وخوفا من الوقوع تحت طائلة المسؤولية فانه يتعين علي البنوك اتخاذ التدابير الوقائية المعقولة للتحقق من هوية الاشخاص المتعاملين معها في كافة العمليات المصرفية خاصة وان معظم هذه العمليات تبنى علي الثقة والاعتبارات الشخصية ، كذلك فعلي البنوك ابلاغ الجهات المختصة في حال الاشتباه باية عمليات مشكوك بها ، وفي حال لم يقم البنك بالابلاغ في الوقت المناسب فانه يمكن تحميله المسؤولية القانونية واعتباره شريكا او مسؤولا من الناحية الجنائية(1) .
ولكن الذي يحصل فعليا هو ان البنوك تلجأ الى اخفاء المعلومات عن الجهات المختصة مستغلة بذلك مبدأ السرية المصرفية وذلك خوفا من المسائلة القانونية من قبل العميل في حال تبين ان شكوك البنك لم تكن في محلها اضافة الى محاولة البنك الحفاظ على سمعته وثقة العملاء فيه .
ويرى البعض انه من الصعب اعتبار البنك مساهما في الجريمة بالتحريض والاتفاق الجنائي بينما يمكن اعتباره مساهما في صورة المساعدة بما يقوم به من تزويد العميل بالوسيلة التي تسير له جني ثمار الجريمة .
اما البعض الاخر فيذهب للاعتقاد انه من الصعوبة كذلك اعتبار البنك مساهما في جريمة غسيل الاموال حتى في صورة المساعدة وذلك للاسباب التالية :
أ – ان فعل المساهمة الجنائية يجب ان يكون سابقا او على الاقل معاصرا للجريمة الاصلية ومن
هنا يصعب القول ان فعل البنك يشكل مساهمة في الجريمة ذلك ان الجريمة الاصلية تقع قبل
استلام البنك للاموال القذرة ، أي انه لا يمكن اعتبار نشاط البنك سببا منشئا للجريمة الاصلية .
اما إذا اعتبرنا العملية البنكية نوعا من التواطؤ مع مرتكب الجريمة فان هذا التواطؤ لا يمكن ان
يرقى الى مستوى كونه سببا في الجريمة ، خاصة وانه مجرد تامين لثمار الاموال المتحصلة عن
الجريمة .
ب- لما كانت المساهمة الجنائية تقتضي من المساهم اتخاذ فعل ايجابي ، فانه من الصعب القول بان
البنك ومن خلال امتناعه عن تحري مصدر الاموال المشبوهة قد ساهم مساهمة مباشرة في
الجريمة اضافة الى ان اخفاق البنك في التحري عن مصدر الاموال المشبوهة لا يكفي لاعتباره
شريكا او مساهما في الجريمة الاصلية التي نتجت عنها تلك الاموال خاصة وان سلوك البنك لم
يكن مؤثرا في نشأة الجريمة وانما توقف عند آثارها .
ثانياً : متى يمكن اعتبار البنك مرتكبا لجريمة اخفاء اشياء متحصلة عن جريمة عند قبوله ايداع الاموال القذرة لديه .
يتجه البعض الى اعتبار البنك الذي يقوم بقبول ايداع اموال وهو علي علم بمصادرها غير المشروعة انما يعتبر مرتكبا لجريمة اخفاء اموال متحصلة عن جريمة .(1)
اما البعض الاخر فيخالف هذا التوجه باعتبار ان البنك الذي يقبل ايداع هذه الاموال انما لا يتجاوز دوره تسجيل العملية المصرفية للعميل حتى لو كان منتفعا بالاموال المودعة لديه ، فالبنك الذي يقبل الودائع لا يحوزها باسمه بل تظل هذا الاموال مودعة باسم العميل ومملوكة له، فهو حائز للاموال المودعة لديه بموجب عقد الوديعة مع العميل وان خالف التزاماته العقدية اعتبر مرتكبا لجريمة خيانة الامانة .
ولكن هذا التحليل براينا لا يتفق مع المنطق والاصول القانونية وخاصة مع قوانين التجارة اذ انه من المسلم به ان الوديعة تنتقل الى ملكية البنك بمجرد ايداعها لديه وله الحق بالتصرف بها كما يشاء الى ان ياتي موعد استحقاقها او عندما يطلب احد طرفي العقد ( عقد الوديعة ) فسخ العقد اضافة الى ان البنك وكما سبق ان ذكرنا يعتبر منتفعا من تلك الاموال ناهيك عن ان البنك يكون مسؤولا عن تلك الاموال في حال فقدانها لاي سبب كان .
براينا وبناء على ما تقدم فان البنك يبقي مسؤولا مسؤولية جزائية عن احتفاظه بمثل هذه الاموال في حال علمه بمصدرها - ذلك اذا كانت النصوص المعمول بها في بلد البنك تجرم مثل هذا العمل - خاصة وان هذه الجريمة عمدية ولا تقع بمجرد الاهمال .

الفصل الرابع :
اهدار السريه المصرفية في سبيل مكافحة غسيل الأموال
تمهيد :
ان هناك توجهاً دولياً قوياً نحو الغاء السريه المصرفية في التعاملات البنكية لمنع عمليات تمويل الارهاب وغسيل الاموال وغيرها من الجرائم الاقتصادية (1) .
وسوف نتعرض في هذا الفصل إلى هذه الجهود الدولية والاقليمية والعربية لاهدار مبدأ السرية المصرفية في سبيل مكافحة غسيل الاموال ، ولتنسيق الجهود حتى لا يتعارض هذا المبدأ مع مكافحة غسيل الاموال ، وايضا توفير الحماية للبنوك من تجريمها بافشاء السر المصرفي اذا هي ادلت بمعلومات عن الحسابات المشبوهه لديها، ومن ثم سوف نتطرق لموقف المشرع الاردني والجهود التي اتخذها .
المبحث الأول :
الاتفاقات والقرارات الدولية والاقليمية
ادراكا من المجتمع الدولي للاثار السلبية لظاهرة غسيل الاموال على الاقتصاديات الوطنية وعلى الاقتصاد بصفة عامة ، فلقد توالت وتواصلت الجهود الدولية من اجل الحد من هذه الجريمة والعقاب عليها وضبط المنحرفين الذين يسهمون فيها ، والحد من مبدأ السرية المصرفية من اجل كشف هذه الجرائم ومرتكبيها .
ويمكن القول ان عام 1988 يمثل سنة الارتكاز بالنسبة للجهود الدولية في حقل مكافحة غسيل الاموال مع العلم ان الاهتمام بهذا الموضوع قد بدأ قبل هذا التاريخ ، ولكنه بقي ضمن اطار البحث العلمي ورسم الخطط وبناء الاستراتيجيات دون أن يصل إلى اطار دولي لحشد الجهود في المكافحة .

أما ابرز الجهود الدولية التي بذلت في هذا الخصوص فهي :
أولاً : اتفاقية الامم المتحدة لعام 1988 أو ما يعرف باتفاقية فينا :
تتعلق هذه الاتفاقية بالاتجارغير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية وقد تم اقرارها بتاريخ 20/12/1988 ( أصبحت نافذة عام 1990 ) والتي تلزم الأطراف المنضمة اليها باضفاء الصفة الجرمية على مجموعة من الاعمال التي تستهدف اخفاء المصدر الجرمي للأموال والتستر على حركتها ووضعها ومالكها ، وكذلك على تسهيل التعاون القضائي والاداري وتبادل المتهمين بين الدول الأعضاء
ولعل هذه الاتفاقية هي الاهم بين اتفاقات الامم المتحدة حيث أنها فتحت الأنظار على مخاطر أنشطة غسيل الأموال المتحصلة عن تجارة المخدرات وآثارها المدمرة على النظم الاقتصادية والاجتماعية للدول ، كما جسدت قناعة المجتمع الدولي بأهمية تعاونه في مكافحة غسيل الاموال الناتجة عن الجرائم المذكورة كذلك فقد ساعدت هذه الاتفاقية على بناء الاستراتيجيات الجديدة التي تقضى بحرمان المجرمين من ثمار جرائمهم بغية تجريدهم من المحرك الأساسي لنشاطهم الجرمي، الا وهو قدراتهم المالية .
وقد تطرقت هذه الاتفاقية اساسا إلى :
•الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية .
•الأموال الناشئة عن هذه الجرائم .
•الاحكام التأسيسية لجريمة غسيل الاموال.
•الاشخاص المقصودين بجريمة غسيل الاموال(1) .
ويلاحظ المطلع على هذه الاتفاقية ان مصطلح " الأموال " الذي ورد فيها شمل الأموال بكافة أشكالها المادية وغير المادية ، المنقولة وغير منقولة ، الملموسة وغير الملموسة والمستندات القانونية او الصكوك التي تثبت تملك تلك الاموال او أي حق متعلق بها ، أي ان الاتفاقية شملت نتاج العقل البشري ( الحقوق الادبية والفنية والفكرية والاختراعات الصناعية ) بالأموال التي قد تنتج عن الجرائم
كما أنشأت هذه الاتفاقية موجب تجريم غسيل الأموال الناتجة عن الاتجار بالمخدرات وسهلت من اجراءات التعاون القضائي والاداري بين الدول ، اضافة إلى تبادل المتهمين بينها .
أما فيما يتعلق بالأشخاص المقصودين بجريمة غسيل الأموال فان أحكام الاتفاقية تشمل جميع أولئك الذين وصل إلى عملهم وعرفوا مصدر الاموال غير المشروعة ، كما وحضت على انزال العقوبات المناسبة بمرتكبيها .

ثانياً : فريق العمل المالي الدولي (2) ( FATF ) :
إلى جانب جهود الامم المتحدة وبعد عام واحد تقريبا تاسس اطار دولي لمكافحة غسيل الأموال وهو فريق العمل المالي الدولي او ما يسمى بالمجموعة الدولية للعمل المالي (FATF) FINANCIAL ACTION TASK FORCE )) وهي منظمة نشأت عن اجتماع الدول الصناعية السبع الكبرى وقد فتحت هذه المنظمة عضويتها للدول الراغبة بالانضمام وتهدف المنظمة إلى تحديد انشطة غسيل الاموال وذلك من خلال الخبراء ولجان الرقابة ، وبالفعل اخذت تكشف عن اوضاع تصدرها وتحظى باهتمام الجهات الحكومية والتشريعية في مختلف دول العالم .
ففي تقريرها لعام 2000 مثلا نشرت المنظمة قائمة بالدول غير المتعاونة في ميدان مكافحة غسيل الأموال وعددها 15 دولة من بينها دولة عربية واحدة هي لينان والتي بدورها تقدمت باعتراض على وضعها ضمن هذه القائمة السوداء .
كما وقامت المجموعة باصدار تقرير من اربعين توصية وزع على اربعة اقسام ، وأهم ما انطوت عليه هذه التوصيات فـكان :
1 - ضرورة أن تتخذ كل دولة الاجراءات اللازمة ، بما فيها التشريعية لاعطاء الصفة الجرمية
لفعل غسيل الاموال ( التوصية الرابعة ) .
2 - تعديل نصوص قوانين السرية المصرفية على وجه يسهل ملاحقة جرم غسيل الاموال الملوثة .
3 - وضع توصيف موحد للمؤسسات المالية غير المصرفية التي يمكن استعمالها في غسيل الاموال
الملوثة .
4 - اتخاذ ترتيبات لمصادرة الاموال المغسولة ومردودها والوسائل المستخدمة في غسيلها ( التوصية
الثامنة ) .
5 - التزام المصارف بعدم فتح حسابات مجهولة الهوية او باسماء وهمية ( التوصية الثانية عشرة )
والتحق من هوية الزبائن الذين يرغبون في فتح حسابات لمصلحة الغير (التوصية الثالثة عشر ) والاحتفاظ لمدة خمس سنوات على الاقل بالقيود والسجلات وسائر المستندات المتعلقة بالعمليات التي جرت على هذه الحسابات داخل البلاد او مع الخارج بشكل يجعل المصارف قادرة بسرعة على تلبية أي طلب معلومات يردها عند اللزوم من السلطات المختصة (التوصية الرابعة عشرة)
6 - الانتباه إلى العمليات المعقدة الهامة المشبوهة وغير العادية التي تجري بواسطة الحسابات
المفتوحة وغير المبررة بسبب اقتصادي مشروع ( التوصية الخامسة عشرة ) .
7 - ان يسمح للمؤسسة المالية اعداد تقرير عن هذه العمليات والابلاغ إلى هيئات الرقابة الرسمية
داخليا وخارجيا او حتى الزامها بذلك ( التوصية السادسة عشرة ) .
8 - اعطاء المصرف الخيار بين اقفال الحسابات حتى لا تثار أي مسؤولية بحقه او اعلام السلطات
المختصة بشكوكه بحيث يتم في هذه الحالة الاخيرة اعفاء المصرف وموظفيه من أي مسؤوليته
عن افشاء السر بعض النظر عما اذا كان موجب السر هذا عقديا او مهنيا او قانونيا .
9 - التزام المصارف والمؤسسات المالية بوضع برامج لمكافحة عمليات غسيل الأموال تتضمن فيما
تتضمن تدريب وتأهيل الموظفين لديها ( التوصية العشرون ) .
10- دراسة العمليات النقدية والتبليغ عنها عندما تتجاوز مبلغا محددا ( التوصية الرابعة والعشرون )
11 - التشديد على التزام المصرف بعدم اطلاع أي زبون تكونت لديه شكوك عن حركة حسابه
بطبيعية هذه الشكوك ولا تنبهه السلطات المختصة بشأنها ، ضمانا لفعالية الاجراءات التحفيظ
والقانونية التي ستتخذ لاحقا .
12 - منح المصارف اختصاص تجميد الحسابات التي تبلغها السلطات الرسمية المختصة عدم
سلامتها حتى لا يحصل تهريب لارصدتها قبل اصدار القرار القضائي بحجزها او بوضع اليد
عليها .
13 - التشدد في مراقبة العلميات والتحويلات المالية التي جرت مع مصارف ومؤسسات مالية مقيمة
في بلاد ذات تشريع وتنظيم مالي متساهل غالبا ما يستغلها اصحاب الأموال الملوثة لشراء أو
تأسيس شركات فيها لتكون بمثابة صناديق رسائل في اعادة توظيف الأموال بطريق مشروعة
في الاسواق المالية العالمية .
14 - قيام الهيئات الدولية بجمع المعلومات المتعلقة بتطور عمليات الغسيل والتقنيات المستعملة فيها
وتوزيعها على السلطات المختصة ( التوصية الواحدة والثلاثون ) .
15 - تبادل المعلومات بين الدول بصورة تلقائية أو عند الطلب ( التوصية الثانية والثلاثون ) .
دراسة امكانية اتخاذ افضل الاجراءات التي توفر رقابة مثمرة على انتقال رؤوس الاموال عبر
الحدود .
17 - تكليف لجان الرقابة على المصاريف بالتدقيق بوجود نظام فعال لمراقبة غسل الاموال لدى
المصارف التي تراقب اعمالها وتقديم التوجيهات والمساعدة عند الاقتضاء لهذه المصارف .
18 - تضمين الاطار التنظيمي لعمل كل من المؤسسات المالية غير المصرفية احكاما تجنبها
الاشتراك او التورط في عمليات غسل الاموال الوسخة .
19 - تفعيل دور السلطات المعينة (المصارف المركزية ـ الانتربول ) في جمع المعلومات حول
المستجدات التقنية في عمليات الغسيل وتزويد المصارف والمؤسسات المالية بها مع
التوضيحات العائدة لكيفية محاربتها والتصدي لها .
وتحت وطاة هذه الاتجاهات الدولية المتعاظمة الحجم والتاثير يوما بعد يوم وفي سبيل التصدي
للخطورة المتصاعدة للانشطة الجرمية المنظمة ، استجابت العديد من الدول في تشريعاتها
الداخلية ووسعت من دائرة التجريم حتى يصبح ممكنا ان يطال العقاب مختلف انواع تلك
الانشطة .

ثالثا : اعلان ستراسبوغ .
في العام 1990 ظهرت الاتفاقية الاوروبية (اعلان ستراسبورغ ) المتعلقة باجراءات التفتيش والضبط الجرمي لغسيل الأموال والتي حددت الاطار الدولي للتعاون في حقل مكافحة الانشطة الجرمية لغسيل الاموال ومثلت الاطار القانوني الارشادي للبرلمات الاوروبية ، وقد صدر عن هذه الاتفاقية دليل الحماية من استخدام النظام المالي في انشطة غسيل الاموال لعام 1991 والذي يهدف إلى وضع اطار قانوني لجهات مكافحة غسيل الاموال وقد جرى تطبيق محتواه في العديد من التشريعات الاوروبية مثل قانون العدالة الجنائية البريطاني لعام 1993 .

رابعا : توصيات بازل ( اعلان بازل ) :
صدرت توصيات بازل عام 1988 عما يعرف بمجموعة العشرة ( وهي البنوك المركزية وبعض المؤسسات المالية ذات الطابع الاشرافي ) التي اجتمعت في بازل بسويسرا ، حيث تضمنت هذه التوصيات العديد من المبادئ التي يتعين على المصرفيين اتباعها لكي يتم السيطرة على ظاهرة غسيل الاموال بل ومنع استخدام البنوك كوسيلة لتسهيل اخفاء او تنظيف الاموال .

خامسا : قرار مجلس الامن رقم ( 1373) :
أن هذا القرار جاء خاصا بمكافحة الارهاب وتجميد اموال المنظمات الارهابية والذي اتخذه المجلس في جلسته رقم 4385 والمعقود بتاريخ 28/9/2001 على اثر هجمات 11 ايلول 2001 التي وقعت في نيويورك وواشنطن العاصمة وبنسلفانيا في الولايات المتحدة الامريكية وهذا القرار صدر بموجب الفصل السابع من الميثاق .
واكد هذا القرار في متنه على الصلة الوثيقة بين الارهاب الدولي والجريمة المنظمة عبر الوطنية والاتجار غير المشروع بالمخدرات وغسل الاموال .
كما طالب هذا القرار جميع الدول بالقيام بدون تاخير بتجميد الاموال واي اصول مالية او موارد اقتصادية لاشخاص برتكبون اعمالا ارهابية او يحاولون ارتكابها او يشاركون في ارتكابها ، كما حظر هذا القرار على رعايا جميع الدول او على أي أشخاص او كيانات داخل أراضيها إتاحة أي أموال او أصول مالية او موارد اقتصادية او خدمات مالية او غيرها بصورة مباشرة او غير مباشرة للأشخاص الذين يرتكبون أعمالا إرهابية او يحاولون ارتكابها او يسهلون او يشاركون في ارتكابها .
اما عن مدى إلزامية هذا القرار للدول الأعضاء في الأمم المتحدة فنجد بان هذه الدول ملزمة باتباع ما جاء في هذا القرار ، حيث ان مجلس الأمن وهو جزء من ميثاق الأمم المتحدة والتي وقعت جميع الدول – باستثناء سويسرا – وانضمت اليه وهي بمعني آخر معاهدة دولية تلزم جميع الدول الموقعة عليها بالتقيد بأحكامها .
كما ان هذا القرار صدر بموجب الفصل السابع من الميثاق وقد نصت المادة 39 من هذا الفصل علي ان مجلس الأمن يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير لحفظ السلم والأمن الدوليين ونص في المادة 41 ان لمجلس الأمن ان يطلب الى أعضاء الأمم المتحدة تطبيق هذه التدابير .

سادسا : الجهود العربية في مكافحة غسيل الأموال :
ما زالت الجهود الاقليمية العربية لمكافحة غسيل الاموال محدودة ، نظرا لان التقدم في هذا المجال على المستوى الاقليمي اقل مما هو على المستوى الدولي ، وتتمثل هذه الجهود بـ :
1 - المؤتمر العربي الثامن لرؤساء اجهزة مكافحة المخدرات ، المنعقد عام 1994 والذي صدرت
عنه توصيات بضرورة التنسيق بين المؤسسات المالية والاجهزة الامنية في البلدان العربية للتعرف على الاساليب والحيل المستخدمة في عمليات غسيل الاموال المتأتية من الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية مع مراعاة وضع القواعد والاجراءات اللازمة لمحاربة هذه الجريمة في ضوء التجارب العربية والدولية بهذا الشان .
2 - المؤتمر العربي التاسع لرؤساء أجهزة مكافحة المخدرات المنعقد في تونس عام 1995 والذي تطرق الى منع غسيل الاموال وفرض الرقابة على الكيميائيات والعقاقير المخدرة وتطبيق اهم ما جاء في اتفاقية فينا للعام 1988 كآليات واساليب مبتكرة للتصدي لجرائم الاتجار غير المشروع بالمخدرات
3 - الاجتماع التاسع لرؤساء الاجهزة الوطنية المعنية بانفاذ قوانين العقاقير المخدرة عام 1999
والذي اقترح توسيع نطاق غسيل الاموال لتشمل بالاضافة الى الاموال القذرة الناتجة عن
المخدرات كافة الجرائم الخطيرة والتي ترتكب سعيا وراء الربح المادي .

المبحث الثاني
الوضع في التشريع الاردني
بالنظر الى المقاييس العالمية فان الاردن يعد من الدول النظيفة بالنظر الى نسب ارتكاب جرائم الاتجار غير المشروع بالمخدرات او الاسلحة او النقد المزور او غسل الاموال او تجارة الرقيق ، والاردن لا ينتج ولا يصنع المواد المخدرة او الاسلحة على الاطلاق الا انه يعاني علي الرغم من ذلك من المشكلة كونه معبرا تمر من خلاله المواد المخدرة والاسلحة المهربة خلال انتقالها من مصادرها الاصلية الى وجهتها النهائية .
ولم تكن فكرة غسيل الاموال او تجريم عمليات غسيل الاموال لتخطر ببال احد في الاردن في فترة من الفترات التي كان الاردن فيها شانه شان الكثير من الدول النامية يجتهد في محاولاته جذب الاستثمارات الاجنبية الى البلاد للنهوض بالسوية الاقتصادية فيها وهذا امر كانت تحتمه ضرورات الظروف الاقتصادية محليا واقليميا وعالميا .
وكان لمحاولات جذب الاستثمار ، انعكاسات سلبية من ضمنها ورود الكثير من رؤوس الاموال القذرة المستمدة من النشاطات غير المشروعة ، ويقاس هذا الحال علي الكثير من الدول النامية في العالم ، لذا ما كنا نجد في فترة سابقة في أي من هذه الدول تشريعا يحد من ادخال او تحويل رؤوس الاموال الى أي منها او يضع سقفا من الرقابة علي مصادر الاموال الواردة المحولة والكيفية التي تم اكتسابها بها .
في مجموعة التشريعات الاردنية هناك قوانين تتعامل مع الجرائم التي ينتج عنها اموال غير مشروعة وتعالج كيفية التعامل مع هذه الاموال ولو كان هذا بصورة غير مباشرة .

اولا : قانون المخدرات والمؤثرات العقلية :
لقد تنبه المشرع الى تفشي ظاهرة الاتجاه غير المشروع بالمواد المخدرة والمؤثرات العقلية والى الاثار السلبية التي تعكسها هذه الظاهرة على بنية المجتمع ، واصدر المشرع القانون رقم (11) لسنة 1988 باسم (قانون المخدرات والمؤثرات العقلية ) ، وبدأ العمل بهذا القانون في 17/4/1988 . وقد تضمن نصوص هذا القانون النص على تجريم مجموعة من الافعال التي عدها المشرع ذات صلة بعملية الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية .
كما أن المشرع اتجه الى محاربة هذه الظاهرة من جانبها الاقتصادي من خلال عدم الاكتفاء بمصادرة المواد المخدرة المضبوطة بل مصادرة الاموال التي نتجت عن الاتجار غير المشروع بها 0 وقد ترجم المشرع هذا التوجه في نص المادة 15 من القانون مناط الحديث التي ورد بمتنها :
أ – يحكم بمصاردة المواد المخدرة والمؤثرات العقلية والنباتات التي تنتج عنها مواد مخدرة او مؤثرات عقلية وبذورها والاجهزة والالات والاوعية ووسائل النقل المستخدمة في ارتكاب الجريمة وذلك دون اخلال بحقوق الغير من حسني النية .
ب- للنيابة العامة ان تحقق في المصادر الحقيقية للاموال العائدة للاشخاص الذين يرتكبون الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون للتأكيد فيما اذا كان مصدر هذه الاموال عائداً لاحد الافعال المحظورة بموجبه وللمحكمة ان تقرر القاء الحجز عليها ومصاردتها .
وعانى المشرع الاردني من بعض القصور في نص المادة 15/ب من القانون ، ذلك انها تعطي الحق للمحكمة بالتحفظ على الاموال الناتجة عن الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية الا انها لا تنصرف الى الاموال المستمدة من مصارد اخرى اغير مشروعة 0 كما انها ومن جانب آخر لا تتيح الفرصة للتحقيق في امر أموال يحوزها شخص ما ويشتبه في طبيعة مصادرها ، اذ لا يسمح بممارسة صلاحية التحقيق في مصادر الاموال التي يحوزها هذا الشخص الا في ظل وجود قضية قيد التحقيق موضوعها الاتهام بالاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية ، ولا تستطيع النيابة العامة في هذه الحالة ممارسة هذه الصلاحية دون وجود قضية بهذا الموضوع ، ولا نجد في مجموع التشريعات الاردنية النافذة نصوصا قانونية تعطي الحق لاية جهة بالمساءلة في طبيعة المصادر التي يستمد منها هذا الفرد او ذلك امواله او بملاحقته في حال ثبوت عدم مشروعية هذه المصادر ، فيما عدا مصدر الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية .

ثانيا : قانون البنوك :
دعما للجهود المحلية والاقليمية والعالمية لمكافحة عمليات غسيل الاموال وفي ظل التطورات التكنولوجية التي تلحق بالصناعة المصرفية محليا وعالميا والتي تتيح طرح تنوعات في اساليب ووسائل غسيل الاموال وحرصا من المشرع الاردني والجهات القائمة على تفعيل وانفاذ التشريعات التي تنظم عمل القطاع المصرفي ودعما للجهود المحلية والاقليمية والعالمية في مجالات مكافحة هذه الظاهرة والحد منها فقد استصدر البنك المركزي الاردني وبمقتضى احكام المادة 93 و 99/ب من قانون البنوك الاردني رقم 28 لعام 2000 ونصوص قانون مراقبة اعمال الصرافة رقم 26 لعام 1992 التعليمات رقم 10 لسنة 2001 بعنوان ( تعليمات مكافحة عمليات غسيل الاموال ) (1) 0 وهذه التعليمات هي اولى البوادر التي تطفو من اعماق الاستراتيجية الاردنية الوطنية في مجال مكافحة ظاهرة غسيل الاموال على المستوى التشريعي ، ويبدو انها اصدرت على صورة تعليمات حتى يسهل تعديلها وفقا لمقتضيات الحاجة .
ونظرا لكونها بادرة ولاهمية هذه التعليمات وحداثة الموضوع فاننا نعرض بشكل موجز الى ما ورد بهذه التعليمات و من النقاط التالية :
1 - من حيث نطاق تطبيق هذه التعليمات :
تخاطب هذه التعليمات باحكامها جميع البنوك والمؤسسات المصرفية التي تعمل عمل البنوك على اراضي المملكة الاردنية الهاشمية وفروع هذه البنوك والمؤسسات المصرفية في الخارج كما تسري هذه التعليمات على البنوك التابعة للبنوك الاردنية (البنوك المراسلة بالمصطلح التجاري الشائع ) بالقدر الذي يتسنى فيه تطبيق مضامين هذه التعليمات عليها ، وبالقدر الذي لا تتعارض فيه هذه التعليمات مع احكام التشريعات والقوانين السارية في البلدان التي تقع فيها هذه البنوك التابعة .
كما تسري احكام هذه التعليمات على الشركات والمؤسسات التي تتعاطى باعمال الصرافة في الاردن وذلك بالقدر المتعلق بالاعمال المرخص لها التعامل بها وفقا لاحكام قانون اعمال الصرافة رقم 26 للعام 1992.
2- من حيث الاشخاص المخاطبين باحكام هذه التعليمات :
تشمل الاحكام المقررة بهذه التعليمات في تطبيقها كافة الاشخاص الطبيعيين والاعتباريين على وجه السواء بما في ذلك الجمعيات الخيرية والتعاونية وما في حكمها 0 وقد بينت احكام هذه التعليمات مجموعة من الواجبات التي يجب ان يتوخى البنك او المؤسسة المصرفية اتباعها في مراقبة اية عمليات يشتبه ان الغاية منها هو غسيل الاموال ابتداء من مرحلة فتح الحساب لدى البنك او المؤسسة المصرفية .
3- من حيث الواجبات التي القتها التعليمات على عاتق البنوك والمؤسسات المصرفية في مراقبة الحسابات والتعاملات البنكية والمصرفية ضمانا لمنع تورطهــا في عمليات غسيل اموال :
أوردت التعليمات مدار البحث في متونها مجموعة من الواجبات القانونية التي يستوجب على البنوك والمؤسسات المصرفية المخاطبة بأحكامها اتباعها في اثناء ممارسة اعمالها ، والغاية من الزامها بهذه التعليمات هو منع تورطها وملاحقتها بالنتيجة بجرم غسيل الاموال .
ويمكن استعراض مجموع هذه الالتزامات القانونية عبر حزمة التعاملات والاجراءات المصرفية فقد القت التعليمات رقم 10 لسنة 2001 التزاما على عاتق البنوك والمؤسسات المصرفية بالتحقق والتثبت من الهوية الحقيقية لطالب فتح الحساب المصرفي لديها ، ويبقى هذا الالتزام قائما على عاتقها سواء كان طالب فتح الحساب شخصا طبيعيا او اعتباريا ، فيمنع على البنوك والمؤسسات المصرفية ان تقوم بفتح الحسابات المصرفية لديها للاشخاص الطبيعيين الا بعد ان تطلع على أي من الوثائق المعتمدة لغايات اثبات الهوية ، وعليها في الوقت ذاته ان تثبت اسم وعنوان طالب فتح الحساب ومحل اقامته الحالي ومحل عمله وطبيعته ، واذا كان الشخص يقيم خارج المملكة فعلى البنك او المؤسسة المصرفية اثبات عنوان اقامته .
اما فيما يتعلق بالاشخاص الاعتباريين فعلى البنك او المؤسسة المصرفية التحقق من الكينونة القانونية للاشخاص الاعتباري من خلال طلب ابراز الوثائق الرسمية القانونية التي تؤكد وجوده وكيانه القانوني ، وتتمثل هذه الوثائق على سبيل المثال لا الحصر بشهادات التسجيل الصادرة عن وزارة الصناعة والتجارة او شهادات التسجيل في الغرف الصناعية والتجارية فيما يتعلق بالشركات ، والحصول على قائمة باسماء وعناوين المساهمين الذين يملكون 5 % فاكثر من راس مال الشركات المساهمة العامة ، والشهادات التي تصدر عن وزارة الداخلية فيما يتعلق بالجمعيات الخيرية والتعاونية او ما يشابهها .
من جانب آخر حظرت التعليمات على البنوك والمؤسسات المصرفية العاملة فتح الحسابات باسماء الاشخاص او الشركات الوهمية ، او فتح الحسابات بالمراسلة لاشخاص يقيمون خارج المملكة ولو كانت اقامتهم هناك بصورة مؤقتة (1) ، كذلك فقد اوجبت هذه التعليمات على البنك او المؤسسة المصرفية التحقق والتثبت من هوية الاشخاص المودعين الذين ليس لهم حسابات في ذلك البنك او المؤسسة المصرفية ، ويرغبون باجراء ايداعات او تحويلات نقدية الى خارج المملكة تزيد قيمتها على عشرة آلاف دينار اردني او ما يعادلهــــا من العملات الاجنبية ايا كانت (2) .
كما طلبت هذه التعليمات من البنوك والمؤسسات المصرفية التنبه وبذل العناية القصوى في حالات ترتبط بالقيام بمجموعة من الاجراءات والاعمال المصرفية مثل :
•طلب تسهيلات مصرفية لقاء حجز ودائع .
•تأجير صناديق الامانات .
•لدى تحصيل شيكات اطراف ثالثة غير معروفة خارج المملكة .
•عند طلب تنفيذ عمليات مصرفية او صفقات معقدة او كبيرة ، خصوصا اذا اقترن تنفيذها بتعاملات غير عادية او تعاملات توفر الشك بان المقصود من وراء هذه العمليات ليس ماليا فقط ، والاعمال المرتبطة بنشاطات الحسابات الخارجية ( of Shore ) ، والاعمال المرتبطة بشخوص معنوية وهمية غير موجودة او غير مسجلة او هناك شك في تسجيلها اصوليا .
•عمليات شحن النقد غير المسجلة اصوليا (1) .ويؤخذ على تعليمات رقم 10 لعام 2001 هنا استعمالها لعبارة ( التنبه وبذل العناية الخاصة ) ، فماذا توخى المشروع من استعمال هذه العبارة ؟؟؟ وما هو المعيار واجب الاعتماد لتحديد فيما اذا كان البنك او المؤسسة المصرفية قيد المسائلة قد تنبه وبذل العنابة الخاصة ؟؟
كما يتوجب على البنوك والمؤسسات المصرفية المخاطبة باحكام هذه التعليمات ان تطور انظمة معلومات متكاملة تثبت فيها جميع المراسلات التي يجري تبادلها بخصوص التعاملات البنكية اللافتة ـ وهنا يرجع المشروع الكريم الى عمومية العبارات وعدم دقتها ووضوحها ، فما هو المقصود تماما بالتعاملات المصرفية اللافتة ؟؟ وما هو المعيار هنا حتى تعتبر هذه العملية المصرفية لافتة للنظر دون غيرها ؟؟ ـ وهذا من حيث المبدأ ـ ، وبصدد التعاملات المصرفية التي تزيد قيمتها على 10 الآف دينار او ما يقابها من العملات الاجنية ايا كانت حتى ولو لم تطرق الشبهة الباب بخصوصها (2) وهذا من باب الالزام القانوني الصريح .
ويتوجب على الموظفين والاداريين القائمين على تسيير اعمال البنك او المؤسسة المصرفية وفي حالة الاشتباه او اكتشاف أي عملية تتضمن غسيل الاموال من باب الالزام القانوني ان يقوموا باجراء التبليغ عن هذه المعاملة ، حيث يتوجب على البنك او المؤسسة المصرفية اشعار البنك المركزي فورا ، والامتناع من طرفة عن تنفيذها اذا لم يكن قد نفذها بعد .
وفي حال اشتبه ان تعاملا بنكيا معينا ينطوي على عمليات غسيل اموال ، وجرى التحقيق بشأنه وتبين بعد ذلك مشروعية هذه الاموال ، فيتعين على البنك او المؤسسة المصرفية دفع الفوائد للعميل الذي تم تجميد امواله لحين الانتهاه من التحقيق بشانه عن فترة التجميد ، وهذا جانب من الضمانات التي تقررها التعليمات كضمان للمتعاملين من جانب وكقيد على البنوك والمؤسسات المصرفية ليتم فعليا التأكيد من العمليات المصرفية والتحقق بصورة جازمة انها ترتبط بغسيل الاموال لا ان يتم هذا الاجراء بصورة جزافية (1) 0
كما فرضت التعليمات - مدار البحث – على البنوك والمؤسسات المصرفية وضع اجراءات داخلية فيها لتحقيق الغاية المرجوة وهي مكافحة هذه الظاهرة ، بحيث تشتمل هذه الاجراءات على تطوير سبل الرقابة للتعرف على محاولات القيام بغسيل الاموال ، وتطوير البرامج التدريبية المستمرة للموظفين المعنيين باستلام النقد من العملاء واجراء الايداعات والتحويلات النقدية ومراقبة الحسابات المصرفية وذلك للوقوف بهم على اهم المستجدات في مجال غسيل الاموال ، مما سيطور قدراتهم على التعرف على هذه العمليات وانماطها والكيفية التي تتم بها (2) 0 وجدير بالملاحظة ان المشرع قد ارفق بهذه التعليمات دليل ارشادات تم وضعه للمساعدة في التعرف على عمليات غسيل الاموال وللاطلاع على الانماط التي تتم من خلالها .
ولكن التساؤل الذي يطرح نفسه هنا ، هل تكفي هذه التعليمات والمواد لمكافحة جريمة غسل الاموال التي تهدد الاقتصاد الاردني كما تهدد غيره من الاقتصاديات العالمية ؟
مع دخول الاردن الى مرحلة الانفتاح الاقتصادي والعولمة من خلال اتفاقيات التجارة الحرة وتأسيس المناطق الصناعية والتجارية الحرة فقد اصبحت الاعين تتجه اليه من قبل غاسلي الاموال الذين تغريهم قوانين تشجيع الاستثمار والتسهيلات التي تمنحها هذه القوانين وخاصة في مجال الاعفاءات الضريبية ، اضافة الى السرية المصرفية المشددة التي قد تجعل من الاردن جنة مالية بالنسبة لعصابات غسيل الاموال .
وعليه فان الحاجة تبرز اكثر من اجل تعديل القوانين وايجاد التشريعات الخاصة لمكافحة جرائم غسيل الاموال من حيث تجريم غسلي الاموال والمشترك والمساعد ومصادرة الاموال الناتجة عن عمليات الغسيل .
كما تبرز الحاجة الى تفعيل دور اجهزة الرقابة والجهات المعنية بمكافحة الجريمة والفساد المالي والاداري ووضع تشريعات الالزمة لهذه الاجهزة بحيث لا تصطدم بالتشريعات الاخرى ، كالسرية المصرفية والتي غالبا ما تعيق عمليات التحقيق وجمع المعلومات التي تقوم بها هذه الاجهزة .
بالاضافة الى ضرورة منح العاملين في هذه الاجهزة صفة الضابطة العدلية بحيث تمكنهم من القيام بدورهم كاجهزة رديفه للقضاء .

ثالثا : عدم وجود تشريع خاص بمكافحة غسيل الاموال وبالسرية المصرفية :
ان المشرع الاردني ولغاية الان لم يسن قانون خاص لمكافحة غسيل الاموال ولا قانون خاص بالسرية المصرفية اسوه بباقي التشريعات العربية ومثالها لبنان والذي اصدر قانون خاص بالسرية المصرفية في 1956 وقانون خاص بمكافحة غسيل الاموال في عام 2002 وكذلك مصر والذي اصدر قانون مكافحة غسيل الاموال رقم 80 لسنة 2002 وقانون السرية المصرفية رقم 205 لسنة 1990 المعدل بالقانون رقم 97 لسنة 1992 .
وعلى الرغم من ذلك ومن اجل سد النقص التشريعي في هذه الحالة ومن اجل ازالة التعارض بين السرية المصرفية ومكافحة غسيل الاموال ، فان على القاضي الاردني وفي حالة عرض نزاع عليه في هذه الحالة الالتجاء الى المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي انضمت اليها الاردن والتي تكافح غسيل الاموال وتوجب على المؤسسات المالية إهدار السرية المصرفية والادلاء بمعلومات عن الحسابات المشبوهة ، ومن امثلة هذه الاتفاقات اتفاقية فينا لعام 1988 والتي سبق الاشارة اليها .
والواجب المفروض على القاضي بالاخذ بما جاءت به المعاهدات ، اساسه ان النظام والقضاء الاردنيين اخذا بمبدا سمو المعاهدة على القانون الوطني .
فالقاضي الاردني ملزم بتطبيق المعاهدة الدولية سواء صدرت هذه المعاهدة بقانون ام لا وسواء اكانت تتعارض مع تشريع داخلي سابق ، او صدر تشريع لاحق يعارضها ، إنطلاقا من المبدا المستقر بأن المعاهدة تسمو على القانون الداخلي ، وهو الامر الذي اعتبرناه عرفا دستوريا مكملاً .
ويترتب على ذلك أن النصوص القانونية التي تتضمنها المعاهدة لا يلزم اصحاب الشأن باثباتها ، لان من واجب القاضي البحث عنها وتطبيقها من تلقاء نفسه بل يفترض علمه بها (1) 0

الخاتمة
يتضح من مجمل ما ورد في هذا البحث من دراسة لموضوع السرية المصرفية وللاتجاهات المختلفة والنظريات حولها ، انها تحمل الكثير من الايجابيات لدى تطبيقها بشكل صارم كما انها في الوقت نفسه لها من السلبيات ما يؤثر على المكاسب التي تعود من تطبيقها .
فبالنسبة لايجابيات السرية المصرفية انها تضفي حاجز من الكتمان علي الاموال في المصارف وهي بذلك تحمي الحرية الشخصية في ان ينأى الشخص بذمته المالية بعيدا عن معرفة الاخرين وهي بهذا تستقطب الرساميل الوطنية وتمنعها من مغادرة البلاد بحثا عن الامان الذي تنشده وفي الوقت ذاته تستقطب ايضا الرساميل الاجنبية التي تبحث عن مأوى وملجأ لها .
واجتذاب رؤوس الاموال واستقرارها في بلد ما يؤدي بالضرورة الى تنمية الاقتصاد الوطني ورفع مستوى الحياة والدليل على ذلك سويسرا .
ومن جهة اخرى فان السرية المصرفية تعتبر غطاءً لاخفاء الاموال الناجمة عن طرق غير مشروعة كالمخدرات والتهريب والجرائم وهو ما يعرف بغسيل الاموال الملوثة .
ولقد كان دأبي في هذه الدراسة ان اعرض لمختلف النظريات وان اعقد المقارنات وان اناقش وجهات نظر مختلفة للوصول الى نتائج منطقية ومقبولة حول التعارض فيما بين السرية المصرفية ، ومكافحة غسيل الأموال .
وبما اننا في الاردن بلد محدود الامكانيات ويفتقر الى الموارد الطبيعية لنمو اقتصاده واغنائه فأرى من الضرورة بمكان تطبيق نظام السرية المصرفية لدينا وتقديم الخدمات والتسهيلات المصرفية لجذب رؤوس الاموال الاجنبية مما يساعد علي انعاش اقتصادنا الوطني وازدهار التنمية الاجتماعية .
ولكن ذلك يجب ان يكون عبر التطبيق السليم لنظام السرية المصرفية للاخذ بمزاياه وتجنب سلبياته ومن ذلك التطبيق مكافحة ظاهرة غسيل الاموال الملوثة ، وذلك يكون عبر اصدار قوانين خاصة لمحاربة عمليات غسيل الاموال .
واخيرا فانه لتبني نظام السرية المصرفية في مصارفنا الوطنية نوصي مشرعنا باصدار قانون للسرية المصرفية يجنبنا سلبياته ويأخذ بالايجابيات 0

ومن خلال دراستي للقوانين المتعلقة بالسرية المصرفية في مختلف البلدان فاقترح التصور التالي كاساس لمشروع قانون للسرية المصرفية الاردني متلافيا فيه ثغرات ومستجمعا محاسن وردت في قوانين اخرى .

المادة الاولى :
تكون جميع حسابات العملاء وودائعهم واماناتهم وخزائنهم في البنوك وكذلك المعاملات المتعلقة بها سرية ولا يجوز الاطلاع عليها او اعطاء بيانات عنها بطريق مباشر او غير مباشر الا باذن كتابي من صاحب الحساب او الوديعة او الامانة او الخزينة او من احد ورثته او من وكيله القانوني المفوض في ذلك او بناء علي قرار قضائي او قرار محكمين .
ويسري الحظر المنصوص عليه في الفقرة السابقة على جميع الاشخاص والجهات عدا الجهات التي يخولها القانون سلطة الاطلاع او الحصول على اوراق او بيانات طبقا لاحكام القانون وتلتزم هذه الجهات بالسرية المطلقة باتجاه المعلومات التي حصلت عليها واستعمالها من اجل الغاية التي حصلت عليها فقط .

المادة الثانية :
يحق للمصارف ان تفتح لعملائها حسابات مرقمة بالنقد الاجنبي او ربط ودائع منها او قبول ودائع منهم بالنقد المذكور ولا يجوز ان يعرف اسماء اصحاب هذه الحسابات والودائع غير المسؤولين في البنك الذين يصدر بتعديدهم قرار من ادارته .

المادة الثالثة :
للنائب العام والمدعي العام ان يطلب من محكمة البداية الامر بالاطلاع او الحصول علي اية بيانات او معلومات تتعلق بالحسابات او الودائع او الامانات او الخزائن وذلك في أي من الحالتين الاتيتين :
أ - اذا اقتضي ذلك كشف الحقيقة في جناية او جنحة قامت الدلائل الجدية علي وقوعها .
ب - التقرير بما في الذمة بمناسبة حجز موقع لدي احد البنوك الخاضعة لاحكام هذا القانون .
وتفصل المحكمة في هذا الطلب خلال ثلاثة ايام من تقديمه بعد سماع اقوال الادعاء العام .

المادة الرابعة :
يضع البنك المركزي القواعد المنظمة لتبادل البنوك المعلومات معه والبيانات المقدمة منهم بما يكفل سريتها .

المادة الخامسة :
يحظر علي رؤساء واعضاء مجالس ادارة البنوك ومديرها او العاملين بها اعطاء اية معلومات او بيانات عن عملاء البنوك او حساباتهم او ودائعهم او الامانات والخزائن الخاصة بهم او معاملاتهم او تمكين الغير من الاطلاع عليه في غير الحالات المرخص بها في هذا القانون .
ويسري هذا الحظر علي كل من يطلع بحكم وظيفته او مهنته او عمله بطريق مباشر او غير مباشر علي البيانات والمعلومات المشار اليها .

المادة السادسة :
لا تخل احكام هذا القانون بما يأتي :
أ - الواجبات المنوط اداؤها قانونا بمراقبي الحسابات وبالاختصاصات الممنوحة للبنك المركزي
ب - التزام البنك باصدار شهادة باسباب رفض صرف شيك .
ج - حق البنك في الكشف عن كل او بعض البيانات الخاصة بمعاملات العميل اللازمة لاثبات
حقه في نزاع قضائي نشأ بينه وبين عميله في هذا الشان .
د - الكشف عن الجرائم وخصوصا جريمة غسيل الاموال .

المادة السابعة :
مع عدم الاخلال باية عقوبة اشد يعاقب كل من يخالف احكام المادة الاولى والخامسة من هذا القانون بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن الف دينار ولا تزيد عن الفي دينار .

الفقير إلى عفو الودود ناصر بن زيد بن داود

عدد التعليقات : 1 | عدد القراء : 2883 | تأريخ النشر : الثلاثاء 21 محرم 1429هـ الموافق 29 يناير 2008م

طباعة المقال

إرسال المقالة
غسيل الأموال وأثره على السرية المصرفية غسيل الأموال وأثره على السرية المصرفية الباحث أمجد حمدان الجهني عمان 2003 ((حق الملكية الفكرية لهذا البحث محفوظ للمؤلف)) المقـدمــة تعتبر السريه المصرفيه من القواعد الاساسيه في عمل البنوك ، التي تلتزم بموجب القوانين والاعراف بحفظ أسرار العملاء وعملياتهم المصرفيـة ، مالم يكن هناك نص في القانون أو في الاتفـاق يقضي بغير ذلك. (1) وينصرف السر المصرفي إلى كل أمر أو معلومات أو وقائع تتصل بعلم البنك عن عمليه بمناسبة نشاطه أو بسبب هذا النشاط ، ويستوي في ذلك أن يكون العميل قد أفضى بها بنفسه إلى البنك أو أن يكون قد اتصل علم البنك بها من الغير . ويعتقد البعض انه يلزم وجود شرط صريح في العقد مع العميل بإلزام البنك بكتمان السر ، بحيث لا تقوم مسؤولية البنك إذا تخلف هذا الشرط ، ومع ذلك يعتقد الاغلبية أن الالتزام بالمحافظة على السرية هو التزام ضمني يقع على البنوك في علاقتها بالعملاء لما تقتضيه طبيعة العلاقة المصرفية من ثقة متبادلة وحيطة وحذر، ومن ثم يوجد واجب ضمني على البنوك بعدم إفشـاء المعلومات عن العمـلاء بعمد أو باهمـال(2) . وإذا كانت السرية المصرفية مبدأ مستقرا في المعاملات المصرفية ، ولا يجوز إفشاء أسرار العميل إلا في الحالات المحددة بالقانون فهل يجوز إستبعاد مبدأ السرية المصرفية في حالات الاشتباه بغسيل الاموال ؟ وهل ترتفع المسؤوليـة عن البنوك في حالـة إبلاغهـا عن العمليـات المشبوهـة إلى السلطـات المختصـة . تختلف التشريعات الوطنية في الاجابة عن هذه التساؤلات . فهناك تشريعات ترفض الخروج على مبدأ السرية المصرفية حتى في حال غسيل الاموال ، وهناك تشريعات أخرى حديثة بدأت تحد من هذا المبدأ في حالة غسيل الاموال وذلك بهدف الحفاظ على الصالح العام (3) . ويلاحظ من خلال بعض القضايا في عدة دول أن غاسلي الاموال قد أستفادو من مبدأ السرية المصرفية كما في لوكسمبورغ ولبنان وجزر كايمان ، للقيام بعملياتهم المشبوهة . ولعل هذا ما دعا سويسرا حفاظا على سمعة بنوكها إلى التخفيف من مبدأ السرية المصرفية بشكل مطلق حيث راح هذا المبدأ ينحسر فيها أمام حالات غسيل الاموال في بعض الحالات . فقد بدأت سويسرا بتقديم تعاونها دوليا لتدعيم موقف الحكومات الاجنبيـة ومساعدتهـا في ملاحقـة بعض جرائم غسيل الاموال وبالـذات تلك التي تتخذ طابعـا سياسيا . لذا فأننا ومن خلال هذا البحث سوف نجيب عن هذه التسأؤلات السابقة و سنحاول التعرف إلى موقف المشرع الاردني والذي يتبنى مبدأ السرية المصرفية ، وفيما إذا كان يخرج من هذا المبدأ في حالة غسيل الاموال ، ام يتعارض مبدأ الاحذ بالسرية المصرفية في هذه الحالة من خلال خطة البحث التالية . خطة البحث فصل تمهيدي : ماهية غسيل الاموال ووسائله . المبحث الاول : ماهية غسيل الاموال . المبحث الثاني : الاساليب المستخدمة في عمليات غسيل الاموال . الفصل الاول : ماهية السر المصرفي والاعتبارات التي يقوم عليها . المبحث الاول : ماهية السر المصرفي. المبحث الثاني: الاعتبارات التي تقوم عليها السرية المصرفية الفصل الثاني : التزام المصرف بس المهنة . المبحث الاول : الاساس القانوني لالتزام المصرف بالسر المصرفي . المبحث الثاني : حالات الاعفاء من الالتزام بالسر المصرفي . الفصل الثالث : البنوك وغسيل الاموال . المبحث الاول : دور البنوك في عمليات غسيل الاموال والاشكالات التي تخلقها طبيعة العمل المصرفي . المبحث الثاني: مسؤولية البنوك عن القيام بعمليات غسيل الاموال . الفصل الرابع : إهدار السرية المصرفية في سبيل مكافحة غسيل الاموال . المبحث الاول : الاتفاقات والقرارات الدولية والاقليمية . المبحث الثاني : الوضع في التشريع الاردني . فصل تمهيدي ماهيه غسيل الاموال ووسائله المبحث الاول ماهية غسيل الاموال يعتبر تعبير غسيل الاموال من التعبيرات التي جرى تداولها مؤخرا في كافة المحافل الدوليه والاقليميه والمحليه المهتمه بالجرائم الاقتصاديه والامن الاجتماعي والاقتصادي ، باعتبار ان عمليات غسيل الاموال ترتبط الى حد كبير بانشطة غير مشروعه، تكون في العالم خارجه عن حدود سريان القوانين المناهضة للفساد المالي ، وثم تحاول العوده مره اخرى بصفه شرعيه معترف بها من قبل نفس القوانين التي كانت تجرمها. ان مصطلح غسيل الاموال او تبييض الاموال الملوثه هوتعبير واحد يقصد به اخفاء او تمويه المصادر الحقيقيه غير المشروعه للاموال المنقوله و غير المنقوله المتآتيةعن ارتكاب الجرائم المنظمه كتجارة المخدرات والمؤثرات العقلية وتهريب الاسلحه والاشخاص وتزوير النقود وتجارة الرقيق واختلاس المال العام ……الخ ، ومن ثم ادخال هذه الاموال ضمن نطاق الدوره الاقتصاديه الشرعيه ، وصولها الى تداولها بصوره طبيعيه ومشروعه.(1) وقد جاء تعريف اللجنه الاوروبيه لمكافحة غسيل الاموال الصادر عام 1990 واضحا وشاملا حيث عرفها بانها(عملية تحويل الاموال المتحصله من انشطه جرميه بهدف اخفاء او انكار المصدر غير الشرعي و المحظور لهذه الاموال او مساعدة أي شخص ارتكب جرما بتجنب المسؤوليه القانونيه على الاحتفاظ بمحصلات هذا الجرم ).(2) وقد عرفه المشرع المصري في قانون مكافحة غسيل الاموال رقم 80 لسنة 2002 بقوله ( كل سلوك ينطوي على اكتساب اموال او حيازتها او التصرف فيها او ادارتها او حفضها او استبدلها او ايدعها او ضمانها او استثمارها او نقلها او تحويلها او التلاعب في قيمتها اذا كانت متحصلـه من جريمه من الجرائم المنصوص عليها في المادة (2) من هذا القانون مع العلم بذلك متى كان القصد من هذا السلوك اخفاء المال او تمويه طبيعته او مصدرة او مكانه او صاحبه او صاحب الحق فيه او تغيير حقيقته او الحيلوله دون اكتشاف ذلك او عرقلة التوصل الى شخص من ارتكب الجريمه المتحصل منها المال ) . اما مصرف الامارات العربيه المتحده المركزي فعرفه بقوله : ( غسل الاموال يعني كل معامله مصرفيه هدفها اخفاء او تغيير هوية الاموال المتحصله بطرق غير قانونيه وذلك لكي تظهر على انها نابعه من مصادر شرعيه وهي غير ذلك ). (1) اما البنك المركزي الاردني فعرف غسيل الاموال بقوله : ( اخفاء المصدر الحقيقي للاموال غير المشروعه ألمتأتيه من عمل غير مشروع او اعطاء معلومات مغلوطه عن هذا المصدر باي وسيله كانت وتحويل الاموال او استبدالها لغرض اخفاء او تمويه مصدرها او تملك الاموال غير المشروعه او حيازتها او استخدامها او توظيفها باي وسيله من الوسائل لشراء اموال منقوله او غير منقولة او القيام بعمليات ماليه)21). ومن وجهة نظري ان تعريف القانون المصري لغسيل الاموال هو التعريف الشامل ، حيث اضاف حالات لم تنص عليها باقي القوانين ، وكذلك ذكر صراحة وجوب توافر العلم . المبحث الثاني الاساليب المستخدمه في عمليات غسيل الاموال تقسم الاساليب المستخدمه في غسيل الاموال الى اساليب تقليديه ومنها طريق تبادل العمله وشراء الاصول الماليه ، وهناك الاساليب الحديثه والتي منها استخدام البطاقه الذكيه ( smart card ) او النقود الالكترونيه( E.money). وسنقوم بالتفصيل لهذه الوسائل والاساليب من خلال المطالبين التاليين : المطلب الاول الاساليب التقليديه في غسيل الاموال ولا نعني بالتقليديه انها سبل جامده او غير قابله للتغير والتطوير بل هي الاساليب الشائعه والمألوفه، وهي قابله للتطوير تبعا للزمان والمكان الذي تستعمل فيه ، ومن هذه الاساليب التقليديه الشائعه : اولا: تهريب وتبادل العملات: اما عملية تهريب العمله فتتم من خلال ايداع هذه النقود في حساب جار في احد المصارف ، او المؤسسات المصرفيه التي تزاول مثل هذه الاعمال ليتم من بعد نقلها بحريه الى حيث لاتطالها يد العداله. وبعد اجراء هذه العمليه يصبح من الصعب التمييز، او الفصل بين الاموال المشروعه التي كانت مودعه في ذات الحساب مسبقا او جرى تحويلها اليه عبر المنظومات الماليه في العالم من خلال التحويلات البنكيه ، وبين الاموال القذره التي اضيفت الى هذا الحساب.(1) وعمليات التهريب هذه قد تتم بصوره اكثر ماديه من مجرد الايداع في البنوك ونقل الاموال القذرة عبر شبكة البنوك العالمية ، بل قد يتعدى هذا الاسلوب الى النقل المادي لهذه النقود من خلال وسائط النقل والشحن المختلفة كالبواخر او الطائرات . وفي ظل وجود شركات وطنيه تتعامل بالصرافة والنقد والاوراق التجارية المسحوبة على جهات خارج المملكة فانه يصبح من الضرورة بمكان احكام اوجه الرقابة على هذه الشركات حتى لا تكون هذه الوسيلة سهله على غاسلي الاموال وحتى لاتغدو جزء من الحلقه العالميه لتبييض الاموال.(2) ثانيا:- الجنات الماليه او الملاذات الضريبيه: ويطلق هذا الوصف مجازا على تلك الدول التي يمتاز نظامها الاقتصادي بسمات عديده اهمها: •عدم فرض الضرائب على اغلب اوجه الدخل فيها، او الوصول بنسب هذه الضريبه الى حدود متدنيه جدا. •وجود منظومه قانونيه فيها تكرس مبدا سرية البنوك. •انعدام سبل الرقابه على دخول او خروج العملات . •سهولة الاجراءات المتبعه في شراء او تاسيس الشركات والمصارف وشركات التامين. •استقرار البيئه السياسيه والنقديه. •توفر وسائل الاتصالات الحديثه . •سهولة الدخول الى هذه الدول وسهولة الحصول على تاشيرات للاقامه فيها. •تميز الموقع الجغرافي لهذه الدول كأن تقع على خطوط التبادل التجاري العالميه. ثالثا:- استخدام الشركات الوهميه : وهي شركات تؤسس فعليا ولكنها في واقع الامر لاتزاول اية نشاطات حقيقيه وتاسيسها ياتي كواجهه لاخفاء النشاطات الجرميه غير المشروعه ، وغسيل وتبييض الاموال، ويتم هذا من خلال استخدام ذمتها الماليه واسمها التجاري لغايات فتح الحسابات ، المصرفيه لدى البنوك واجراء التحويلات وتهريب الاموال القذره التي تودع في هذه الحسابات وتهرب من بعد ذلك الى الخارج . وتكمن الاهميه التي تضطلع بها الشركات الوهميه كحلقه من حلقات تبييض الاموال القذره في ان هذه الشركات يرخص بها بالعمل محليا وعالميا ، وبالتالي فهي تستخدم في تدوير الاموال القذره في العجله الاقتصاديه بحيث يضفي عليها ذلك صفة المشروعيه التي تكتسبها من خلال ايداعها باسماء الشركات الوهميه ، وتتآتى هذه المشروعيه من خلال النظم والقوانين المرعيه في البلد الذي تنشا فيه هذه الشركات لتعود الاموال القذره الى تجار المخدرات واصحاب الدخول غير المشروعه ، اموالا نظيفه ذات مصادر مشروعه وغير مشكوك بها. رابعا:- الصفقات الوهميه: تعد اعمال التزييف احد الانشطه المتواترة الاستعمال في عمليات غسيل وتبييض الاموال. فباستخدام الاسعار المضخمه يكون بمقدور غاسلي الاموال نقل الاموال القذره الى الخارج باختراق فواتير زائفه تتضمن اسعارا هي مضاعفات الارقام الفعليه التي تم دفعها ثمنا للبضائع، هذا اذا كان هناك بضائع تم شراؤها فعلا من حيث المبدأ. وتستخدم هذه الفواتير الزائفه في تغطية اموال المخدرات التي تم ضخها في الشركات الوهميه التي انف الحديث عنها اما باستعمال اموال المخدرات للوفاء باثمان الصفقات الوهميه او لتبرير الارباح الزائده المتاتيه من عمليات اعادة بين السلع الوهميه في احيان اخرى.(1) خامسا:- دور السمسره: يمكن استغلال دور السمسره لغسل الاموال القذره بسهوله ويسر. اذ انه من الممكن تحويل مقدار كبير من هذه الاموال الى سماسره متعاونين في احدى الدول ليشتري بها كميات كبيره من الاسهم والسندات الماليه باسمائهم او باسم أي شخص اخر او حتى باسم شركه وهميه ، واذا كانت هذه السندات غير اسميه فان هذا يزيد من سهولة العمليه فيكون تسجيل ملكية هذه السندات غير ضروري ، او يقوم هؤلاء السماسره بشراء العقارات في الدول التي تسمح للاجانب بذالك باسعار مبالغ فيها ولا تتناسب مع قيمة العقار المراد شراؤه او بيعه.(2) سادسا:- دور القمار والكازينوهات: تنتشر الكازينوهات ودور القمار في العديد من الدول ومنها الدول الناميه ودول الوطن العربي ، وتهدف الدول من تاسيس او السماح بتاسيس مثل هذه المحال الى تشجيع السياحه الوطنيه وجذب المستثمرين في هذا القطاع اليها. اما عن الكيفيه التي تسهم فيها هذه المحلات في عمليات غسل الاموال ، فتتمثل في ان يقوم غاسل الاموال في شراء كميه كبيره من فيش المقامره التي تستعمل بدل النقد السائل في هذه المحلات او ان يقوم بايداع مبلغ او فتح حساب له في هذا الكازينو، ومن ثم يمضي غاسل الاموال بعض الوقت في هذا الكازينو ويقامر بمبلغ زهيد من المال او قد لا يقامر على الاطلاق ، وبعد الانتهاء يعيد الفيش الى صندوق الكازينو او يغلق حسابه فيه ، ويطلب الى ادارته تسليم المبلغ الى شخص اخر يعمل معه في حقيقة الامر ، ويمتثل الصندوق لاوامره، ويودع هذه الاموال في حساب ذلك الشخص الذي يقوم بسحبها من الحساب . واذا ما تمت مساءلة هذا الاخير عن مصدر هذه الاموال ، فله بكل بساطه ان يدعي انه ربحها من القمار في ذلك الكازينو.1 سابعا:-شراء الاصول الماديه والوسائل النقديه: يقوم غاسلو الاموال في هذه الحاله باستعمال الاموال القذره في شراء الاصول الماديه العينيه كالسيارات والقوارب واليخوت والطائرات والعقارات والمعادن الثمينه والسلع الترفيهيه باهظة الثمن ، او ان يقومو بشراء الوسائل النقديه القابله للتداول كاوامر الدفع والشيكات المصرفيه والسياحيه واذونات الدفع البريديه والضمانات الائتمانيه وغيرها. وقد اتضح في احدى الحالات ومن خلال التحريات ان العاملين في في خدمة غسيل الاموال لصالح تجار الهيروين النيجريين ، يقومون بشراء اصول عينيه (سيارات) لتصديرها بقصد بيعها في السوق الافريقيه ويسترون من خلال هذا الاجراء تهريب اموال وحاصلات بيع المخدرات. المطلب الثاني الاساليب التكنولوجيه المتقدمه في غسيل الاموال ( غسيل الاموال الالكترونيcyber laundering ) مع تفجر ثورة الاتصالات في العالم واقترانها بظاهرة العولمه ، وتطور شبكات الاتصال العالمية( الانترنت) بشكل كبير ومتغير باستمرار، اصبحنا نرى ما هو جديد في عالم الانترنت والاتصالات يوميا ، وقد رافق هذه الطفرات مجموعه من التغيرات في الاطر الكلاسيكيه للتعامل التجاري ، كظهور الاموال الالكترونيه(E.mony) والبطاقات الذكيه(smartcard) ، اصبح من اليسير من خلالها تبادل القيم النقديه عبر الانترنت ، واصبح قطاع البنوك مثله كمثل أي قطاع تجاري له تعاملات داخليه وخارجيه يتداول اعماله من خلال وسائل التكنولوجيا الحديثه ، تاقلما مع الاوضاع العالميه المستحدثه ليستفيد من ميزة السرعه التي توفرها هذه التكنولوجيات.الا انه وبالمقابل فان عصابات الجريمه المنظمه ، وغاسلي الاموال يستفيدون بالمقابل من مزايا هذه التكنولوجيا ايضا فقد تغيرت وسائل واساليب غسيل الاموال او اصبحت تنآى تدريجيا عن الاساليب التقليديه التي قد تكون عرضه للاشتباه فيها وبالتالي كشفها، واصبحت هذه الشبكه الالكترونيه تشكل ملاذا امنا تلجأ اليه عصابات الجريمه المنظمه في العالم لاجراء عمليات غسيل الاموال. وظاهرة إستغلال تكنولوجيا الاتصال الحديثة في عمليات غسل الاموال اخذة بالانتشار على الصعيد الدولي وبصورة تدعو للقلق ولأهمية هذا الموضوع فأننا ننتقل الى دراسة الادوات التي يجري استغلالها لتحقيق الغاية المرجوة من عمليات غسيل الاموال بغية التعرف على هذه الادوات.(1) أولا :-أجهزة الصرف الآلي ((Automated Teller Machines تبين للسلطات الأمنية في أنحاء مختلفة من العالم تزايد استخدام هذه الأجهزة في عمليات إيداع أو سحب النقود القذرة من الحسابات المصرفية ، وذلك للتخلص من الإجراءات المصرفية التي تتضمن تعبئة نماذج خاصة بعمليات الإيداع والسحب وعدم لفت النظر اليها ، ويجري استعمال هذه الآلات في غسيل الأموال من خلال إجراء العديد من عمليات الإيداع والسحب للأموال القذرة في ذات اليوم ومن عدة أماكن مختلفة وبصورة تضمن عدم انكشاف أمرها أو لفت الانتباه إليها . ثانيا:-الخدمات المصرفية الإلكترونية (Online Banking services ) ظهرت في الحقبة الأخيرة وخصوصا بعد اندلاع ثورة تقنيات الاتصالات مجموعة من الخدمات التي تقدمها المصارف المحلية والدولية لزبائنها، وهي تستعين في توصيل هذه الخدمات بشبكة الإنترنت . وتهدف البنوك من استعمال هذه التقنيات الى خدمة زبائنها وتسهيل تنفيذ وإجراء العمليات المصرفية المختلفة كتحويل الاموال ودفع الالتزامات والفواتير والاستفسار عن الحساب وغيرها . وعلى الرغم من التطابق ما بين العمليات المصرفية الألكترونية والخدمات التي تجري في البنوك بالصورة التقليدية على حاجز البنك ، الا ان الاحصائيات تشير الى تزايد مضطرد في اعداد المستفيدين من الخدمات الالكترونية . وبالنظر الى الطبيعة المتحركة المنظومة الانترنت وأنظمة الاتصالات الحديثة فقد تقارب المسافة الفعلية بين غاسلي الاموال والمتعاملين معهم ، أو بين الجاني والضحية في جرائم الاحتيال المالي على مساحة قارة كاملة - في بعض الاحيان - مما يزيد من صعوبة تعقب وقوع هذه الجرائم ، ويعقد من عمليات التحري عنها او التحقيق فيها . كما ان من التحديات التي تواجه السلطات التي تتعقب هذه الجرائم عدم إمكانية تحديد الهوية الحقيقية للجاني، فالتعامل مع الحاسوب يجري ضمن معادلات ودلالات معينة يستطيع الحاسوب تفسيرها، ويمكن في بعض الاحيان التلاعب بإحداثيات هذه المعادلات بصورة تجعل الحاسوب يعتقد أن المتعامل معه هو المستفيد الحقيقي من الخدمة ، ويصبح من المستحيل بالتالي معرفة الشخص وراء التلاعب ، بالاضافة الى إمكانية إعدام أية آثار للتلاعب ، من شأن مراجعتها أن يؤدي الى الشك به او ملاحقته. ثالثا :- بنوك الانترنت (Internet Banks ): من ضمن مساهمات ظهور شبكة الانترنت نشوء التجارة الالكترونية والتي تتسم بالتعقيد. وهذه السمة تجعل من السهل - بواسطة خبراء في المجال - إجراء العديد من الصفقات المشبوهة وغير القانونية التي تنطوي على عمليات لغسيل الاموال . ولهذا السبب فقد أصبح من الضرورة تحديد هوية المتعاملين التجاريين من خلال الشبكة بواسطة بطاقات تعريف شخصية تتضمن أسم المتعامل وعنوان أقامته وهاتفه مثلا ، وهذا ينسحب على البنوك على الصعيد المحلي ، إلا أننا نصطدم بعوائق كثيرة اذا ما تعلق الامر ببنك او مصرف دولي موجود في دولة أخرى ولو كانت مجاورة ، حيث لا يمكن توفير آلية لضبط عملية التعرف على المتعاملين مع البنوك التي تتعامل عبر شبكة الانترنت العالمية.(1)¬ رابعا :- النقود الإلكترونية والتشفير (E.money ) والنقود الالكترونية إحدى اكثر انظمة النقد والصرف اغرا لغاسلي الاموال لاستحالة تعقبها وسريتها وسرعتها ، اذ يمكن تحويل أي مبلغ من خلالها في فترة وجيزة جدا من الزمن ودونما اعاقات او حواجز جغرافية او مصرفية او قضائية. وبخلاف البطاقات الذكية(smart card ) فالاموال الالكترونية يجري تمريرها بين أي طرفين على الشبكة وبصورة مباشرة ودون الحاجة الى وسيط مالي كالبنوك على سبيل المثال. وتتمتع النقود الالكترونية (E.money) بعدة مزايا تستفيد منها كافة الاطراف في جمهرة المتعاملين بها من مستهلكين او بنوك. اما بالنسبة للمستهلك فهي تمتاز بـ: •جري التعامل بها بسهولة وسرعة وفعالية عالية. •عدم الحاجة لحمل الأوراق النقدية . •تخضع للحماية المقررة للمستندات المالية الشخصية الالكترونية. •يمكن ابقاء العمليات التي تمت بها سرية ومجهولة. •ذات طبيعة تجعلها محمية من السرقة. اما مميزات النقود الالكترونية للبنوك والشركات المتعاملة بها فتتمثل بـ: •التنفيذ الفوري للعمليات المالية المختلفة. •خفض الكلفة الزائدة التي يفرزها التعامل بالنقد التقليدي. اما التشفير(coding) وهو عملية يمكن من خلالها حماية المعلومات المتعلقة بالبنوك والعملاء والعمليات المالية التي يقومون بها على الشبكة بجعلها مجهولة تماما من خلال مفاتيح التشفير المتوفرة على الحواسيب الشخصية ، وباجراء عمليات التشفير تصبح النقود الاكترونية بمثابة النقد الورقي التقليدي فهي ملك لحائزها ، ومتى تم سحب او ايداع هذه النقود عن طريق شبكة الانترنت فيسوغ لحائزها ان ينفقها في أي وجه يريد او ان يعطيها لاي كان ، كما يمكن من خلال ذلك اجراء عمليات غسيلها وبصورة لا تتيح الاشتباه بها او الكشف عنها ، اذ تتم هذه العمليات دونما اثر يتيح تعقبها وبسرعة ودقة عاليتين وتغطيها حركة رؤوس الاموال المضطردة والمستمرة على الشبكة . خامسا:-البطاقات الذكية(smart card ) وهي وسيلة من وسائل الدفع . وقد بدأ استعمالها في الاردن في باكورة عام 1995، وبخصوصها تقوم الجهة المصدرة بشحن البطاقة بمعطيات رقمية الكترونية تمثل قدرا معينا من النقود وتتيح لحاملها بالتالي استخدامها في الشراء الفوري للسلع بالنسبة للتجار الذين يقبلون الوفاء بها ، ويجري اقتطاع مبلغ كل عملية من عمليات الشراء بصورة الكترونية من رصيد الحامل المخزون على البطاقة الذكية وبواسطة الرقاقة الاكترونية(Electric chip ) المركبة على هذه البطاقة بالترافق مع اجهزة ونقاط نهاية البيع التي توفرها الجهة المصدرة للتجار الذين يقبلون الوفاء بهذه البطاقات . الفصل الاول ماهية السر المصرفي والاعتبارات التي يقوم عليها المبحث الاول : ماهية السر المصرفي البحث في ماهية السر المصرفي تقتضي ان تتصدى اولا لمفهوم السر المصرفي من خلال تعريفه والنظريات التي قيلت حول ذلك , ودراسة طبيعة هذا السر . اولا : مفهوم السر المصرفي . يعرف السر لغويا بانه ما يكتمه الانسان في نفسه , فهو كل خبر يقتصر العلم به على عدد محدود من الاشخاص , وهو كل معلومة مقرر لها ان تكون مكتومة او هو ما يفضي به الشخص لآخر مستامنا اياه على عدم افشاؤه , بل انه يشمل كل واقعة تقترن بها ادلة تدل على انه يجب ان تكون مكتومة او كان العرف يقضي بكتمانها .(1) وقد عرف السر المصرفي بانه :-( امر غير معروف وغير شائع بحيث يؤثر اطلاع الغير عليه تاثيرا يضر بمصلحة العميل ووضعه المالي كأفشاء رصيد حساب احد العملاء او الضمانات التي قدمها لقاء تسهيلات مصرفية) .(2) وقد نادى بعض الفقهاء بعدة نظريات لتحديد مفهوم السر المصرفي ومن هذه النظريات : (3) 1ـ نظرية الضرر : ومفاد هذه النظريه ان افشاء السر المصرفي لايعتبر اخلالا بالالتزام الواجب قانونا الا اذا كانت الواقعة المفشاة ذات طبيعة ضارة او نتج عن الافشاء ضررا اصاب العميل . ويرى انصار هذه النظرية ان جريمة افشاء السر المصرفي هي نوع من انواع القذف والسبب، ذلك ان كلا من هذه الجرائم يسبب ضررا او اذى للمجني عليه في سمعته وشعوره . ولكن هذه النظرية تعرضت لانتقادات عديدة اهمها ان جريمة افشاء السر المصرفي لا يمكن ان نقرنها بجرائم السبب والقذف لأن عناصرهما مختلفة والغاية من التجريم فيهما مختلفة ايضا ، فبينما الغاية من التجريم في جرائم القذف هي حماية سمعة وشرف المواطنين مجد ان الغاية من تجريم افشاء السر هي لحماية الثقة المفترضة والواجبة في ممارسة بعض المهن ، كالمهنة المصرفية ومافيها من مساس بالصالح العام . 2ـ نظرية التفرقة بين الوقائع السرية والوقائع المعروفة : يرى انصار هذه النظرية ان افشاء السر المصرفي لا يقع الا على وقائع سرية او معلومات مكتومة ويتمثل افشاؤها في نقلها من طي الكتمان الى علم الغير , فلا يعتبر افشاء للسر القول بواقعة معروفة للناس ، أي ان تكون معروفة بطبيعتها . اخذ على هذه النظرية ان معرفة الواقعة من قبل لا تكفي لجعل الافشاء مشروعا لان فعل الافشاء يؤكد اخبارا كانت تتردد حول هذه الواقعة قد تكون مجرد اشاعات , وهذا ما نراه في تعريف الافشاء انه :- من شان افشاء هذه الواقعة ان يعطي الغير اطمئنانا او تاكدا لم يكن لديه من قبل (1) 3ـ نظرية ارادة المودع في بقاء الامر سرا : مضمون هذه النظرية كما قال بها انصارها انها لاتعتبر الامر او الواقعة سرا الا اذا عهد بها صاحبها الى الامين على انه سرا , أي ان تتجه ارادة صاحب السر على ان الواقعة التي افضى بها هي السر لا يجوز افشاؤه . ولم تلاقي هذه النظرية قبولا لدى العديد من الفقهاء(2) لأنها لا تحقق الغاية او الغرض من تحريم افشـــاء السر , ذلك ان بعض الوقائع تعتبر سرا بطبيعتها او بحكم القانون ولا دخل لأرادة المودع بذلك ، لذا فلا مبرر للقول بجواز افشاؤها لعدم اتجاه ارادة المودع ببقاءها سرا . وكما ذهب بعض الفقهاء الى انه (3) ليس من الضروري ان يودع الشخص سره بنفسه لدى الامين بل قد يحصل عليه هذا الاخير بطريق او باخر ويلتزم رغم ذلك بعدم افشاؤه , كحالة حصول البنك على المعلومات بطريق الاستعلام عن العميل . ونخلص مما تقدم ذكره من تعريفات السر المصرفي والنظريات التي قيلت حول ذلك ان السر الذي يعلم به المصرفي عن عميله لا يجوز افشاءه لانه يلتزم بكتمانه بحسب واجبه المهني . ثانيا : طبيعة السر المصرفي . لا تعتبر جميع الوقائع التي تصل الى علم البنك بالنسبة لعميله سرا يتعين كتمانه , بل لابد ان تكون مرتبطة بعلاقات الاعمال بين البنك وعميله .وان تصل هذه المعلومات الى البنك بمناسبة مباشرة نشاطه وان تتجه ارادة العميل الى اعتبار هذه الوقائع سرا او ان تقضي طبيعتها بذلك . فليست جميع المعلومات التي يحصل عليها البنك تدخل ضمن النطاق السر المصرفي بل يجب ان تكون هناك حدودا وفواصل بين ما يعتبر سرا وما لا يعتبر كذلك . وبسبب عدم تحديد نصوص القوانين لهذه الوقائع فقد حاول (1)بعض الفقهاء تحديدها على سبيل الحصر , وبالرغم من ان هذا الاسلوب يتسم بالتحديد والوضوح الا انه لا يمكن حصر جميع الوقائع التي يمكن ان تعتبر سرا والتي قد تحدث في المستقبل او تستجد ، ولذا فان هذه الطريقة لم تكن مجدية لذا فقد قيل بوضع ضوابط او معايير لتحديد الواقعة التي تعتبر سرا لا يجوز افشاؤه من تلك التي لا تعتبر كذلك ، وقد تم تحديد ضابطين وهما : 1- ضابط مادي ويتعلق هذا الضابط بالوقائع والمعلومات ذاتها , اذ يجب ان تنبع من نطاق روابط الاعمال بين البنك والعميل ، وان ترتبط ارتباطا وثيقا بمباشرة البنك لنشاطه . فالمعلومات والبيانات السرية هي التي تنجم عن علاقات العمل ما بين البنك والعميل ، والتي يحصل عليها البنك بحكم هذا التعامل او الاستعلامات التي قام بها البنك لمعرفة الوضع المالي الحقيقي لعميله او مسموعاته الادبية او التجاريه . لذالك وحسب الضابط فان أي تفاصيل او معلومات يتحصل عليها البنك بمناسبه مباشرة اعماله او بسبب تعامله المباشر مع العميل ، فانها تعتبر اسرارا مهنيه ولا يجوز افشائها. وقد واخذ (2) الفقه الفرنسي بهذا المعيار وذهب الى ان البنك لايعتبر ملزما بكتمان السر الذي لا صله له بمهنته أي الذي وصل لعمله خارج نطاق اعماله، فلا يعتبر افشاء للسر القول بمعلومات تعتبر من الامور المعروفه والشائعه لدى الجميع او التي علم بها موظف البنك لصلة قرابه بالعميل وفي غير نطاق عمله . 2-ضابط شخصي: يعتمد هذا الضابط على الجانب الشخصي فيجب ان يكون السر منسوبا لشخص معين مما يستلزم ان تنسب الوقائع لعميل بعينه، ويتعين لتحديد الوقائع التي تعتبر سرا البحث عنها في ارادة العميل ، فهي التي تتجه الى كتمان بعض الوقائع والمعلومات الناشئه عن علاقته بالبنك، ويفترض قيام هذه الارادة حتى قبل ابرام أي اتفاق خاص ، باعتبار ان الكتمان مفترض على اعمال البنوك. ويترتب على الاخذ بهذا الضابط ان العميل هو سيد سره ، وهو وحده صاحب الحق في التصرف فيه وتعتبر الواقعه سرا يكلف البنك بكتمانها حتى لو كان كتمانها لايتضمن فائده للعميل (3) فالخلاصه اذن ، ان المعلومات التي تشملها السريه المصرفيه هي التي تتصل بعلم البنك بسبب مباشرته مهنته واثناء التعامل مع عميله والتي تنصرف ارادة العميل الصريحه او الضمنيه باعتبارها سرا مصرفيا او التي تقضي طبيعتها بكتمانها. المبحث الثاني الاعتبارات التي تقوم عليها السريه المصرفيه ان الاساس القانوني للكتمان المصرفي هو التزام المصرف بالمحافظة على اسرار عملائه المعهودة اليه وعدم افشائها، لان ذلك يعرضه للجزاءات المدنيه والجزائية. ويختلف نطاق الالتزام بالسر المصرفي تبعا لاختلاف السياسة التشريعية للدولة ، وغالبا ما تستند هذه السياسة الى حماية الحرية الشخصية للفرد وحماية مصلحة المجتمع ،ذلك ان افشاء السر المصرفي يضر بمصلحة الشخص نفسه ، فضلا انه يمس الجماعة ككل ، لذلك يتدخل المشرع بإسباغ الحماية الجنائية عليه (1) 0 بالاضافه لما تقدم نجد في المحافظة على الأسرار المالية حماية للمجتمع والمصلحة العامة ذلك لان إفشاء السر يخل بالثقه العامه الواجب توافرها في ممارسة المهنة المصرفية، كما يمس بالوقت ذاته مصلحة المصرف نفسه ذلك بأنه يؤثر بثقة العملاء فيه ، ومدى قدرته على حفظ أسرارهم ، وبالتالي مدى إمكانية التعامل معه 0(2) وعلى ذلك (3) كانت الاعتبارات التي يقوم عليها السر المصرفي هي اعتبارت تتعلق بالحرية الشخصيه واحترام الحياه الخاصه للفرد، كما انها اعتبارات تتعلق بكتمان انشطة المصرف الخاصه بالعملاء حتى ينشا جو من الثقه فيما بين المصرف وعملائه، اضف الى ذلك الاعتبارت الخاصة بالمصلحة العامة . اولا: حماية الحريه الشخصيه. تنص المادة السابعة من الدستور الاردني لسنة1952م" ان الحرية الشخصية مصونة " حيث ان الدستور قد كفل الحرية الشخصية وما يتبعها من احترام الحياة الخاصة للمواطن وصون كرامته وادميته، فالانسان بحكم طبيعته له اسراره الشخصية ومشاعره الذاتية وصلاته الخاصة ،ولا يمكنة ان يتمتع بهذه الملامح الا في اطار مغلق يحفظها ويهيء لها سبيل البقاء. وتقتضي حرمة الحياة الخاصه ان يكون للانسان الحق في اضفاء السرية على مظاهرها واثارها، ومن هنا كان الحق في السرية وها مقابلا للحق في الحياة الخاصة لاينفصل عنه في أي حال من الاحوال. لذا فان الكتمان المصرفي مظهر من مظاهر حماية الحرية الشخصية للافراد بمناسبة نشاطهم الاقتصادي ، وهي حمايـــة تقوم على اسس قانونية وتمليها اعتبارات سياسية واقتصادية واجتماعية ،ذلك ان للفرد مطلق الحريه – في حدود القانون- ان يمارس نشاطــه الاقتصادي0 المشروع وان يحتفظ لنفسه بذمته المالية وتفصيلاتها دون ان يتعرض له احد الا وفق احكام القانون. ثانيا:حماية مصلحة المصرف في كتمان اعماله . ان ازدهار أي مصرف ونمائه يتوقف على ازدياد عدد المتعاملين معه وحركة تعاملاتهم،ذلك ان أي مهنه خدميه كقطاع المصارف تتوقف بالدرجه الاولى على زبائنها وتعتمد اعتمادا كليا عليهم، لذلك كان من مصلحة المصرف ان تبقى اعماله مكتومة لارتباط ذلك بمصلحة العملاء الذين يأمنوه على اسرارهم المالية والذي يتوجب عليه ان يحافظ عليها، ليس من منطلق الحماية القانونية للسر المصرفي فحسب ، بل من منطلق الحرص على مصلحته في تدعيم الثقة فيه وعدم نفور العملاء من التعامل معه ، وبالتالي خسارة المصرف على الصعيد المالي والتجاري ومنها تعويض الأضرار التي لحقت بالعملاء من جراء إفشاء الأسرار. أضف إلى ذلك (1)أن ممارسة أي مهنة تقوم على جانبين:جانب مادي هو الأفعال التي يقوم بها صاحب المهنة وجانب معنوي هو أخلاقيات المهنة، والتي يقصد بها مجموعة الواجبات الأدبية والانسانيه التي تمليها المهنة على المشتغلين بها. وبعض هذه الواجبات الأدبية تصبح من سلوكيات واداب المهنة الثابته ، وبعضها ما يكتسب حماية القانون ويضفي عليها إلزام قانوني ومنها عدم إفشاء السر المصرفي، لان المصرف يعتبر مؤتمنا على أساس الثقة المفترضه فيه ومن ثم يتعين عليه ان لا يخون هذه الثقه. ثالثا:المصلحه العامه. تعرف المصلحه العامه "بانها ليس فقط مايتعلق بأمن الدوله ولكن كل ما يمكن أن يضر بالسياسة الخارجية وطوائف الدولة والتحقيقات الحكومية والسياسة التجاريه وبحقوق وامتيازات البرلمان ، والمشرع ، وكل ما يمكن ان يضر بالاتفاق بين طوائف المجتمع المختلفة والمصلحة العامة تمثل الاتجاهات العليا سواء الاقتصادية او السياسية او الاجتماعية وما تسعى الجماعة لتحقيقه من اهداف ، وفي الواقع انة يصعب اعطاء تعريف دقيق وواضح للمصلحة العامة ، ذلك انها فكرة تختلف باختلاف الزمن وتتغير بتغير الظروف . وتعتبر المصلحة العامة من اهم الاعتبارات التي تكمن خلف التزام المصارف بسر المهنة ، ذلك ان الفرد هو جزء من الجماعة أي انه جزء من كل ، وبمراعاة مصلحة الجماعة تتحقق مصلحة الفرد ، فكتمان الاسرار المصرفية يؤثر ايجابيا على الاقتصاد الوطني بما يوفره من ثقة للائتمان العام باعتباره (1)مصلحة عليا للدولة . ذلك ان دعم الثقه في الائتمان الوطني وبالتالي في المصارف الوطنية يؤدي لازدياد التعامل معها وايداع الاموال بما فيها جذب رؤوس الاموال الاجنبية والعاملة واستقرارها في البلد الامر ، الذي يدعم الثقة والائتمان المصرفي ، ذلك ان جذب رؤوس الاموال تلعب دورا كبيرا في دعم عجلة الاقتصاد الوطني وازدهار النشاط الاقتصادي و الرخاء الاجتماعي ، مما يعود بالنفع والفائدة على المجتمع ككل . الفصل الثاني التزام المصارف بسر المهنه لقد نظمت بعض التشريعات الحديثه (1) السريه المصرفيه ووضعتها في مصاف الأسرار المهنيه المتعارف عليها ، فإذا كانت هذه الأسرار تهدف إلى حماية الإنسان وخصوصياته ، فان السريه المصرفيه تهدف بالاضافه لذلك تسهيل ممارسة المهنه المصرفيه، فالسريه تدعم ثقة الجمهور بالمصارف وتعطي ضمانات جديه للتكتم ولعدم كشف الأسرار تحت طائلة المسؤوليه ، مما يؤدي بالتالي إلى تأمين المصلحه الاقتصادية للمجتمع. وقد أجمعت (2)التشريعات والاجتهادات القضائيه والأعراف في سائر البلدان ، على ان البنك ملزم بحفظ السر الذي وصل الى علمه والوقائع والمعلومات التي ترتبط بالنشاط الاقتصادي لعميله ، كما الزمت القوانين الاشخاص من خارج البنك والذين يطلعون على اسراره بحكم مهنهم الحفاظ على هذه الاسرار كالقضاه ومدققي الحسابات ومفتشي الضرائب وموظفي البنك المركزي. المبحث الاول الاساس القانوني للالتزام بالسر المصرفي ان الالتزام بالسر المصرفي كان في البداية واجبا اخلاقيا تدعو اليه مكارم الاخلاق والتزام طبيعي، ثم املته بعد ذلك الاعراف والتقاليد المصرفيه المستقره بالتعامل ، واستقر بعد ذلك التزاما قانونيا. الا ان الفقه اختلف في اساس الالتزام بالسر المصرفي ، فمنه من يرى ان اساس الالتزام هو العقد المبرم بين المصرف والعميل، وجانب اخر يرى ان بان اساسه هو فكره النظام العام. المطلب الاول العقد كمصدر للالتزام بالسر المصرفي عرف القانون (3)المدني الأردني العقد بأنه" ارتباط الإيجاب الصادر من أحد المتعاقدين بقبول الآخر وتوافقهما على وجه يثبت أثره في المعقود عليه ويترتب عليه التزام كل منهما بما وجب عليه للآخر" وقد عرفه الفقه (1)على انه توافق ارادتين على انشاء الالتزام او نقله ، اذا فالعقد هو اتفاق بين شخصين او توافق ارادتين وينشئ التزاما متبادلا على كل طرف من اطرافه. والعقد في الشريعه الاسلاميه(2) هو ربط كلامين او مايقوم مقامهما ينشا على اثره الشرعي. وللعقود عدة تقسيمات فهناك العقود الرضائيه التي تتم بمجرد توافق الارادتين ، وهناك العقود الشكليه التي يجب ان تخضع لشكل معين محدد بالقانون اضافه لتوافق الارادتين فيها،وهناك ايضا العقود الملزمه لجانب واحد والملزمه للجانبين. وسنحاول تطبيق القواعد العامه في العقود على نظرية العقد كاساس للالتزام بالسر المصرفي ، ذلك ان معظم عمليات المصارف ان لم تكن جميعها تتم عن طريق ابرام العقود المصرفيه باختلاف انواعها ، وتنعقد هذه العقود برضاء كلا من الطرفين البنك والعميل. ويتمثل رضاء البنك بالايجاب المقدم منه بشكل نماذج معده لهذا الغرض كنماذج عقد فتح الحساب او عقد الاقتراض او خصم الكمبيالات او فتح الاعتمادات الى غير ذلك من انواع العمليات المصرفيه، ويتم قبول العميل بمجرد الموافقه على النموذج المقرر من البنك والتوقيع عليه. لذلك فان اساس الالتزام بالسر المصرفي يكمن في اتفاق العميل المودع للسر مع المصرف المودع لديه هذا السر عن طريق العقد المبرم بينهما ، ذلك ان المصرف ليس ملزما بتلقي الاسرار ، ولكنه اذا تلقاها باختياره فان واجب عليه التكتم عليها. فالعقد (3)يعتبر المصدر الرئيسي لالتزام البنك بحفظ الاسرار المعهوده اليه، اذ غالبا ما يعهد العميل بسره الى البنك بمناسبة اتفاق بينهما بشان عمليه مصرفيه ، وتتجه اردة العميل الى كتمان المعلومات التي تتعلق بتلك العمليه ، فيتولى تحديد موضوع السر ونطاقه. ولايشترط ان تتجه ارادة العميل صراحه الى ذلك فهي اراده مفترضه كما تفترض السريه في اعمال البنوك، ويتعين عند تفسير العقد وتحديد الوقائع والمعلومات محل الكتمان البحث عنها في ارادة العميل . ولكن اذا ما استندنا للعقد كاساس للالتزام بالسر المصرفي ، كان علينا ان نحدد طبيعة هذا العقد، أي نوع من العقود هو، وان نتعرض لعقود العمليات المصرفية ، وعلى اية حال ايا كان الاساس للالتزام بالسر المصرفي ممثلا باي نوع من انواع العقود ، فانها لاتنعقد الا تحت شرط صريح او ضمني ، وهو اذلا يفشي البنك اسرار عميله ، وان يتكتم على المعلومات المعطاة اليه من قبله. وقد قيل بعدة نظريات لتحديد نوع عقد الالتزام بالسر المصرفي ومن اهمها: اولا: نظرية عقد الوديعة. وفحوى هذه النظريه ان العقد الذي بين المصرف والعميل هو عقد وديعة ، والوديعة (1)بشكل عام هي " عقد يلتزم بموجبه شخص باستلامها والمحافظه عليها على ان يردها عينا " . وعرفه القانون المدني الاردني بانه عقد يخول به المالك غيره حفظ ماله ويلتزم الاخر بحفظ هذا المال ورده عينا. وعقد الوديعه (2)هو عقد رضائي يتم بين العميل والبنك ولا يستلزم لابرامه شكل معين ويتم بمجرد توقيع أي عقد لاية عملية مصرفية ، ويستنتج ان اساس الالتزام بالسر المصرفي ناشيء عن عقد وديعه نص المادة 355 من قانون العقوبات الاردني بقولها "3- كان بحكم مهنته على علم بسر وافشاه دون سبب مشروع". أي ان السر المصرفي مودع لدى الامين البنك بحكم وظيفته او مهنته ويقابلها المادة875 من القانون المدني الاردني والتي نصت على انه الايجوز للمودع لديه ان يستعمل الوديعة او يرتب عليها حقا للغير بغير اذن المودع، مما يدل على ان عقد الالتزام بالسر المصرفي هو عقد وديعة . ومن جهة اخرى فان افشاء السر المصرفي والاخلال بالوديعة يترتب على كل منهما جزاء جنائي نص عليه في كل من المادتين 355 من قانون العقوبات بالنسبه للسر المصرفي والمادة 422 من قانون العقوبات بالنسبة للوديعة . وقد لقيت نظرية عقد الوديعة انتقادات شديدة من جانب بعض الفقهاء (3)وذلك لعدة اسباب منها: 1. ان عقد الوديعة عقد تبرعي بلا مقابل ومحله اشياء منقولة ، وهذا لاينطبق على السر اذ ان محل العقد بين العميل والمصرف هو شيء معنوي وليس مادي. 2. ان الاشياء التي تكون محلا لعقد الوديعة يمكن استردادها لانها ترد على شيء منقول وملموس وذلك خلافا للسر الذي لايمكن استرداده ممن اؤتمن عليه او مطالبته برده . 3. ان طبيعة السر تختلف عن طبيعة الاشياء . 4. أن عقد الوديعة في القانون المدني الادني من العقود العينيه التي لاتتم الا بالقبض وهذا لاينطبق على السر المصرفي لان المصرف لايقبض شيئا عندما يعلم بالسر من عميله . ثانيا : نظرية عقد الوكالة . تقول هذه النظرية بإمكان تقريب الالتزام بالسر من عقد الوكالة، ففي عقد الوكالة يكون الوكيل ملزما بالتصرف لصالح الموكل ، وبذلك ينشا الالتزام بالسر المهني مباشرة او بطريق غير مباشر ، من الواجب المفروض على الوكيل بان لايتصرف بما يضر بمصالح موكله (4). ومن الانتقادات الموجهة لهذه النظرية(1) ان عقد الوكاله لايمكن ان يفسر العلاقة بين البنك والعميل، وايضا ان عقد الوكالة ينتهي او ينقضي بتمام العمل الذي كلف به الوكيل ، وهذا غير وارد في السر المصرفي اذ على البنك الالتزام بحفظ السر حتى لو انتهى تعامل العميل مع البنك . ثالثا : نظرية عقد ايجار خدمه . ذهبت هذه النظرية الى انه عندما يقبل البنك التعامل مع عميل ما ، فانه يبذل مافي وسعه في تنفيذ التزاماته بخدمة هذا العميل ، وان يحفظ كل ما عهد اليه هذا العميل من اسرار او ما يعرفه من جراء التعاملات القائمة ، فالعقد الذي يربطهما هو عقد ايجار خدمة. وقد انتقدت هذه النظرية ايضا لقصورها ، ذلك ان التعامل بين البنك والعميل ليس مجرد عقد اسداء خدمة ينتهي بانتهائها ، بل يبقى الالتزام بالسر حتى لو انتهى التعامل بينهما. رابعا : نظرية العقد غير المسمى . واخيرا ونظرا لقصور النظريات السابقة في تبرير الالتزام بالسر المصرفي ، فقد قيل بان طبيعة هذا العقد هو عقد غير مسمى ، أي ان الالتزام بالسر المصرفي قائم على عقد تم بالرضاء بين البنك والعميل ، الا انه عقد غير مسمى. وكسابقاتها وجهت لهذه النظرية عدة انتقادات منها انعدام الرضا من جانب المصرف في ابرام العقد في بعض الحالات ، كالحوالات التي ترد إليه من الخارج. ومن النتائج (2)التي تترتب على الاخذ بالنظرية العقدية كاساس للالتزام بالسر المصرفي هي ان الالتزام بالسر المصرفي يعد التزاما نسبيا ولا يعد التزاما مطلقا بالكتمان ، وان رضا صاحب السر بالافشاء يعد سببا لاباحة الافشاء فيستطيع ان يعفي المصرف منه او ان يسقطه عنه وله الحق في اعطائه الحرية الكاملة في افشائه . ان النظرية العقديه لم تسلم من الانتقادات التي وجهت اليها فقد انتقد بعض الفقهاء(3) لانها تقوم على افتراض عقد ضمني بين المصرف والعميل مما لايتفق مع الواقع. الا انني ارى ومع كل ما تقدم انه يجب الاخذ بنظرية العقد كاساس للالتزام بالسر المصرفي ذلك انها تصلح لتفسير اساس الالتزام ، ذلك لان كل العمليات المصرفية التي يقوم بها العميل مع المصرف تستند اساسا الى عقد يبرم بينه وبين المصرف ، سواء اكانت العملية فتح حساب او وديعة او قرض ، وتتجه ارادة العميل الى كتمان المعلومات التي تتصل بهذه العمليات ، او ان ارادة العميل مفترضه في ذلك . اما عن طبيعة العقد او نوعه فلا حاجة للقول بنظريات لتحديدها ذلك ان كل عملية مصرفية تتسم بعقدها الذي تتم به، فهناك عقد الوديعة النقدية وهي ذلك النموذج الذي يوقع عليه العميل عند فتح الحساب والذي يتضمن شروط التعامل والقواعد التي تحكم وديعته ، فهو عقد قائم بذاته يرتب كافة الالتزامات العقدية على طرفي العقد. وهناك عقد فتح الاعتماد وعقد الافتراض ، فكل هذه انواع من العقود ترتب كافة الالتزامات القانونية على طرفي العقد وتحكمهما القواعد العامة ، ومنها مسؤولية البنك عن افشاء السر المصرفي ، تبعا لاخلاله بالتزاماته التعاقديه. المطلب الثاني نظرية النظام العام كاساس للالتزام بالسر المصرفي ان النظام العام فكرة قوامها المصلحة العامة وقد اختلفت اراء الفقهاء (1)كثيرا في تعريف النظام العام وتحديد نطاقه ، الا ان جميعها تدور حول المصلحة العليا للمجتمع سواء اكانت هذه المصلحة سياسية او اجتماعية او اقتصادية او ادبية. فيعتبر من النظام العام الحريات ، كالحرية الشخصية وحرية الاقامة وحرية التنقل وغيرها، وايضا يعتبر من النطام العام حقوق وواجبات العمال وقوانين التسعير الاجباري وغيرها. وذهب العديد من الشراح الى ان الاساس القانوني للسر المصرفي يقوم على المصلحة الاجتماعية التي دعت المشرع الى التدخل لفرض احترام السر المصرفي وتحريم افشائه ، ورتب على ذلك نتائج معينة تنم عن الصفة المطلقة للسر. فاساس الالتزام بالسر المصرفي هو النظام العام وليس نتيجة عقد صريح او ضمني بين العميل والمصرف ، أي ان واجب البنك بكتمان السر اساسه المصلحة العامة والتي تتمثل في عدة اعتبارات اهمها: 1. المصلحة العامة تقتضي ان يجد العميل مصرفا امينا يستطيع التعامل معه دون خوف على اسراره المالية، وذلك لما لمهنة المصارف من دور ضروري في المجتمع في الوقت الحاضر، وهو دور ليس بالامكان الاستغناء عنه، فاذا خشي الافراد من التوجه الى المصارف للتعامل معها خوفا على اسرارهم فهذا يلحق بالمجتمع اضرارا بصورة غير مباشرة ، فالمصلحة الاجتماعية تتحقق عندما يزدهر النشاط الاقتصادي والعمليات التجارية والتي بدون البنوك في الوقت الحاضر لامجال لاتمام أي منها. 2. حرص المشرع على خلق جو من الثقه المتبادلة بين المصرف والعميل وهذه الثقة لن تتحقق الا اذا كان للفرد ضمان مهني وقانوني في ان لا يفشي البنك هذه الاسرار ، ووسيلة ذلك اضفاء الصفة المطلقة على السر المصرفي بجعله يتعلق بالنظام العام. ووفقا لهذه النظرية فان السر المصرفي مقرر اصلا لحماية الائتمان باعتباره مصلحة اقتصادية عليا للدولة وهذه المصالح اولى واجدر بالحماية من غيرها. ويترتب على الاخذ بنظرية النظام العام عدة نتائج اهمها: 1. ان الالتزام بالسر المصرفي واجب مطلق ومستمر والتزام عام على البنوك لتعلقه بالنظام العام. 2. ان الحق في كتمان السر المصرفي مقرر لصالح الجماعة وللمصلحة العامة ولذلك فان العميل لايملك أن يصرح للبنك بافشاء السر, في حالة التعارض بين الالتزام بالكتمان واي احكام اخرى تقضي بالافشاء يجب ان يلتزم المصرف الكتمان لان حماية المصالح العامة اولى من المصالح الشخصية. 4. لايستطيع المصرف حتى ولو في معرض الدفاع عن نفسه ان يكشف عن اسرار العملاء حتى لو ترتب على ذلك قيام مسؤوليته ، ويعد فعل الافشاء مجرما حتى لو من اجل التخلص من المسؤولية. ان نظرية النظام العام وان كانت مقنعة الى حد ما وذلك في تاكيدها المستمر على احترام السر المصرفي الا انها لاقت بعض النقد الذي يمكن اجماله فيما يلي(1): 1. ان هذه النظرية والقائلين بها لم يحددوا ما المقصود بالنظام العام بالنسبه للسر المصرفي، وقد سبق ان بينا ان مفهوم النظام العام موضوع شائك ويختلف حسب المفاهيم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والاخلاقية السائده في مجتمع ما ، ومن مجتمع لاخر ومن زمن لاخر، الا ان المفهوم العام له هو المصلحة العامة ، وبشكل عام تضييق دائرة النظام العام في المجتمعات التي تتبنى النزعة الفردية ، وتتسع في الدول الاشتراكية التي تتدخل الدولة في مناحي الحياة فيها بشكل كبير. 2. ان تاسيس الالتزام بالسر المصرفي على النظام العام يعطي الاولوية للحق في الصمت في أي حال من الاحوال، مما يعطي المصرف فرصة للاحتجاج بذلك للافلات من اية دعوى تقام ضده لخطاء مهني ارتكبه هو ودفاعا عن مصالحه الخاصة لامصلحة العميل ، وبذا تكون هذه النظرية قد بعدت عن هدفها الاساسي وهو حماية مصلحة المجتمع. 3. ان هذه النظرية وما فيها من سرية مطلقة تحول في بعض الاحيان دون الكشف عن حقائق تؤدي الى تحقيق العدالة في المجتمع كما في حالة الكسب غير المشروع، فمصلحة المجتمع هنا كشف الفساد وليس التستر بالسر المصرفي لاخفاء الجريمة، فدرء المفاسد اولى من جلب المنافع. 4. ان التمسك بالنظام العام كاساس للالتزام بالسر المصرفي يحرم العميل من حقه في اعفاء المصرف من الالتزام بالسر لان ذلك يؤدي الى تنازع بين مصلحة العميل الخاصة ومصلحة المجتمع ويصعب التوفيق بينهما ، حيث تغلب المصلحة العامة على الخاصة. ومع ان نظرية النظام العام تحقق احتراما اكيدا للسر المصرفي وتؤدي الى حماية الثقة المفترضه في المهنه المصرفية وتاكيد دورها في المجتمع والقول بغير ذلك يضر بالصالح العام الا انني ارى ان هذه النظرية قد تشددت اكثر من اللازم في تطبيق السرية المطلقة ، ومن الاجدر ان تطبق بشكل نسبي وان تراعي الحرية الشخصية لحد ما وان لاتطغى فكرة الصالح العام وتفهم بشكل خاطيء او ان يتعسف في استعمالها لان الحرية الفردية ومراعاتها جزء من الصالح العام ايضا. المبحث الثاني حالات الاعفاء من الالتزام بالسر المصرفي تنص الماده 355 من قانون العقوبات الاردني على : ( الحبس لمدة لاتزيد على ثلاث سنوات لكل من كان بحكم مهنته عل علم بسر فا فشاه دون سبب مشروع) ومن ذلك يتبين ان الالتزام بالسر ليس التزاما مطلقا اذ يجوز افشاءه لوجود سبب مشروع يسمح بذلك. وكذلك فالالتزام بالسر المصرفي تطبيقا للقاعده العامة ليس التزاما مطلقا بل هو التزام نسبي يجوز الخروج عنه اذا توافر سبب مشروع، مثل وجود اذن من العميل نفسه او بناء على استعلام يرد المصرف عليه ، او لاداء الشهاده امام القضاء ، او لتقديم الدفاتر للاطلاع عليها للسلطات الضريبية والنقدية، او بناء على ما تقتضيه مصلحة المصرف نفسه اذا ما ثار نزاع بينه وبين العميل. وعلى ذالك فاننا سنبحث في هذه الاسباب المشروعة التي تعفي المصرف من التزامه بالسر المصرفي على النحو التالي:- اولا : رضاء العمل نفسه. إن العميل هو سيد سره وهو الذي يملك أن يفشيه بإرادته ، ولذا فمن باب أولى أنه يملك أن يصرح للغير بإفشاء هذا السر لأن من يملك الأكثر يملك الأقل ، فمن هنا فإن رضاء العميل وصدور الإذن منه للمصرف بجواز الادلاء بأي معلومات عنه يرفع عن المصرف التزامه بالسريةالمصرفية،وذلك خلافا لما ذهب إليه بعض الفقهاء(1) من الخلط بين عدم قيام العميل بالشكوى كقيد من قيود تحريك الدعوى العامة وبين رضائة بالافشاء . وقد جرى الفقه(2) على ان موافقة العميل بالسماح للغير بالاطلاع على حساباته المصرفية يحل ويعفي المصرف من التزامه بالسر المصرفي ، ولا يسأل المصرف عن إفشــاء السر المصرفي ، الا ان بعض التشريعات المتعلقة بالسرية المصرفية جعلت الملاحقة الجزائية مرهونة بشكوى يقدمه المتضرر .(3) وحتى يصبح رضاء العميل بالافشاء معتدا به وسببا مشروعا للاباحة ، يجب أن يتوافر في هذا الرضا عدة شروط وهي : 1 - صدور الرضا من العميل نفسه : يجب أن يصدر الرضا من العميل نفسه أي مما يملكه قانونا" فهو صاحب الحق في السر المصرفي ومقرر حمايتة لمصلحته ولا عبرة بالرضاء الصادر من غيره(4) ، كما يصدر الرضاء ايضا" عن الولي او القيم في حالة كون العميل قاصرا" او محجورا عليه . ويمكن للعميل ان ياذن مقدما" إذنا" عاما" للبنك في الافصاح عن كل معاملاته لمن يطلب ذلك ويكون هذا الاذن العام صحيحا" ، فصاحب السر هو الذي يملك اما الاستمرار في إضفاء السرية علية او التوقف عن ذلك بالاذن في افشاء من البداية .(5) 2- صدور الرضا من شخص مميز وبارادة حرة سليمة : يجب ان يكون الرضا معبرا عن ارادة ذات قيمة قانونية ، أي ان يصدر عن شخص مميز ومدرك لما يصدر عنه من افعال ، وما يترتب عليها من آثار كما يجب ان تكون ارادة العميل سليمة مما يعيبها (6) قانونا" أي ان يصدر الرضا باختيار العميل وبارادته الحرة فلا عبرة بالرضاء الصادر عن الاكراه او تهديد مادي او معنوي كما انه لا عبرة بالرضا الصادر عن إرادة مغلوطة نتيجة غش او خداع او لحيلة او لغلط في الواقع فكل هذه الامور تنفي الرضاء وتجرده من كل قيمة او اثر قانوني .(7) 3- ان يكون الرضا صريحا او ضمنيا" : يجب ان يصدر الرضا من قبل العميل بإفشاء السر المصرفي سواء بشكل صريح أو ضمني،(1) كان يصدر الاذن كتابة بالسماح للمصرف الادلاء بأية معلومات او اسرار تتعلق بمعاملات العميل المصرفية ، فهنا الرضا صريح لالبس فيه ، ولكن قد يتخذ الرضا شكلا ضمنيا يستنتج من واقع الحال او الظروف المحيطة كأن يصطحب العميل احد معارفه للمصرف ويقوم بالاستفسار أمامه عن حساباته او اية معاملة تتعلق به فكانه تنازل ضمنيا" عن واجب عدم الافشاء تجاه هذا الشخص . 4- ان يكون رضا العميل قائما" وقت الافشاء : يجب ان يكون الرضا سابقا على وقوع الافشاء او على الاقل ملازما" له (2) حتى ينتج اثره، واخيرا" فإن على المصرف الالتزام بالغاية التي كانت محلا للرضاء وعدم استغلال المعلومات لغايات اخرى ، كان يبيح العميل للمصرف الادلاء بمعلومات عنه لغايات الاستعلام المصرفي0 ثانيا" : الاستعلام المصرفي عن حالة العميل . الاستعلام هو طلب معلومات عن شخص معين من مصادر مختلفة اهمها الجهات التي يتعامل معها ، ومن صوره الاستعلام المصرفي (3) ، فالمصارف تقدم الائتمان ، والائتمان يرتبط بالثقة والثقة تستلزم ان يكون مانح الائتمان على علم حقيقي بمركز وحالة طالب الائتمان . وجرت العادة بين البنوك و العرف المصرفي ان تتبادل المصارف المعلومات عن عملاءها واحوالهم واوضاعهم المالية ومسموعاتهم التجارية و الادبية ، فالاستعلام المصرفي يعتبر خروجا" على مبدأ السرية المصرفية واساسة يرجع إما للاذن الصريح من قبل العميل بان يجعل المصرف مرجعا" للاستعلام عنه او اذنه الضمني ، ذلك ان معظم العملاء يعرفون بهذه العادة المصرفية ويتوقعون حصولها من علاقاتهم بالمصاريف وخاصة عندما يعطى العميل اسم مصرفه للطرف الاخر (4) في التعامل التجاري 0 وانتقال المعلومات بين البنوك عن طريق الاستعلام المصرفي لا يتم هكذا دون ضوابط تضمن سرية انتقال هذه المعلومات ، حيث يتولى تنظيم هذا التبادل البنك المركزي عن طريق دائرة مخاطرة الائتمان ، حيث تتجمع المعلومات الواردة من البنوك للاستعلامات المصرفية وتدرج في كشف يسمى بكشف الاخطار المصرفية ، ويعامل بسرية تامة ويرمز للعميل بارقام تحدد وفق اسس وضوابط متفق عليها ، ثم يوزع على البنوك مما يضمن اكبر قدر من السرية و التكتم حتى لا تصل هذه المعلومات الى ايدي غير امينة . واخيرا" يجب الاشارة الى ان الاستعلام المصرفي يتم بين المصارف فقط ولا يجوز الادلاء بمعلومات عن عملية لجهات خاصة اخرى كلاستعلام من قبل تاجر او شركة ما شابه ، فالاستعلام يكون بين المصارف بما يخدم مصالحها ، والتشريعات التي اخذت بالسرية المصرفية نصت على جواز تبادل مثل هذه المعلومات بين المصارف 0(1) ثالثا : اداء الشهادة امام المحاكم : الشهادة دليل من الاثبات يتمثل في رواية شخص عما ادركه مباشرة بحواسة المختلفة عن واقعة معينه ، و الشهادة واجب قانوني لا يستطيع المطلوب للشهادة التخلف عن ادائة بل يجبر على الحضور امام المحكمة واداء الشهادة ، وقد سلكت التشريعات (2) المختلفة مسالك متباينة فيما يتعلق بمدى الاحتجاج بالكتمان المصرفي للامتناع عن اداء الشهادة امام القضاء ، فبعض هذه التشريعات توجب على البنك ان يمتنع عن اداء الشهادة احتراما" لالتزامة بحفظ السر ، سواء أكان ذلك أمام القضاء المدني او الجزائي زمنها القانون المصري لسرية الحسابات وقانون السر المصرفي اللبناني.(3 اما بالنسبة للقانون الاردني فنفرق بين الشهادة امام القضاء الجزائي و الشهادة امام القضاء المدني ، اما بالنسبة للقضاء الجزائي فلا يستطيع البنك الاحتجاج بالسر المصرفي في مواجهة القاضي الجزائي لان ذلك يعيق سير العدالة ويضر بالصالح العام ، لان اكتشاف الجرائم من الامور المتعلقة بالنظام العام وتمس المجتمع مما يعلو على المصالح الفردية و مصلحة العميل في كتمان سره . اما الشهادة امام القضاء المدني فإن ما جاء بنص المادة 37 من قانون البينات الاردني بشأن الاعفاء من الشهادة للملزمين بحفظ السرا ، جاء النص حصرا"على الاطباء و المحامين خلافا" للتشريعات الاخرى (4) ، ولم يشمل الحظر في المادة السابقة المصارف باعفائها من افشاء السر المصرفي . الا انني ارى انه يحق للمصرف التذرع بالسرية المصرفية في الامتناع عن الشهادة لدى القضاء المدني ، ذلك اننا في مواجهة مصلحتين كل منهما خاصة ، ولا تفضيل لاحداهما عن الاخرى ولذا فا من باب اولى ان تكون مصلحة عميل المصرف اجدر بالرعاية من مصلحة أي طرف اخر في دعوى مدنية . رابعا" : تقديم الدفاتر والاوراق المصرفية للاطلاع عليها . اعتبرت المادة( 6) من قانون التجارة في الفقرة (د) أن أعمال المصارف من الأعمال التجارية بطبيعتها ، وكذلك المادة( 9 ) من نفس القانون أعطت البنوك صفة التاجر (1) ، ذلك أنها شركات مساهمة عامة تهدف لتحقيق الربح وتقوم بأعمال تجارية . واكتساب البنوك صفة التاجر يرتب عليها التقيد بالالتزامات التي فرضها قانون التجارة على التجار مثل (2) مسك الدفاتر التجارية ، و الدفاتر التجارية هي دفاتر معينة بنص القانون يجب على التاجر مسكها ويدون فيها ماله من حقوق وما عليه من التزامات ، ويثبت فيها جميع العمليات التجارية التي يباشرها .(3) وقد يثور نزاع بين عميل وشخص أخر من الغير ويحق في هذه الحالة لهذا الاخير أن يطلب من المحكمة الاطلاع على دفاتر مصرف العميل باعتباره من الغير وتحت يده ورقة أو سند للاثبات ، ذلك ان حسابات المصرف ماهي في الحقيقة الا غطاء لحساب العميل ، وإجازت المادة 25 من قانون البينات الاردني للمحكمة اثناء سير الدعوى ان تدعو الغير لالزامة بتقديم ورقة او سند تحت يده ، كما أجاز (4) القانون للمحكمة أن تامر أي فريق بأبراز ما في حوزتة او تحت تصرفة من مستندات ترى انها ضرورية للفصل في الدعوى اذا كان هذا الفريق موجودا" داخل البلاد . كما أجاز قانون التجارة (5) عرض الدفاتر التجارية أو المطالبة بابرازها وذلك لاستخلاص ما يتعلق منها بالنزاع ، و للقاضي من تلقاء نفسه ان يامر بابراز الدفاتر التجارية للغاية ذاتها اذا كان إبراز هذه الدفاتر ضروريا" للفصل في الدعوى .(6) ومما يتقدم يتضح مدى حق المحكمة بإلزام المصرف بإبراز دفاتره ومستنداته ، وإذا ادعى بالسرية كحصانة له في مواجهة هذا الطلب فان للمحكمة الحق في التثبت من مدى صحة هذا الادعاء .(7) خامسا" : حجز ما للمدين لدى الغير : القاعدة العامة في الحجز على الأموال أن جميع أموال المدين ضامنه للوفاء بديونه(8) ، وللدائن الحق في حجز أموال المدين والتنفيذ عليها سواء أكانت في يده أو في يد شخص ثالث . فالمصرف لا يحجز على أموال العميل التي تحت يده ولا يدلي بينات حولها إلا بناء على أمر قضائي وذلك التزاما منه بالمحافظة على السرية المصرفية ، وهذا يرتب على المصرف عدم الاحتجاج بالسرية المصرفية عند الحجز على أموال العميل التي لدية انطلاقا" من عموم لذا النصوص القانونية التي تجيز حجز ما للمدين لدى الغير . لذا فان التشريع الاردني خلافا للتشريعات الاخرى(1) يلزم المصرف بالكشف عن السرية والتقرير بما للعميل المدين من اموال لديه ، باعتبار المصرف محجوز لديه ، وبالتي تستبعد السرية المصرفية حتى يتمكن المصرف من الكشف عن اموال المدين المحجوز عليه .(2) وتثور مشكلة الخزائن الحديدية في معرض الحديث عن حجز ما للمدين لدى الغير ، حيث يقوم البنك بتأجير الخزائن الحديدية لعملائه ، في حين يحتفظ العميل بمفتاح الخزنة وله وحدة حق اداع الاشياء وحق سحبها دون أي رقابة من قبل المصرف ودون العلم بمحتويات الخزنة وتسري عليها قواعد اجارة الاشياء ويكون المصرف مسؤولا عن سلامة هذه الخزائن (3)، وبالتالي فأنه لا مجال بحجز موجودات الخزنة من قبل المصرف كون هذا المصرف لا يجوز هذه الموجودات وانما هي تحت يد العميل ، إلا أن حجزها يتم من قبل المحكمة بعد معرفة موجودات الخزنة باعتبار المصرف مؤتمن عليها . ساسا : السلطات الضريبية والنقدية وحقها بالاطلاع على الحسابات : ازداد التدخل الدولة الحديثة في نشاط الافراد والزم كل فرد بالتخلي عن جزء من حريته لصالحها فكل فرد يلتزم بالادلاء عن موارده واملاكه حتى تتمكن الدولة من تحديد القيمة الضريبية المطلوبة فالمسائل الضريبية تشكل أحد الاسباب التي تدفع المصارف للافشاء عن مدخرات الافراد المتعاملين معها وذلك تمهيدا لفرض الضريبة عليهم ، فيحق لدائرة ضريبة الدخل مثلا الحصول على معلومات من البنوك عن عملائها وذلك لغايات تقدير الضريبة أو مقارنة البيانات المقدمة من قبل المكلف بالبيانات التي لدى المصرف والتأكد من صحة المعلومات الواردة فيها . وكما يسمح قانون الضريبة على الدخل بالاطلاع على مستندات والسجلات فانه يحمي هذه الاسرار بالزام موظفي الضرائب بحفظ السر . ويجب على المصرف(4) ايضا ان يصرح لوصي التركة – والذي يتولى حصر اموال المورث تمهيدا لتوزيعها على الورثة – بما لديه من اموال العميل المتوفي ، وذلك حتى تخضع هذه الاموال للرسم المقرر على التركات . اما بالنسبة للسلطات النقدية والمتمثلة لدينا بالبنك المركزي الاردني فله الحق في الرقابة والاطلاع على دفاتر ومستندات المصارف التجارية (1)، فالبنوك ملزمة بتزويد البنك المركزي بالمعلومات والإحصاءات التي يطلبها(2) ، ولموظفي البنك المركزي حق فحص دفاتر أي بنك مرخص وتدقيق حساباته ووثائقه الاخرى ، وعلى إدارة البنك المرخص وجميع موظفيه تقديم التسهيلات اللازمة في هذا الشان ويلتزم موظفوا البنك المركزي بسرية المعلومات التي يطلعون عليها(3) . سابعا : المحافظة على المصالح المشروعة للبنك . أن مصلحة المصرف قد تقتضي احيانا الكشف عن اسرار العميل ومعاملاته المصرفية وذلك عندما يقع نزاع بينه وبين العميل ، كما في حالة رفع دعوى على العميل يطالبه فيها بتسديد كمبيالات المستحقة عليه ، أو فوائد قرض منحه أياه أو تسديد حساب مكشوف ، ففي هذه الحالة يضطر المصرف للكشف عن سر عميله وطبيعة التعامل معه وذلك حفاظا على حقوق من الضياع ولا يمكن ان تطالب منه في هذه الحالة الالتزام بالسرية المصرفية والتزام الصمت وإهدار حقوقه سبيل مصلحة عميله ، فمصلحة المصرف منها أولى بالرعاية ولا يقف السر المصرفي حائلا دون حق المصرف من استيفاء حقوقه وبالرغم من ذلك فلا يجوز للمصرف ان يفشي سر أحد عملاءه إلا بمناسبة دعوى قضائية فيما بينه وبين العميل (4). والاعفاء من الالتزام بالسرية لا يتم الا بالنسبة للموضوع المتنازع عليه والعمليات المتلازمة معه والنزاع المقصود به هنا هو النزاع المعروض على سلطة قضائية او سلطة تحكيمية وان يكون فيه للمصرف والعميل مصالح متضاربة تجعل كل منهما خصما للأخر بالاضافة الى ذلك فانه لا يجوز اغشاء السر الا امام المحكمة او هيئة التحكيم المعروض عليها هذا النزاع . ثامنا : الابلاغ عن الجرائم : الجريمة فعل غير مشروع صادر عن ارادة جريمية يقرر له القانون عقاب او تدبير احترازيا وهناك واجب قانوني بالابلاغ عن الجرائم ، ذلك انه على كل من علم بوقوع جناية او جنحة ان يبادر لإبلاغ السلطات العامة(5) . فيجب تغليب اعتبارات المصلحة العامة وحسن سير العدالة على المصلحة في الحفاظ على الاسرار الخاصة وذلك للحفاظ على كيان المجتمع من اخطار الجرائم وبالتالي يقع على البنك واجب التبليغ على الجرائم - الجنايات والجنح - ان هو علم بها اثناء ممارسته لمهنته واخلاله بهذا الالتزام يوجب مساءلته جزائيا (1). وبالامثلة على حالات ارتكاب الجرائم ووجوب إفشاء السر المصرفي لكشفها ، كثيرة ، ولكننا نستعرض حالتان تعتبران من اهم الحالات واكثرها حصولا ، وهما جريمة اصدار شيك بدون رصيد وجريمة غسيل الاموال الملوثة . 1 - جريمة اصدار شك بدون رصيد : فاذا قدم شك للبنك موقع من العميل ولم يوجد رصيد كاف له ، فان البنك يكون مضطرا لافشاء السر المصرفي ، بان يصرح بان رصيد العميل غير كافي او لا رصيد له . ومن ناحية أخرى فان الفقرة الاولى من المادة( 251 ) من قانون التجارة ألزمت الحامل بقبول الوفاء الجزئي الذي يعرضه عليه المصرف اذا قدم له شيكا ، وكان رصيد حساب الساحب اقل من قيمته ، كما اجازت للحامل ان يطلب الوفاء بقدر ما يكون هناك من مقابل بالوفاء الشيك المقدم ولا يحق للمصرف الامتناع او رفض قبول الوفاء الجزئي فالعميل عندما يسحب شيكا لا رصيد له او كان مقابل الوفاء اقل من قيمة الشيك فانه يعد مرتكبا لجرم اصدار شيك بلا رصيد فلا عبرة من حمايته بعدم افشاء سره المصرفي وذلك حتى يعاقب على الجرم الذي ارتكبه كما ان اعمال النص القانوني في قانون التجارة والتي يجيز الوفاء الجزئي لا يستقيم الا بمعرفة رصيد الساحب لدى المصرف ولا يعتبر ذلك انتهاكا للسرية المصرفية ذلك ان سحب العميل شيكا على مصرف يؤدي عمليا الى رفع السرية في حدود قيمة الشك . ففي هذه الحالة يجب على البنك الابلاغ عن جريمة اصدار شيك بدون رصيد وذلك حماية لمصالح اولى بالاعتبار ، اولها المصلحة العامة والنظام العام ، ومصلحة المستفيد من الشيك ثانيا . 2 - جريمة غسيل الاموال الملوثة : برزت هذه الجريمة في السنوات الأخيرة بشكل ملحوظ وازدادت خطورتها مع تفاقم المشكلة بكبر حجم الاموال التي تغسل ، فقد قدرت حجم الاموال التي تغسل سنويا بحوالي ثلاثمائة مليار دولار أمريكي (2)، وتستخدم في غسيل هذه الاموال المؤسسات المالية والمصرفية وكافة القنوات المصرفية المتاحة لتنفيذ عمليات مصرفية وتحويلات مالية لهذه الأموال . وبالتالي فان قوانين السرية المصرفية والتشدد في سرية الحسابات تشجع على جريمة غسل الاموال ، حيث تعتبر الدول التي تأخذ باحكام صارمة للسرية المصرفية مثل سويسرا ، مرتعا خصبا لعمليات غسيل الاموال . ولذلك يجب ان لا تكون السرية المصرفية عائقا امام الرقابة على هذه الاموال الملوثة وذلك للحد من هذه العمليات ، فعلى البنوك التي تشك في مصدر اموال مودوعة لديها وتلاحظ تحركات مشبوهه لهذه الاموال والتي ليس لها غرض او مردود اقتصادي او قانون واضح ، ان تبلغ السلطات النقدية بهذه التحركات وان تكشف عن هوية اصحابها . وقد تحركت الدول وعلى راسها امريكا لمكافحة هذه الجريمة مطالبة سويسرا وغيرها من الدول(1) ، التي تأخذ بالسرية المطلقة والزمتها باتخاذ اجراءات تحد من نطاق السرية المصرفية التي تعتبر غطاء قانونيا لعمليات غسيل الاموال ، وقد امتثلت سويسرا لهذا التوجهه وقامت بتوقيع اتفاقية الحيطة والحذر عام 1977م وهي اتفاقية تمنع الموقعين عليها القيام باي عمل مصرفي دون معــرفة الطــرف الاخر ، سواء بقبول النقد او إيداع اوراق مالية او حوالات مالية(2) . الفصل الثالث : البنوك وغسيل الأموال . لقد خطا البنك المركزي الأردني خطوة مهمة في مجال مكافحة غسيل الاموال وذلك باصداره لتعليمات غسيل الاموال رقم (10/2001) مستندا على نص المادتين ( 93) و (99) من قانون البنوك رقم (18) لسنة 2000 . كذلك وادراك من المشرع الأردني لأهمية مكافحة الأرهاب وتمويل العمليات الأرهابية ، فقد صدر مؤخرا القانون المؤقت رقم (54) لسنة 2001 والمعدل لقانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960 والذي نص على ما يلي : " يعد من جرائم الارهاب أي فعل يتعلق باي عملية مصرفية وبصورة خاصة ايداع أموال لدى أي بنك في المملكة أو أي مؤسسة مالية تمارس أعمال البنوك أو تحويل هذه الأموال من قبلها أي اية جهة كانت إذا تبين أنها أموال مشبوهة ولها علاقة بنشاط أرهابي وفي هذه الحالة تطبق الاجراءات التالية : الحجز التحفظي على هذه الأموال بقرار من النائب العام وحضر التصرف بها الى حين استكمال اجراءات التحقيق بشأنها ." ولكن التساؤل الذي يطرح نفسه ، هل تكفي هذه التعليمات والمواد لمكافحة غسيل الأموال والتي تهدد الاقتصاد الأردني كما تهدد غيره من الاقتصاديات العالمية ؟! سوف نحاول التعرف على أجابة هذا السؤال من خلال معرفة دور البنوك في عملية غسيل الأموال ،وماهية المشاكل التي تثار ، ومدى مسؤولية البنك عن القيام بغسيل هذه الاموال . المبحث الأول دور البنوك في عمليات غسيل الاموال والاشكالات التي تخلقها طبيعة العمل المصرفي في مكافحة غسيل الاموال البنوك والمصارف احدى الحلقات الرئيسية التي تدور فيها الاموال المستمدة من مصادر غير مشروعة ، بل يمكن اعتبرها احد انجع الحلقات بسبب النتيجة النهائية والتي تصل اليها المصارف والبنوك بالذات لعملية غسيل الاموال ، ويرجع السبب في ذلك الى طبيعة العمل المصرفي وتشعب العمليات المالية التي يمارسها على مستوى يومي ، وهذا التشعب بطبيعة الحال سيبعد الاموال غير المشروعة عن مصادرها الفعلية ويدخلها في دوامة من العمليات التجارية والمالية التي يصعب على السلطات الرقابية تدقيقها والوصول الى الاموال غير المشروعة عبرها . بالاضافة الى ذلك فالصناعة المصرفية وبفضل التطور التكنولوجي في العالم ، اصبحت تقدم مجموعة كبيرة من الخدمات المصرفية التي من شأنها ان تسهل على غاسلي الاموال عملهم لما تمتاز به هذه الخدمات المصرفية من سرعة في الزمن ودقة وتميز في الآداء ، وبالتالي فقد لا يشترك المصرف في غسيل الاموال بصورة مباشرة ، الا ان ما يقدمه من خدمات مصرفية قد يستغل بصورة مخالفة للقانون ، وهناك جانب اخر لا يجوز اغفاله وهو السرية المضفاة على التعاملات المصرفية المكتسبة من نصوص القوانين النافذة ، وبالنسبة لغاسل الاموال فان السرية عنصر ضروري جدا لا بل وأساسي . وسنعرض في هذا المبحث الى ما يتعلق بالمؤشرات التي قد تدل البنك على ان المتعامل معه هو من غاسلي الاموال ، والثاني نتطرق فيه الى الأشكاليات التي تخلفها السرية المضفاة على التعاملات المصرفية التي تصطدم بها عمليات مكافحة غسيل الاموال . أولا: المؤشرات التي قد تدل على تورط العميل في عمليات غسيل الاموال : قد يتولد الشك لدى موظف البنك في حال توفر احد او بعض المؤشرات التي سيرد ذكرها بأن العميل الذي امامه هو احد المتعاملين بغسيل الاموال ، وبعض هذه المؤشرات قد يتعلق بشخص العميل وطبيعة النشاط الذي يمارسه وخلفية التعامل معه ، والبعض الاخر يتعلق بطبيعة العمليات المصرفية والمالية التي يقوم بها العميل ، ويلي مجموعة من المؤشرات التي قد تدفع بالموظف في البنك الى الشك بالعميل : 1ـ وجود زيادة واضحة في الايداعات النقدية في الحسابات الفردية الشخصية او المتعلقة بالشركات ودون وجود دلالات ظاهرية تبررها ، خاصة عندما يتم تحويل هذه الايداعات ضمن فترة زمنية قصيرة من بلد آخر لا تتضح طبيعة الرابطة التي تربط ما بينها وبين نشاط العميل . 2ـ طغيان التعامل المالي النقدي مع البنك من قبل شركة او شخص سواء بالسحب او الايداع بدلا من اشكال التعاملات المصرفية الاخرى كالشيكات مثلا . 3ـ قيام شخص بفتح حساب جديد وتقديمه لمعلومات غير كافية او مضللة او معلومات يصعب على ادارة البنك التحقق من صحتها بسبب ارتفاع الكلفة . 4ـ رفض العميل تقديم معلومات تخوله في العادة الحصول على خدمات وتسهيلات مصرفية يعتبرها العميل العادي ميزة إضافية . 5ـ قيام مجموعة من العملاء معا بفتح حسابات مختلفة واجراء ايداعات نقدية في هذه الحسابات تقل عن الحد المقرر في القانون للتبليغ عنها وفي اوقات وظروف متباينة بحيث يكون مجموع قيمة الحسابات مبلغا ضخما . 6ـ العملاء الذين يكتشف في ارصدتهم اوراق نقدية مزيفة بمعدلات واضحة . 7ـالعملاء الذين يقومون بايداعات مالية ضخمة او يتلقون حوالات نقدية ضخمة من احد البلدان التي ترتبط بعملية انتاج او تهريب المخدرات او البلدان المعروف عنها تورطها في عمليات غسيل الاموال 8ـ العملاء الذين يقومون بشراء عملات اجنبية متنوعة وبصورة منتظمة ومتكررة. 9ـ زيادة عالية في حجم المدفوعات النقدية في احد الفروع او احد الحسابات في ذات الفرع من فروع المصرف ( واحصائيات الادارت العامة للبنوك بامكانها الكشف عن هذا ) . 10ـ العملاء الذين يقومون بتسطير حوالات مالية ضخمة الى بلد آخر مع تعليمات بالدفع نقدا للمستفيد 11ـ العملاء الذين يتفادون الاتصال المباشر مع البنك ، ويستخدمون اجهزة الصراف الآلي لغايات اجراء الايداعات او السحوبات المالية الضخمة . 12ـ شراء او بيع العملات الاجنبية المتنوعة وبكميات كبيرة وباستخدام اسلوب التعامل النقدي على الرغم من ان العميل يحتفظ بحساب مفتوح لدى المصرف . 13ـ السحوبات المالية الضخمة من حساب خامد او معلق ، او من حساب تم قيد حوالة واردة اليه بمبلغ ضخم ومباشرة بعد وصولها . 14ـ قيام عدد كبير من الافراد باجراء ايداعات لقيدها في حساب واحد اما في ذات الفرع او في فروع مختلفة ودون وجدود تفسير واضح لذلك . 15ـ ورود حوالات متعددة الى حساب واحد وبمجاميع ضخمة الا انها جميعا تقل عن الحد المقرر في القانون لاجراء التبليغ عنها في البلد الذي حولت منه. 16ـ تورط بعض العاملين في المصرف في تسهيل عمليات غسيل الاموال ، ويتبين هذا من خلال التغيرات الملحوظة والمفاجئة في مستوى المعيشة وظهوره بمظهر لايتناسب مع حالته المادية او الارتفاع الواضح والمميز والمفاجئ في اداء موظف البنك المسؤول عن التعامل مع الجمهور 17ـ رفض اتمام عملية الايداع النقدية التي تصل الى الحد المقرر في القانون من قبل المودع اذا اعلم انه يجب التحقق من هويته . 18ـ محاولة المودع اغراء موظف البنك واقناعه بشتى الوسائل حتى لا يقوم بالتثبت من هويته . وللبنوك و المصارف اتباع بعض السياسات المقترحة في محاولة منها لتفادي الوقوع في شرك التورط في عمليات غسيل اموال وهي : 1- اعرف عميلك . فيتوجب على البنك ولضمان عدم تورطه في عمليات غسيل الأموال ، الايعاز لموظفيه المتعاملين مع الجمهور ببذل كافة الجهود للتثبت من الهوية الحقيقية للعميل الذي يتقدم لفتح حساب جديد أو للحصول على أحد الخدمات المصرفية ويتعين عليه كذلك بذل العناية الكافية للتعرف على اصحاب الحسابات الاصليين وصناديق الحفظ لديه ، كما يتوجب على المصارف والبنوك ان تتبنى سياسة واضحة وصريحة في رفض تقديم الخدمات المصرفية للعملاء الذين يفشلون في تقديم المتطلبات القانونية والمستندات الدالة على هويتهم . 2 - ضمان وجود أثار للعمليات . وهذا المبدأ مهم للغاية في تسهيل مهمة الجهات الرقابية القائمة على مكافحة غسيل الأموال، وتوجب هذه السياسة على البنك الاحتفاظ بنسخة من مستند اثبات الشخصية الذي قدمه العميل أو المودع والاحتفاظ بقيود وسجلات خاصة حول العمليات المصرفية المشتبه بها لتمكين الجهات الرقابية وفي حال تبين وجود عمليات غسيل للاموال من اعادة بناء العمليات المصرفية التي قام بها غاسل الأموال وتتبع النقود المغسولة حيثما ذهبت . 3- الاجتهاد واجب . فعلى البنوك واجب اخذ الحيطة والحذر وتوجيه عناية خاصة لتفاصيل العمليات المصرفية المعقدة او الضخمة بصورة غير عادية او المتعلقة بايداعات او سحوبات ضخمة وتتم من خلال عمليات انماط غير مالوفة او بدون سبب اقتصادي او قانوني واضح . كما يتوجب على القائمين على إدارة المؤسسة المصرفية توخي الحذر في التعاملات التي تتم مع الاشخاص او الشركات او البنك في البلدان التي لا تطبق نظمأ او معايير او اجراءات خاصة متعلقة بمكافحة عمليات غسيل الأموال أو التي لا تكون هذه الاجراءات فيها ناجعة بما فيها الكفاية ، وجوهر هذا المبدأ أن البنوك لا يجوز أن تغمض عيونها عن اية عملية تتم منها أو اليها مشكوك فيها او مشتبه بها . 4 - التقيد بالقوانين والتشريعات . ويتوجب على إدارات البنوك هنا ضمان توافق العمل المصرفي مع نصوص واحكام القوانين والتشريعات المتعلقة بالعمل المصرفي والاسس الاخلاقية التي تحكمه ، وتطبيق احكام هذه القوانين على العمليات المالية المصرفية التي يقوم العملاء بتنفيذها وعلى الرغم من ان البنوك في بعض الاحيان لا يمكنها التحقق فيما اذا كانت العمليات المصرفية التي يقوم بها العملاء مرتبطة بصورة مباشرة او غير مباشرة باحد النشاطات الاجرامية وقد لا يتحقق لها ذلك على المستوى الدولي ايضا فالبنوك لا يتسنى لها معرفة فيما اذا كانت العمليات التي تجري عالميا متفقة مع احكام القوانين والتشريعات في بلدان اخرى ، الا انه على البنوك والمصارف باي حال من الاحوال الا توفر الخدمات وتقدم المساعدات لاية عمليات مصرفية يشتبه بوجود علاقة بينها وبين النشاطات الاجرامية 5 - التعاون الفعال بين البنوك والاجهزة الرقابية . يجب على البنوك أن تكون متعاونة مع سلطات انفاذ القانون بالحدود المتفقة مع القوانين المحلية المرتبطة بسرية العمل المصرفي ويتوجب على البنوك الحذر من امكانية مساعدة او تسهيل مهمة أي من المتعاملين الذين يحاولون خداع السلطات الرقابية من خلال قيام البنك بتزويد هذه السلطات بمعلومات مزورة او ناقصة او مضللة . واذا ما قام الاعتقاد لديها بناءا على حقائق مثبتة بأن الاموال المودعة لديها في احد الحسابات أموال مستمدة من مصدر غير مشروع فعلى البنك اتخاذ الاجراءات القانونية مثل رفض تقديم المساعدة لهذا العميل أو انهاء علاقته بالبنك او اغلاق او تجميد حسابه لديهم وتقديم المساعدة والعون في جميع هذه الاحوال للسلطات الرقابية ، كل هذا مع عدم الاخلال باساسيات العمل المصرفي والقواعد القانونية التي تحمي المصرف والعملاء لديه على السواء ، كما ينبغي على موظفي البنوك الا يقوموا بتحذير العملاء اذا ما قام البنك بالابلاغ عن عمليات ايداع او سحب تتجاوز الحد المقرر في القانون للسلطات المعنية . 6 - اجراءات مناسبة للرقابة الداخلية . يتعين على البنك أو المؤسسة المصرفية أن تضع نظاما يتضمن اجراءات للرقابة الداخلية بهدف احباط ومنع العمليات المرتبطة بغسيل الأموال ، فيمكن مثلا تعيين منسق على مستوى الادارة العامة وخلق وظيفة رقابية لفحص جميع الاجراءات المتعلقة بالعمليات المالية والتحقق منها . 7 - البرامج التدريبية . تضمن البنوك لموظفيها برامج تدريبية خاصة وعلى أسس منظمة ومدروسة بغرض تعريفها على عمليات غسيل الأموال والكيفية التي يمكن من خلالها مكافحة هذه الافه واستمرار امدادهم بالمعلومات المستجدة في هذا المجال لكي يمارسوا وظائفهم بكفاءة وفاعلية (1). ثانيا : اشكاليات التوفيق بين مكافحة غسيل الأموال وقواعد العمل المصرفي . لا شك أن الاليات المصرفية المعقدة المتطورة التي تملكها البنوك من شانها ان تسهل عمليات غسيل الأموال ، وهناك خصيصة اخرى تتمتع بها الصناعة المصرفية من شانها ان تحفز غاسلي الاموال على استخدام كافة السبل ودفع أي مقابل لقاء تعاون المؤسسة المصرفية معهم وهي خاصية سرية العمل المصرفي المستمدة من تشريعات سرية العمل المصرفي الشائعة في انحاء العالم ، وهذه الخاصية تتعارض في بعض جوانبها مع الجهود التي تبذلها السلطات الرقابية في عمليات مكافحة غسيل الأموال . ومبدأ السرية المصرفية يحرم على البنك أو المؤسسة المصرفية والموظفين العاملين فيها افشاء اية معلومات أو بيانات تتعلق بالعملاء اطلع عليها الموظف بحكم عمله ، كما لا يبيح هذا المبدأ اطلاع أي كان حتى لو كان موظفا في البنك ، فيما عدا صاحب الحساب حصرا او ورثته القانونين والجهات الرسمية في حالات حصريه ، كما لا يجوز اعطاء اية معلومات هاتفية عن اي حساب حتى لو ادعى المتصل بأن صاحب الحساب وبسبب هذا المبدأ ايضا بلغت المصارف الى مرحلة عدم استعمال المغلفات البريدية الشفافة حفاظا على هذه السرية(1) . والنظم القانونية في العالم اجمعت على الاخذ بهذا المبدا وقرت مجموعة من الجزاءات لمنتهكي هذا المبدا وقانون البنوك الأردني رقم 18 لعام 2000 تضمن في متونه مجموعة من النصوص المنبثقة عن هذا المبدأ وقد ورد في نص المادة 72 منه أنه : " على البنك مراعاة السرية التامة لجميع حسابات العملاء وودائعهم واماناتهم وخزائنهم لديه ويحضر أي بيانات عنها بطريق مباشر او غير مباشر الا بموافقة خطية من صاحب الحساب او الوديعة او الخزانة او من أحد ورثته أو بقرار من جهة قضائية مختصة في خصومة قضائية قائمة او بسبب احدى الحالات المسموح بها بمقتضى هذا القانون ، ويظل الحظر قائم حتى لو انتهت العلاقة ما بين العميل والبنك لاي سبب من الاسباب " كما نصت المادة 73 من ذات القانون على أنه " يحظر على أي من اداريي البنك الحاليين او السابقين اعطاء اية معلومات او بيانات عن العملاء او حساباتهم او ودائعهم او الامانات او الخزائن الخاصة بهم او أي من معاملاتهم او كشفها او تمكين الغير من الاطلاع عليه في غير الاحالات المسموح بها بمقتضى احكام هذا القانون ويسري هذا الحظر على كل من يطلع بحكم مهنته او وظيفته او عمله بطريق مباشر او غير مباشر على تلك البيانات او المعلومات بمن في ذلك موظف البنك المركزي ومدققوا الحسابات " كما اورد المشرع في المادة( 75) من هذا القانون مجموعة من الجزاءات التي توقع بمن يخرق احكام المواد 72 و 73 منه وتتمثل بالحبس مدة لا تقل عن ستة اشهر وبغرامة مالية لا تقل عن عشرة الاف دينار ولا تزيد عن خمسين الف دينار او بكلتا العقوبتين معا 0 كما انتهج المشرع المصري المنهاج ذاته بهذا الصدد ، فقد نظمت المواد 1 و2 و5 و7 من قانون سرية الحسابات المصرفية المصري رقم 205 للعام 1990. ونلحظ ان الظروف الاقتصادية كانت دافعا قويا وراء اقرار مبدا سرية العمل المصرفي في العديد من الدول التي تسعى للحفاظ علي راس المال الوطني من الهروب الى الدول التي تطبق هذا المبدا ولجذب رؤوس الاموال الاجنبية للاستثمار فيها بغية دعم الاقتصاد الوطني والسبب في انتقال الاموال الي الدول التي تطبق مبدا سرية التعاملات المصرفية هو ذات السبب الذي يجعل غاسلي الاموال يتجهون الى تلك الدول ، وهو الحفاظ علي سرية التعاملات المصرفية بحيث تتم هذه التعاملات بسرية وبسلاسة ودون ان تكون عرضة للكشف عنها مما قد يلحق الضرر في الاعمال التجارية وتستفيد الاموال المستمدة من مصادر غير مشروعة والقائمون على غسلها من هذه الميزة في الوقت ذاته ، وبالتالي يثور التساؤل عن الكيفية التي يمكن من خلالها فض التعارض ما بين قواعد سرية العمل المصرفي وامكانية مكافحة جرائم غسيل الاموال . في الواقع لا يوجد ما يحول دون امكانية التوفيق بين قواعد ومضامين مبدأ سرية العمل المصرفي من ناحية والاجراءات التي تمارسها السلطات الرقابية لمكافحة عمليات غسيل الاموال من ناحية اخرى ويتسنى هذا من خلال وضع اصل عام هو سرية العمل المصرفي واستثناءا من هذا الاصل يجري الخروج على قواعد سرية العمل المصرفي في حالات يبينها القانون ، كما أن الاصوات الحديثة تتطالب أن تكون سرية الحسابات على الأموال النظيفة ، أما الأموال الملوثة فلا توجد عليها سرية(1). وقد أورد المشرع الاردني في المادة( 74 ) من قانون البنوك مجموعة من الحالات التي يجوز الخروج فيها على مقتضيات مبدأ سرية العمل المصرفي ، الا ان هذا النص افتقر الى ما تداركه المشرع المصري في قانون سرية الحسابات المصرفية ، اذ ورد به نص يجيز الخروج على مقتضيات هذا المبدأ اذا اقتضى ذلك الكشف عن جناية او جنحة توافرت دلائل واضحة على وقوعها . وقد اشترط المشرع المصري قيدين على هذا الصلاحية القيد الاول : أن حق خرق مبدأ السرية منوط بالنائب العام او من يفوضه من المحامين العامين المدنيين ، والثاني : ان يطلب الكشف عن هذه الحسابات بموجب طلب يقدم الى محكمة استئناف القاهرة التي تفصل في الطلب أثناء انعقادها في غرفة الشورى ( المداولة) ويجب أن لا يفصل في هذا الطلب الا بعد الاستماع الى أقوال النيابة العامة حوله ، وقد كان الأجدر بالمشرع الأردني إيراد نص مماثل في النصوص المتعلقة بسرية العمل المصرفي في قانون البنوك الأردني رقم 18 لسنة 2000 . وليس للبنك أو المؤسسة المصرفية في حال طلب إليه تعليق أو تسليم الأموال غير المشروعة المودعة لديه لغايات التحفظ عليها أن يرفض ذلك محتجا بأنه لا يمتلك هذه الأموال أو الودائع المودعة لديه وأنها مودعة لديه باسم العميل ولصالحه ، فالراجح في الفقه أن البنك أو المؤسسة المصرفية يمتلك الأموال المودعة لديه وله بالتالي حق استعمالها أو التصرف فيها على النحو الذي يرتأيه مناسبا (2)، وبالتالي فلا يجوز للبنك أو المؤسسة المصرفية أن تثير هذا الدفع في مواجهة الأوامر التي تصدر إليها بكشف الحسابات المصرفية أو تسليم الودائع الموجودة لديه . ومن جانب آخر فلا يجوز للبنك أو المؤسسة المصرفية التنصل من واجب اليقظة ومسؤوليتها في التحقق من كافة العمليات المصرفية والحركات المالية التي يقوم بها العميل لديها ، ولعل تبرير إلتزام المصرف بالابلاغ عن الأموال المشبوهة يتمثل في كون عقد الوديعة عقدا قائما على الاعتبار الشخصي ، وبالتالي فلا عجب في مساءلة المصرف في حال إخلاله بواجب التبليغ عن العمليات المشبوهة أو حركة عوائد الجريمة . المبحث الثاني مسؤولية البنوك عن جريمة غسيل الأموال . يلعب القطاع المصرفي دورا رئيسيا في مجال غسيل الأموال ومكافحة هذه الجريمة إذ لا يمكن تصور نجاح أية إجراءات أمنية وقائية أو عقابية في هذا المجال دون تعاون القطاع المصرفي . فمن المعروف والطبيعي أن يلجأ غاسلوا الأموال إلى البنوك لتحويل اموالهم الى اعتمادات وودائع بحيث يصبح التصرف بها أكثر سهولة ويسرا إضافة الي اللجوء إلى توظيف هذا الاموال من خلال المصارف والمؤسسات المالية بصورة استثمارات مالية بهدف إخفاء المصادر الحقيقية لهذه الاموال القذرة . وبناء على ما ذكر فقد تتعرض البنوك للمساءلة عن تلقيها أو قبولها للأموال القذرة خاصة إذا كانت تعلم أن هذا الاموال متحصلة عن فعل إجرامي . وهنا يبرز التساؤل عن مدى اعتبار البنك مسؤولا او مساهما في النشاط الجرمي لغسيل الاموال ، ومدى اعتباره مرتكبا لجريمة إخفاء أشياء او اموال متحصلة عن جريمة عند قبوله ايداع اموال قذرة لديه . أولا : متى يمكن اعتبار البنك مساهما في جريمة غسيل الاموال ؟ إن قيام البنك بايداع الاموال القذرة لديه مع علمه بمصدرها وانها اموال ناتجة عن نشاط جرمي يكفي للقول بان البنك مساهم في تيسير غسيل الاموال ، وبالتالي مساهمته في الجريمة الاصلية التي نتجت عنها تلك الاموال ولكن البعض يعتقد انه ليس شرطا ان يكون البنك على علم بعدم مشروعية هذه الاموال وقد يكون هذا صحيحا ولكن توفر الظروف الموضوعية التي تحيط بعملية الايداع أو التحويل او غيرها يجب ان تجعل من الممكن التوصل الي الاشبتاه على الاقل بان العملية المصرفية مثيرة للريبة . وعليه وخوفا من الوقوع تحت طائلة المسؤولية فانه يتعين علي البنوك اتخاذ التدابير الوقائية المعقولة للتحقق من هوية الاشخاص المتعاملين معها في كافة العمليات المصرفية خاصة وان معظم هذه العمليات تبنى علي الثقة والاعتبارات الشخصية ، كذلك فعلي البنوك ابلاغ الجهات المختصة في حال الاشتباه باية عمليات مشكوك بها ، وفي حال لم يقم البنك بالابلاغ في الوقت المناسب فانه يمكن تحميله المسؤولية القانونية واعتباره شريكا او مسؤولا من الناحية الجنائية(1) . ولكن الذي يحصل فعليا هو ان البنوك تلجأ الى اخفاء المعلومات عن الجهات المختصة مستغلة بذلك مبدأ السرية المصرفية وذلك خوفا من المسائلة القانونية من قبل العميل في حال تبين ان شكوك البنك لم تكن في محلها اضافة الى محاولة البنك الحفاظ على سمعته وثقة العملاء فيه . ويرى البعض انه من الصعب اعتبار البنك مساهما في الجريمة بالتحريض والاتفاق الجنائي بينما يمكن اعتباره مساهما في صورة المساعدة بما يقوم به من تزويد العميل بالوسيلة التي تسير له جني ثمار الجريمة . اما البعض الاخر فيذهب للاعتقاد انه من الصعوبة كذلك اعتبار البنك مساهما في جريمة غسيل الاموال حتى في صورة المساعدة وذلك للاسباب التالية : أ – ان فعل المساهمة الجنائية يجب ان يكون سابقا او على الاقل معاصرا للجريمة الاصلية ومن هنا يصعب القول ان فعل البنك يشكل مساهمة في الجريمة ذلك ان الجريمة الاصلية تقع قبل استلام البنك للاموال القذرة ، أي انه لا يمكن اعتبار نشاط البنك سببا منشئا للجريمة الاصلية . اما إذا اعتبرنا العملية البنكية نوعا من التواطؤ مع مرتكب الجريمة فان هذا التواطؤ لا يمكن ان يرقى الى مستوى كونه سببا في الجريمة ، خاصة وانه مجرد تامين لثمار الاموال المتحصلة عن الجريمة . ب- لما كانت المساهمة الجنائية تقتضي من المساهم اتخاذ فعل ايجابي ، فانه من الصعب القول بان البنك ومن خلال امتناعه عن تحري مصدر الاموال المشبوهة قد ساهم مساهمة مباشرة في الجريمة اضافة الى ان اخفاق البنك في التحري عن مصدر الاموال المشبوهة لا يكفي لاعتباره شريكا او مساهما في الجريمة الاصلية التي نتجت عنها تلك الاموال خاصة وان سلوك البنك لم يكن مؤثرا في نشأة الجريمة وانما توقف عند آثارها . ثانيا : متى يمكن اعتبار البنك مرتكبا لجريمة اخفاء اشياء متحصلة عن جريمة عند قبوله ايداع الاموال القذرة لديه . يتجه البعض الى اعتبار البنك الذي يقوم بقبول ايداع اموال وهو علي علم بمصادرها غير المشروعة انما يعتبر مرتكبا لجريمة اخفاء اموال متحصلة عن جريمة .(1) اما البعض الاخر فيخالف هذا التوجه باعتبار ان البنك الذي يقبل ايداع هذه الاموال انما لا يتجاوز دوره تسجيل العملية المصرفية للعميل حتى لو كان منتفعا بالاموال المودعة لديه ، فالبنك الذي يقبل الودائع لا يحوزها باسمه بل تظل هذا الاموال مودعة باسم العميل ومملوكة له، فهو حائز للاموال المودعة لديه بموجب عقد الوديعة مع العميل وان خالف التزاماته العقدية اعتبر مرتكبا لجريمة خيانة الامانة . ولكن هذا التحليل براينا لا يتفق مع المنطق والاصول القانونية وخاصة مع قوانين التجارة اذ انه من المسلم به ان الوديعة تنتقل الى ملكية البنك بمجرد ايداعها لديه وله الحق بالتصرف بها كما يشاء الى ان ياتي موعد استحقاقها او عندما يطلب احد طرفي العقد ( عقد الوديعة ) فسخ العقد اضافة الى ان البنك وكما سبق ان ذكرنا يعتبر منتفعا من تلك الاموال ناهيك عن ان البنك يكون مسؤولا عن تلك الاموال في حال فقدانها لاي سبب كان . براينا وبناء على ما تقدم فان البنك يبقي مسؤولا مسؤولية جزائية عن احتفاظه بمثل هذه الاموال في حال علمه بمصدرها - ذلك اذا كانت النصوص المعمول بها في بلد البنك تجرم مثل هذا العمل - خاصة وان هذه الجريمة عمدية ولا تقع بمجرد الاهمال . الفصل الرابع : اهدار السريه المصرفية في سبيل مكافحة غسيل الأموال تمهيد : ان هناك توجها دوليا قويا نحو الغاء السريه المصرفية في التعاملات البنكية لمنع عمليات تمويل الارهاب وغسيل الاموال وغيرها من الجرائم الاقتصادية (1) . وسوف نتعرض في هذا الفصل إلى هذه الجهود الدولية والاقليمية والعربية لاهدار مبدأ السرية المصرفية في سبيل مكافحة غسيل الاموال ، ولتنسيق الجهود حتى لا يتعارض هذا المبدأ مع مكافحة غسيل الاموال ، وايضا توفير الحماية للبنوك من تجريمها بافشاء السر المصرفي اذا هي ادلت بمعلومات عن الحسابات المشبوهه لديها، ومن ثم سوف نتطرق لموقف المشرع الاردني والجهود التي اتخذها . المبحث الأول : الاتفاقات والقرارات الدولية والاقليمية ادراكا من المجتمع الدولي للاثار السلبية لظاهرة غسيل الاموال على الاقتصاديات الوطنية وعلى الاقتصاد بصفة عامة ، فلقد توالت وتواصلت الجهود الدولية من اجل الحد من هذه الجريمة والعقاب عليها وضبط المنحرفين الذين يسهمون فيها ، والحد من مبدأ السرية المصرفية من اجل كشف هذه الجرائم ومرتكبيها . ويمكن القول ان عام 1988 يمثل سنة الارتكاز بالنسبة للجهود الدولية في حقل مكافحة غسيل الاموال مع العلم ان الاهتمام بهذا الموضوع قد بدأ قبل هذا التاريخ ، ولكنه بقي ضمن اطار البحث العلمي ورسم الخطط وبناء الاستراتيجيات دون أن يصل إلى اطار دولي لحشد الجهود في المكافحة . أما ابرز الجهود الدولية التي بذلت في هذا الخصوص فهي : أولا : اتفاقية الامم المتحدة لعام 1988 أو ما يعرف باتفاقية فينا : تتعلق هذه الاتفاقية بالاتجارغير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية وقد تم اقرارها بتاريخ 20/12/1988 ( أصبحت نافذة عام 1990 ) والتي تلزم الأطراف المنضمة اليها باضفاء الصفة الجرمية على مجموعة من الاعمال التي تستهدف اخفاء المصدر الجرمي للأموال والتستر على حركتها ووضعها ومالكها ، وكذلك على تسهيل التعاون القضائي والاداري وتبادل المتهمين بين الدول الأعضاء ولعل هذه الاتفاقية هي الاهم بين اتفاقات الامم المتحدة حيث أنها فتحت الأنظار على مخاطر أنشطة غسيل الأموال المتحصلة عن تجارة المخدرات وآثارها المدمرة على النظم الاقتصادية والاجتماعية للدول ، كما جسدت قناعة المجتمع الدولي بأهمية تعاونه في مكافحة غسيل الاموال الناتجة عن الجرائم المذكورة كذلك فقد ساعدت هذه الاتفاقية على بناء الاستراتيجيات الجديدة التي تقضى بحرمان المجرمين من ثمار جرائمهم بغية تجريدهم من المحرك الأساسي لنشاطهم الجرمي، الا وهو قدراتهم المالية . وقد تطرقت هذه الاتفاقية اساسا إلى : •الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية . •الأموال الناشئة عن هذه الجرائم . •الاحكام التأسيسية لجريمة غسيل الاموال. •الاشخاص المقصودين بجريمة غسيل الاموال(1) . ويلاحظ المطلع على هذه الاتفاقية ان مصطلح " الأموال " الذي ورد فيها شمل الأموال بكافة أشكالها المادية وغير المادية ، المنقولة وغير منقولة ، الملموسة وغير الملموسة والمستندات القانونية او الصكوك التي تثبت تملك تلك الاموال او أي حق متعلق بها ، أي ان الاتفاقية شملت نتاج العقل البشري ( الحقوق الادبية والفنية والفكرية والاختراعات الصناعية ) بالأموال التي قد تنتج عن الجرائم كما أنشأت هذه الاتفاقية موجب تجريم غسيل الأموال الناتجة عن الاتجار بالمخدرات وسهلت من اجراءات التعاون القضائي والاداري بين الدول ، اضافة إلى تبادل المتهمين بينها . أما فيما يتعلق بالأشخاص المقصودين بجريمة غسيل الأموال فان أحكام الاتفاقية تشمل جميع أولئك الذين وصل إلى عملهم وعرفوا مصدر الاموال غير المشروعة ، كما وحضت على انزال العقوبات المناسبة بمرتكبيها . ثانيا : فريق العمل المالي الدولي (2) ( FATF ) : إلى جانب جهود الامم المتحدة وبعد عام واحد تقريبا تاسس اطار دولي لمكافحة غسيل الأموال وهو فريق العمل المالي الدولي او ما يسمى بالمجموعة الدولية للعمل المالي (FATF) FINANCIAL ACTION TASK FORCE )) وهي منظمة نشأت عن اجتماع الدول الصناعية السبع الكبرى وقد فتحت هذه المنظمة عضويتها للدول الراغبة بالانضمام وتهدف المنظمة إلى تحديد انشطة غسيل الاموال وذلك من خلال الخبراء ولجان الرقابة ، وبالفعل اخذت تكشف عن اوضاع تصدرها وتحظى باهتمام الجهات الحكومية والتشريعية في مختلف دول العالم . ففي تقريرها لعام 2000 مثلا نشرت المنظمة قائمة بالدول غير المتعاونة في ميدان مكافحة غسيل الأموال وعددها 15 دولة من بينها دولة عربية واحدة هي لينان والتي بدورها تقدمت باعتراض على وضعها ضمن هذه القائمة السوداء . كما وقامت المجموعة باصدار تقرير من اربعين توصية وزع على اربعة اقسام ، وأهم ما انطوت عليه هذه التوصيات فـكان : 1 - ضرورة أن تتخذ كل دولة الاجراءات اللازمة ، بما فيها التشريعية لاعطاء الصفة الجرمية لفعل غسيل الاموال ( التوصية الرابعة ) . 2 - تعديل نصوص قوانين السرية المصرفية على وجه يسهل ملاحقة جرم غسيل الاموال الملوثة . 3 - وضع توصيف موحد للمؤسسات المالية غير المصرفية التي يمكن استعمالها في غسيل الاموال الملوثة . 4 - اتخاذ ترتيبات لمصادرة الاموال المغسولة ومردودها والوسائل المستخدمة في غسيلها ( التوصية الثامنة ) . 5 - التزام المصارف بعدم فتح حسابات مجهولة الهوية او باسماء وهمية ( التوصية الثانية عشرة ) والتحق من هوية الزبائن الذين يرغبون في فتح حسابات لمصلحة الغير (التوصية الثالثة عشر ) والاحتفاظ لمدة خمس سنوات على الاقل بالقيود والسجلات وسائر المستندات المتعلقة بالعمليات التي جرت على هذه الحسابات داخل البلاد او مع الخارج بشكل يجعل المصارف قادرة بسرعة على تلبية أي طلب معلومات يردها عند اللزوم من السلطات المختصة (التوصية الرابعة عشرة) 6 - الانتباه إلى العمليات المعقدة الهامة المشبوهة وغير العادية التي تجري بواسطة الحسابات المفتوحة وغير المبررة بسبب اقتصادي مشروع ( التوصية الخامسة عشرة ) . 7 - ان يسمح للمؤسسة المالية اعداد تقرير عن هذه العمليات والابلاغ إلى هيئات الرقابة الرسمية داخليا وخارجيا او حتى الزامها بذلك ( التوصية السادسة عشرة ) . 8 - اعطاء المصرف الخيار بين اقفال الحسابات حتى لا تثار أي مسؤولية بحقه او اعلام السلطات المختصة بشكوكه بحيث يتم في هذه الحالة الاخيرة اعفاء المصرف وموظفيه من أي مسؤوليته عن افشاء السر بعض النظر عما اذا كان موجب السر هذا عقديا او مهنيا او قانونيا . 9 - التزام المصارف والمؤسسات المالية بوضع برامج لمكافحة عمليات غسيل الأموال تتضمن فيما تتضمن تدريب وتأهيل الموظفين لديها ( التوصية العشرون ) . 10- دراسة العمليات النقدية والتبليغ عنها عندما تتجاوز مبلغا محددا ( التوصية الرابعة والعشرون ) 11 - التشديد على التزام المصرف بعدم اطلاع أي زبون تكونت لديه شكوك عن حركة حسابه بطبيعية هذه الشكوك ولا تنبهه السلطات المختصة بشأنها ، ضمانا لفعالية الاجراءات التحفيظ والقانونية التي ستتخذ لاحقا . 12 - منح المصارف اختصاص تجميد الحسابات التي تبلغها السلطات الرسمية المختصة عدم سلامتها حتى لا يحصل تهريب لارصدتها قبل اصدار القرار القضائي بحجزها او بوضع اليد عليها . 13 - التشدد في مراقبة العلميات والتحويلات المالية التي جرت مع مصارف ومؤسسات مالية مقيمة في بلاد ذات تشريع وتنظيم مالي متساهل غالبا ما يستغلها اصحاب الأموال الملوثة لشراء أو تأسيس شركات فيها لتكون بمثابة صناديق رسائل في اعادة توظيف الأموال بطريق مشروعة في الاسواق المالية العالمية . 14 - قيام الهيئات الدولية بجمع المعلومات المتعلقة بتطور عمليات الغسيل والتقنيات المستعملة فيها وتوزيعها على السلطات المختصة ( التوصية الواحدة والثلاثون ) . 15 - تبادل المعلومات بين الدول بصورة تلقائية أو عند الطلب ( التوصية الثانية والثلاثون ) . دراسة امكانية اتخاذ افضل الاجراءات التي توفر رقابة مثمرة على انتقال رؤوس الاموال عبر الحدود . 17 - تكليف لجان الرقابة على المصاريف بالتدقيق بوجود نظام فعال لمراقبة غسل الاموال لدى المصارف التي تراقب اعمالها وتقديم التوجيهات والمساعدة عند الاقتضاء لهذه المصارف . 18 - تضمين الاطار التنظيمي لعمل كل من المؤسسات المالية غير المصرفية احكاما تجنبها الاشتراك او التورط في عمليات غسل الاموال الوسخة . 19 - تفعيل دور السلطات المعينة (المصارف المركزية ـ الانتربول ) في جمع المعلومات حول المستجدات التقنية في عمليات الغسيل وتزويد المصارف والمؤسسات المالية بها مع التوضيحات العائدة لكيفية محاربتها والتصدي لها . وتحت وطاة هذه الاتجاهات الدولية المتعاظمة الحجم والتاثير يوما بعد يوم وفي سبيل التصدي للخطورة المتصاعدة للانشطة الجرمية المنظمة ، استجابت العديد من الدول في تشريعاتها الداخلية ووسعت من دائرة التجريم حتى يصبح ممكنا ان يطال العقاب مختلف انواع تلك الانشطة . ثالثا : اعلان ستراسبوغ . في العام 1990 ظهرت الاتفاقية الاوروبية (اعلان ستراسبورغ ) المتعلقة باجراءات التفتيش والضبط الجرمي لغسيل الأموال والتي حددت الاطار الدولي للتعاون في حقل مكافحة الانشطة الجرمية لغسيل الاموال ومثلت الاطار القانوني الارشادي للبرلمات الاوروبية ، وقد صدر عن هذه الاتفاقية دليل الحماية من استخدام النظام المالي في انشطة غسيل الاموال لعام 1991 والذي يهدف إلى وضع اطار قانوني لجهات مكافحة غسيل الاموال وقد جرى تطبيق محتواه في العديد من التشريعات الاوروبية مثل قانون العدالة الجنائية البريطاني لعام 1993 . رابعا : توصيات بازل ( اعلان بازل ) : صدرت توصيات بازل عام 1988 عما يعرف بمجموعة العشرة ( وهي البنوك المركزية وبعض المؤسسات المالية ذات الطابع الاشرافي ) التي اجتمعت في بازل بسويسرا ، حيث تضمنت هذه التوصيات العديد من المبادئ التي يتعين على المصرفيين اتباعها لكي يتم السيطرة على ظاهرة غسيل الاموال بل ومنع استخدام البنوك كوسيلة لتسهيل اخفاء او تنظيف الاموال . خامسا : قرار مجلس الامن رقم ( 1373) : أن هذا القرار جاء خاصا بمكافحة الارهاب وتجميد اموال المنظمات الارهابية والذي اتخذه المجلس في جلسته رقم 4385 والمعقود بتاريخ 28/9/2001 على اثر هجمات 11 ايلول 2001 التي وقعت في نيويورك وواشنطن العاصمة وبنسلفانيا في الولايات المتحدة الامريكية وهذا القرار صدر بموجب الفصل السابع من الميثاق . واكد هذا القرار في متنه على الصلة الوثيقة بين الارهاب الدولي والجريمة المنظمة عبر الوطنية والاتجار غير المشروع بالمخدرات وغسل الاموال . كما طالب هذا القرار جميع الدول بالقيام بدون تاخير بتجميد الاموال واي اصول مالية او موارد اقتصادية لاشخاص برتكبون اعمالا ارهابية او يحاولون ارتكابها او يشاركون في ارتكابها ، كما حظر هذا القرار على رعايا جميع الدول او على أي أشخاص او كيانات داخل أراضيها إتاحة أي أموال او أصول مالية او موارد اقتصادية او خدمات مالية او غيرها بصورة مباشرة او غير مباشرة للأشخاص الذين يرتكبون أعمالا إرهابية او يحاولون ارتكابها او يسهلون او يشاركون في ارتكابها . اما عن مدى إلزامية هذا القرار للدول الأعضاء في الأمم المتحدة فنجد بان هذه الدول ملزمة باتباع ما جاء في هذا القرار ، حيث ان مجلس الأمن وهو جزء من ميثاق الأمم المتحدة والتي وقعت جميع الدول – باستثناء سويسرا – وانضمت اليه وهي بمعني آخر معاهدة دولية تلزم جميع الدول الموقعة عليها بالتقيد بأحكامها . كما ان هذا القرار صدر بموجب الفصل السابع من الميثاق وقد نصت المادة 39 من هذا الفصل علي ان مجلس الأمن يقرر ما يجب اتخاذه من التدابير لحفظ السلم والأمن الدوليين ونص في المادة 41 ان لمجلس الأمن ان يطلب الى أعضاء الأمم المتحدة تطبيق هذه التدابير . سادسا : الجهود العربية في مكافحة غسيل الأموال : ما زالت الجهود الاقليمية العربية لمكافحة غسيل الاموال محدودة ، نظرا لان التقدم في هذا المجال على المستوى الاقليمي اقل مما هو على المستوى الدولي ، وتتمثل هذه الجهود بـ : 1 - المؤتمر العربي الثامن لرؤساء اجهزة مكافحة المخدرات ، المنعقد عام 1994 والذي صدرت عنه توصيات بضرورة التنسيق بين المؤسسات المالية والاجهزة الامنية في البلدان العربية للتعرف على الاساليب والحيل المستخدمة في عمليات غسيل الاموال المتأتية من الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية مع مراعاة وضع القواعد والاجراءات اللازمة لمحاربة هذه الجريمة في ضوء التجارب العربية والدولية بهذا الشان . 2 - المؤتمر العربي التاسع لرؤساء أجهزة مكافحة المخدرات المنعقد في تونس عام 1995 والذي تطرق الى منع غسيل الاموال وفرض الرقابة على الكيميائيات والعقاقير المخدرة وتطبيق اهم ما جاء في اتفاقية فينا للعام 1988 كآليات واساليب مبتكرة للتصدي لجرائم الاتجار غير المشروع بالمخدرات 3 - الاجتماع التاسع لرؤساء الاجهزة الوطنية المعنية بانفاذ قوانين العقاقير المخدرة عام 1999 والذي اقترح توسيع نطاق غسيل الاموال لتشمل بالاضافة الى الاموال القذرة الناتجة عن المخدرات كافة الجرائم الخطيرة والتي ترتكب سعيا وراء الربح المادي . المبحث الثاني الوضع في التشريع الاردني بالنظر الى المقاييس العالمية فان الاردن يعد من الدول النظيفة بالنظر الى نسب ارتكاب جرائم الاتجار غير المشروع بالمخدرات او الاسلحة او النقد المزور او غسل الاموال او تجارة الرقيق ، والاردن لا ينتج ولا يصنع المواد المخدرة او الاسلحة على الاطلاق الا انه يعاني علي الرغم من ذلك من المشكلة كونه معبرا تمر من خلاله المواد المخدرة والاسلحة المهربة خلال انتقالها من مصادرها الاصلية الى وجهتها النهائية . ولم تكن فكرة غسيل الاموال او تجريم عمليات غسيل الاموال لتخطر ببال احد في الاردن في فترة من الفترات التي كان الاردن فيها شانه شان الكثير من الدول النامية يجتهد في محاولاته جذب الاستثمارات الاجنبية الى البلاد للنهوض بالسوية الاقتصادية فيها وهذا امر كانت تحتمه ضرورات الظروف الاقتصادية محليا واقليميا وعالميا . وكان لمحاولات جذب الاستثمار ، انعكاسات سلبية من ضمنها ورود الكثير من رؤوس الاموال القذرة المستمدة من النشاطات غير المشروعة ، ويقاس هذا الحال علي الكثير من الدول النامية في العالم ، لذا ما كنا نجد في فترة سابقة في أي من هذه الدول تشريعا يحد من ادخال او تحويل رؤوس الاموال الى أي منها او يضع سقفا من الرقابة علي مصادر الاموال الواردة المحولة والكيفية التي تم اكتسابها بها . في مجموعة التشريعات الاردنية هناك قوانين تتعامل مع الجرائم التي ينتج عنها اموال غير مشروعة وتعالج كيفية التعامل مع هذه الاموال ولو كان هذا بصورة غير مباشرة . اولا : قانون المخدرات والمؤثرات العقلية : لقد تنبه المشرع الى تفشي ظاهرة الاتجاه غير المشروع بالمواد المخدرة والمؤثرات العقلية والى الاثار السلبية التي تعكسها هذه الظاهرة على بنية المجتمع ، واصدر المشرع القانون رقم (11) لسنة 1988 باسم (قانون المخدرات والمؤثرات العقلية ) ، وبدأ العمل بهذا القانون في 17/4/1988 . وقد تضمن نصوص هذا القانون النص على تجريم مجموعة من الافعال التي عدها المشرع ذات صلة بعملية الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية . كما أن المشرع اتجه الى محاربة هذه الظاهرة من جانبها الاقتصادي من خلال عدم الاكتفاء بمصادرة المواد المخدرة المضبوطة بل مصادرة الاموال التي نتجت عن الاتجار غير المشروع بها 0 وقد ترجم المشرع هذا التوجه في نص المادة 15 من القانون مناط الحديث التي ورد بمتنها : أ – يحكم بمصاردة المواد المخدرة والمؤثرات العقلية والنباتات التي تنتج عنها مواد مخدرة او مؤثرات عقلية وبذورها والاجهزة والالات والاوعية ووسائل النقل المستخدمة في ارتكاب الجريمة وذلك دون اخلال بحقوق الغير من حسني النية . ب- للنيابة العامة ان تحقق في المصادر الحقيقية للاموال العائدة للاشخاص الذين يرتكبون الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون للتأكيد فيما اذا كان مصدر هذه الاموال عائدا لاحد الافعال المحظورة بموجبه وللمحكمة ان تقرر القاء الحجز عليها ومصاردتها . وعانى المشرع الاردني من بعض القصور في نص المادة 15/ب من القانون ، ذلك انها تعطي الحق للمحكمة بالتحفظ على الاموال الناتجة عن الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية الا انها لا تنصرف الى الاموال المستمدة من مصارد اخرى اغير مشروعة 0 كما انها ومن جانب آخر لا تتيح الفرصة للتحقيق في امر أموال يحوزها شخص ما ويشتبه في طبيعة مصادرها ، اذ لا يسمح بممارسة صلاحية التحقيق في مصادر الاموال التي يحوزها هذا الشخص الا في ظل وجود قضية قيد التحقيق موضوعها الاتهام بالاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية ، ولا تستطيع النيابة العامة في هذه الحالة ممارسة هذه الصلاحية دون وجود قضية بهذا الموضوع ، ولا نجد في مجموع التشريعات الاردنية النافذة نصوصا قانونية تعطي الحق لاية جهة بالمساءلة في طبيعة المصادر التي يستمد منها هذا الفرد او ذلك امواله او بملاحقته في حال ثبوت عدم مشروعية هذه المصادر ، فيما عدا مصدر الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية . ثانيا : قانون البنوك : دعما للجهود المحلية والاقليمية والعالمية لمكافحة عمليات غسيل الاموال وفي ظل التطورات التكنولوجية التي تلحق بالصناعة المصرفية محليا وعالميا والتي تتيح طرح تنوعات في اساليب ووسائل غسيل الاموال وحرصا من المشرع الاردني والجهات القائمة على تفعيل وانفاذ التشريعات التي تنظم عمل القطاع المصرفي ودعما للجهود المحلية والاقليمية والعالمية في مجالات مكافحة هذه الظاهرة والحد منها فقد استصدر البنك المركزي الاردني وبمقتضى احكام المادة 93 و 99/ب من قانون البنوك الاردني رقم 28 لعام 2000 ونصوص قانون مراقبة اعمال الصرافة رقم 26 لعام 1992 التعليمات رقم 10 لسنة 2001 بعنوان ( تعليمات مكافحة عمليات غسيل الاموال ) (1) 0 وهذه التعليمات هي اولى البوادر التي تطفو من اعماق الاستراتيجية الاردنية الوطنية في مجال مكافحة ظاهرة غسيل الاموال على المستوى التشريعي ، ويبدو انها اصدرت على صورة تعليمات حتى يسهل تعديلها وفقا لمقتضيات الحاجة . ونظرا لكونها بادرة ولاهمية هذه التعليمات وحداثة الموضوع فاننا نعرض بشكل موجز الى ما ورد بهذه التعليمات و من النقاط التالية : 1 - من حيث نطاق تطبيق هذه التعليمات : تخاطب هذه التعليمات باحكامها جميع البنوك والمؤسسات المصرفية التي تعمل عمل البنوك على اراضي المملكة الاردنية الهاشمية وفروع هذه البنوك والمؤسسات المصرفية في الخارج كما تسري هذه التعليمات على البنوك التابعة للبنوك الاردنية (البنوك المراسلة بالمصطلح التجاري الشائع ) بالقدر الذي يتسنى فيه تطبيق مضامين هذه التعليمات عليها ، وبالقدر الذي لا تتعارض فيه هذه التعليمات مع احكام التشريعات والقوانين السارية في البلدان التي تقع فيها هذه البنوك التابعة . كما تسري احكام هذه التعليمات على الشركات والمؤسسات التي تتعاطى باعمال الصرافة في الاردن وذلك بالقدر المتعلق بالاعمال المرخص لها التعامل بها وفقا لاحكام قانون اعمال الصرافة رقم 26 للعام 1992. 2- من حيث الاشخاص المخاطبين باحكام هذه التعليمات : تشمل الاحكام المقررة بهذه التعليمات في تطبيقها كافة الاشخاص الطبيعيين والاعتباريين على وجه السواء بما في ذلك الجمعيات الخيرية والتعاونية وما في حكمها 0 وقد بينت احكام هذه التعليمات مجموعة من الواجبات التي يجب ان يتوخى البنك او المؤسسة المصرفية اتباعها في مراقبة اية عمليات يشتبه ان الغاية منها هو غسيل الاموال ابتداء من مرحلة فتح الحساب لدى البنك او المؤسسة المصرفية . 3- من حيث الواجبات التي القتها التعليمات على عاتق البنوك والمؤسسات المصرفية في مراقبة الحسابات والتعاملات البنكية والمصرفية ضمانا لمنع تورطهــا في عمليات غسيل اموال : أوردت التعليمات مدار البحث في متونها مجموعة من الواجبات القانونية التي يستوجب على البنوك والمؤسسات المصرفية المخاطبة بأحكامها اتباعها في اثناء ممارسة اعمالها ، والغاية من الزامها بهذه التعليمات هو منع تورطها وملاحقتها بالنتيجة بجرم غسيل الاموال . ويمكن استعراض مجموع هذه الالتزامات القانونية عبر حزمة التعاملات والاجراءات المصرفية فقد القت التعليمات رقم 10 لسنة 2001 التزاما على عاتق البنوك والمؤسسات المصرفية بالتحقق والتثبت من الهوية الحقيقية لطالب فتح الحساب المصرفي لديها ، ويبقى هذا الالتزام قائما على عاتقها سواء كان طالب فتح الحساب شخصا طبيعيا او اعتباريا ، فيمنع على البنوك والمؤسسات المصرفية ان تقوم بفتح الحسابات المصرفية لديها للاشخاص الطبيعيين الا بعد ان تطلع على أي من الوثائق المعتمدة لغايات اثبات الهوية ، وعليها في الوقت ذاته ان تثبت اسم وعنوان طالب فتح الحساب ومحل اقامته الحالي ومحل عمله وطبيعته ، واذا كان الشخص يقيم خارج المملكة فعلى البنك او المؤسسة المصرفية اثبات عنوان اقامته . اما فيما يتعلق بالاشخاص الاعتباريين فعلى البنك او المؤسسة المصرفية التحقق من الكينونة القانونية للاشخاص الاعتباري من خلال طلب ابراز الوثائق الرسمية القانونية التي تؤكد وجوده وكيانه القانوني ، وتتمثل هذه الوثائق على سبيل المثال لا الحصر بشهادات التسجيل الصادرة عن وزارة الصناعة والتجارة او شهادات التسجيل في الغرف الصناعية والتجارية فيما يتعلق بالشركات ، والحصول على قائمة باسماء وعناوين المساهمين الذين يملكون 5 % فاكثر من راس مال الشركات المساهمة العامة ، والشهادات التي تصدر عن وزارة الداخلية فيما يتعلق بالجمعيات الخيرية والتعاونية او ما يشابهها . من جانب آخر حظرت التعليمات على البنوك والمؤسسات المصرفية العاملة فتح الحسابات باسماء الاشخاص او الشركات الوهمية ، او فتح الحسابات بالمراسلة لاشخاص يقيمون خارج المملكة ولو كانت اقامتهم هناك بصورة مؤقتة (1) ، كذلك فقد اوجبت هذه التعليمات على البنك او المؤسسة المصرفية التحقق والتثبت من هوية الاشخاص المودعين الذين ليس لهم حسابات في ذلك البنك او المؤسسة المصرفية ، ويرغبون باجراء ايداعات او تحويلات نقدية الى خارج المملكة تزيد قيمتها على عشرة آلاف دينار اردني او ما يعادلهــــا من العملات الاجنبية ايا كانت (2) . كما طلبت هذه التعليمات من البنوك والمؤسسات المصرفية التنبه وبذل العناية القصوى في حالات ترتبط بالقيام بمجموعة من الاجراءات والاعمال المصرفية مثل : •طلب تسهيلات مصرفية لقاء حجز ودائع . •تأجير صناديق الامانات . •لدى تحصيل شيكات اطراف ثالثة غير معروفة خارج المملكة . •عند طلب تنفيذ عمليات مصرفية او صفقات معقدة او كبيرة ، خصوصا اذا اقترن تنفيذها بتعاملات غير عادية او تعاملات توفر الشك بان المقصود من وراء هذه العمليات ليس ماليا فقط ، والاعمال المرتبطة بنشاطات الحسابات الخارجية ( of Shore ) ، والاعمال المرتبطة بشخوص معنوية وهمية غير موجودة او غير مسجلة او هناك شك في تسجيلها اصوليا . •عمليات شحن النقد غير المسجلة اصوليا (1) .ويؤخذ على تعليمات رقم 10 لعام 2001 هنا استعمالها لعبارة ( التنبه وبذل العناية الخاصة ) ، فماذا توخى المشروع من استعمال هذه العبارة ؟؟؟ وما هو المعيار واجب الاعتماد لتحديد فيما اذا كان البنك او المؤسسة المصرفية قيد المسائلة قد تنبه وبذل العنابة الخاصة ؟؟ كما يتوجب على البنوك والمؤسسات المصرفية المخاطبة باحكام هذه التعليمات ان تطور انظمة معلومات متكاملة تثبت فيها جميع المراسلات التي يجري تبادلها بخصوص التعاملات البنكية اللافتة ـ وهنا يرجع المشروع الكريم الى عمومية العبارات وعدم دقتها ووضوحها ، فما هو المقصود تماما بالتعاملات المصرفية اللافتة ؟؟ وما هو المعيار هنا حتى تعتبر هذه العملية المصرفية لافتة للنظر دون غيرها ؟؟ ـ وهذا من حيث المبدأ ـ ، وبصدد التعاملات المصرفية التي تزيد قيمتها على 10 الآف دينار او ما يقابها من العملات الاجنية ايا كانت حتى ولو لم تطرق الشبهة الباب بخصوصها (2) وهذا من باب الالزام القانوني الصريح . ويتوجب على الموظفين والاداريين القائمين على تسيير اعمال البنك او المؤسسة المصرفية وفي حالة الاشتباه او اكتشاف أي عملية تتضمن غسيل الاموال من باب الالزام القانوني ان يقوموا باجراء التبليغ عن هذه المعاملة ، حيث يتوجب على البنك او المؤسسة المصرفية اشعار البنك المركزي فورا ، والامتناع من طرفة عن تنفيذها اذا لم يكن قد نفذها بعد . وفي حال اشتبه ان تعاملا بنكيا معينا ينطوي على عمليات غسيل اموال ، وجرى التحقيق بشأنه وتبين بعد ذلك مشروعية هذه الاموال ، فيتعين على البنك او المؤسسة المصرفية دفع الفوائد للعميل الذي تم تجميد امواله لحين الانتهاه من التحقيق بشانه عن فترة التجميد ، وهذا جانب من الضمانات التي تقررها التعليمات كضمان للمتعاملين من جانب وكقيد على البنوك والمؤسسات المصرفية ليتم فعليا التأكيد من العمليات المصرفية والتحقق بصورة جازمة انها ترتبط بغسيل الاموال لا ان يتم هذا الاجراء بصورة جزافية (1) 0 كما فرضت التعليمات - مدار البحث – على البنوك والمؤسسات المصرفية وضع اجراءات داخلية فيها لتحقيق الغاية المرجوة وهي مكافحة هذه الظاهرة ، بحيث تشتمل هذه الاجراءات على تطوير سبل الرقابة للتعرف على محاولات القيام بغسيل الاموال ، وتطوير البرامج التدريبية المستمرة للموظفين المعنيين باستلام النقد من العملاء واجراء الايداعات والتحويلات النقدية ومراقبة الحسابات المصرفية وذلك للوقوف بهم على اهم المستجدات في مجال غسيل الاموال ، مما سيطور قدراتهم على التعرف على هذه العمليات وانماطها والكيفية التي تتم بها (2) 0 وجدير بالملاحظة ان المشرع قد ارفق بهذه التعليمات دليل ارشادات تم وضعه للمساعدة في التعرف على عمليات غسيل الاموال وللاطلاع على الانماط التي تتم من خلالها . ولكن التساؤل الذي يطرح نفسه هنا ، هل تكفي هذه التعليمات والمواد لمكافحة جريمة غسل الاموال التي تهدد الاقتصاد الاردني كما تهدد غيره من الاقتصاديات العالمية ؟ مع دخول الاردن الى مرحلة الانفتاح الاقتصادي والعولمة من خلال اتفاقيات التجارة الحرة وتأسيس المناطق الصناعية والتجارية الحرة فقد اصبحت الاعين تتجه اليه من قبل غاسلي الاموال الذين تغريهم قوانين تشجيع الاستثمار والتسهيلات التي تمنحها هذه القوانين وخاصة في مجال الاعفاءات الضريبية ، اضافة الى السرية المصرفية المشددة التي قد تجعل من الاردن جنة مالية بالنسبة لعصابات غسيل الاموال . وعليه فان الحاجة تبرز اكثر من اجل تعديل القوانين وايجاد التشريعات الخاصة لمكافحة جرائم غسيل الاموال من حيث تجريم غسلي الاموال والمشترك والمساعد ومصادرة الاموال الناتجة عن عمليات الغسيل . كما تبرز الحاجة الى تفعيل دور اجهزة الرقابة والجهات المعنية بمكافحة الجريمة والفساد المالي والاداري ووضع تشريعات الالزمة لهذه الاجهزة بحيث لا تصطدم بالتشريعات الاخرى ، كالسرية المصرفية والتي غالبا ما تعيق عمليات التحقيق وجمع المعلومات التي تقوم بها هذه الاجهزة . بالاضافة الى ضرورة منح العاملين في هذه الاجهزة صفة الضابطة العدلية بحيث تمكنهم من القيام بدورهم كاجهزة رديفه للقضاء . ثالثا : عدم وجود تشريع خاص بمكافحة غسيل الاموال وبالسرية المصرفية : ان المشرع الاردني ولغاية الان لم يسن قانون خاص لمكافحة غسيل الاموال ولا قانون خاص بالسرية المصرفية اسوه بباقي التشريعات العربية ومثالها لبنان والذي اصدر قانون خاص بالسرية المصرفية في 1956 وقانون خاص بمكافحة غسيل الاموال في عام 2002 وكذلك مصر والذي اصدر قانون مكافحة غسيل الاموال رقم 80 لسنة 2002 وقانون السرية المصرفية رقم 205 لسنة 1990 المعدل بالقانون رقم 97 لسنة 1992 . وعلى الرغم من ذلك ومن اجل سد النقص التشريعي في هذه الحالة ومن اجل ازالة التعارض بين السرية المصرفية ومكافحة غسيل الاموال ، فان على القاضي الاردني وفي حالة عرض نزاع عليه في هذه الحالة الالتجاء الى المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي انضمت اليها الاردن والتي تكافح غسيل الاموال وتوجب على المؤسسات المالية إهدار السرية المصرفية والادلاء بمعلومات عن الحسابات المشبوهة ، ومن امثلة هذه الاتفاقات اتفاقية فينا لعام 1988 والتي سبق الاشارة اليها . والواجب المفروض على القاضي بالاخذ بما جاءت به المعاهدات ، اساسه ان النظام والقضاء الاردنيين اخذا بمبدا سمو المعاهدة على القانون الوطني . فالقاضي الاردني ملزم بتطبيق المعاهدة الدولية سواء صدرت هذه المعاهدة بقانون ام لا وسواء اكانت تتعارض مع تشريع داخلي سابق ، او صدر تشريع لاحق يعارضها ، إنطلاقا من المبدا المستقر بأن المعاهدة تسمو على القانون الداخلي ، وهو الامر الذي اعتبرناه عرفا دستوريا مكملا . ويترتب على ذلك أن النصوص القانونية التي تتضمنها المعاهدة لا يلزم اصحاب الشأن باثباتها ، لان من واجب القاضي البحث عنها وتطبيقها من تلقاء نفسه بل يفترض علمه بها (1) 0 الخاتمة يتضح من مجمل ما ورد في هذا البحث من دراسة لموضوع السرية المصرفية وللاتجاهات المختلفة والنظريات حولها ، انها تحمل الكثير من الايجابيات لدى تطبيقها بشكل صارم كما انها في الوقت نفسه لها من السلبيات ما يؤثر على المكاسب التي تعود من تطبيقها . فبالنسبة لايجابيات السرية المصرفية انها تضفي حاجز من الكتمان علي الاموال في المصارف وهي بذلك تحمي الحرية الشخصية في ان ينأى الشخص بذمته المالية بعيدا عن معرفة الاخرين وهي بهذا تستقطب الرساميل الوطنية وتمنعها من مغادرة البلاد بحثا عن الامان الذي تنشده وفي الوقت ذاته تستقطب ايضا الرساميل الاجنبية التي تبحث عن مأوى وملجأ لها . واجتذاب رؤوس الاموال واستقرارها في بلد ما يؤدي بالضرورة الى تنمية الاقتصاد الوطني ورفع مستوى الحياة والدليل على ذلك سويسرا . ومن جهة اخرى فان السرية المصرفية تعتبر غطاء لاخفاء الاموال الناجمة عن طرق غير مشروعة كالمخدرات والتهريب والجرائم وهو ما يعرف بغسيل الاموال الملوثة . ولقد كان دأبي في هذه الدراسة ان اعرض لمختلف النظريات وان اعقد المقارنات وان اناقش وجهات نظر مختلفة للوصول الى نتائج منطقية ومقبولة حول التعارض فيما بين السرية المصرفية ، ومكافحة غسيل الأموال . وبما اننا في الاردن بلد محدود الامكانيات ويفتقر الى الموارد الطبيعية لنمو اقتصاده واغنائه فأرى من الضرورة بمكان تطبيق نظام السرية المصرفية لدينا وتقديم الخدمات والتسهيلات المصرفية لجذب رؤوس الاموال الاجنبية مما يساعد علي انعاش اقتصادنا الوطني وازدهار التنمية الاجتماعية . ولكن ذلك يجب ان يكون عبر التطبيق السليم لنظام السرية المصرفية للاخذ بمزاياه وتجنب سلبياته ومن ذلك التطبيق مكافحة ظاهرة غسيل الاموال الملوثة ، وذلك يكون عبر اصدار قوانين خاصة لمحاربة عمليات غسيل الاموال . واخيرا فانه لتبني نظام السرية المصرفية في مصارفنا الوطنية نوصي مشرعنا باصدار قانون للسرية المصرفية يجنبنا سلبياته ويأخذ بالايجابيات 0 ومن خلال دراستي للقوانين المتعلقة بالسرية المصرفية في مختلف البلدان فاقترح التصور التالي كاساس لمشروع قانون للسرية المصرفية الاردني متلافيا فيه ثغرات ومستجمعا محاسن وردت في قوانين اخرى . المادة الاولى : تكون جميع حسابات العملاء وودائعهم واماناتهم وخزائنهم في البنوك وكذلك المعاملات المتعلقة بها سرية ولا يجوز الاطلاع عليها او اعطاء بيانات عنها بطريق مباشر او غير مباشر الا باذن كتابي من صاحب الحساب او الوديعة او الامانة او الخزينة او من احد ورثته او من وكيله القانوني المفوض في ذلك او بناء علي قرار قضائي او قرار محكمين . ويسري الحظر المنصوص عليه في الفقرة السابقة على جميع الاشخاص والجهات عدا الجهات التي يخولها القانون سلطة الاطلاع او الحصول على اوراق او بيانات طبقا لاحكام القانون وتلتزم هذه الجهات بالسرية المطلقة باتجاه المعلومات التي حصلت عليها واستعمالها من اجل الغاية التي حصلت عليها فقط . المادة الثانية : يحق للمصارف ان تفتح لعملائها حسابات مرقمة بالنقد الاجنبي او ربط ودائع منها او قبول ودائع منهم بالنقد المذكور ولا يجوز ان يعرف اسماء اصحاب هذه الحسابات والودائع غير المسؤولين في البنك الذين يصدر بتعديدهم قرار من ادارته . المادة الثالثة : للنائب العام والمدعي العام ان يطلب من محكمة البداية الامر بالاطلاع او الحصول علي اية بيانات او معلومات تتعلق بالحسابات او الودائع او الامانات او الخزائن وذلك في أي من الحالتين الاتيتين : أ - اذا اقتضي ذلك كشف الحقيقة في جناية او جنحة قامت الدلائل الجدية علي وقوعها . ب - التقرير بما في الذمة بمناسبة حجز موقع لدي احد البنوك الخاضعة لاحكام هذا القانون . وتفصل المحكمة في هذا الطلب خلال ثلاثة ايام من تقديمه بعد سماع اقوال الادعاء العام . المادة الرابعة : يضع البنك المركزي القواعد المنظمة لتبادل البنوك المعلومات معه والبيانات المقدمة منهم بما يكفل سريتها . المادة الخامسة : يحظر علي رؤساء واعضاء مجالس ادارة البنوك ومديرها او العاملين بها اعطاء اية معلومات او بيانات عن عملاء البنوك او حساباتهم او ودائعهم او الامانات والخزائن الخاصة بهم او معاملاتهم او تمكين الغير من الاطلاع عليه في غير الحالات المرخص بها في هذا القانون . ويسري هذا الحظر علي كل من يطلع بحكم وظيفته او مهنته او عمله بطريق مباشر او غير مباشر علي البيانات والمعلومات المشار اليها . المادة السادسة : لا تخل احكام هذا القانون بما يأتي : أ - الواجبات المنوط اداؤها قانونا بمراقبي الحسابات وبالاختصاصات الممنوحة للبنك المركزي ب - التزام البنك باصدار شهادة باسباب رفض صرف شيك . ج - حق البنك في الكشف عن كل او بعض البيانات الخاصة بمعاملات العميل اللازمة لاثبات حقه في نزاع قضائي نشأ بينه وبين عميله في هذا الشان . د - الكشف عن الجرائم وخصوصا جريمة غسيل الاموال . المادة السابعة : مع عدم الاخلال باية عقوبة اشد يعاقب كل من يخالف احكام المادة الاولى والخامسة من هذا القانون بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن الف دينار ولا تزيد عن الفي دينار .
(1) - عنوان التعليق : ملاحظة

تأريخ النشر: الاثنين 17 محرم 1433هـ الموافق 12 ديسمبر 2011مسيحية

نص التعليق
اخواني واخواتي العاملين على هذا الموقع البديع المحترم تحية طيبة......
اود ان انبهكم بان هذا البحث الذي يزعم الباحث انه نتاج ذهنه ليس صجيجيا فاغلب فقرات البحث ماخوذ مباشرة من المصادر ذات العلاقة بالموضوع علما فيه الكثير من المواضيع التي اخذت من بحثي والذي هو رسالة ماجستير الموسومة ب مسؤولية المصارف المدنية الناتجة عن افشاء اسرار العملاء,لذلك ارجو ان تنتبهوا لهذه المسألة
لكم مني التقدير
شاباز

طباعة التعليق

إرسال التعليق
إرسال المقالة والتعليقات إلى صديق
التعليقات متاحة للزوار التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع