نظاميات كان شبلاً طريداً يخشى صولة الأسود الضارية، ولا يستطيع الانفراد بالصيد لنفسه، فكان يقتات من فتات موائد الضواري، ومما يسقط من أفواه النسور، ومن صيد بعض الزواحف، وأفراخ الطير في الأعشاش.

وفي يوم من الأيام مرت به لبؤة، فَرَقَّتْ لحاله، ولم تتعرض له بسوء، بل أشركته في طعامها وطعام أشبالها، حتى ترعرع معهم وَشَبَّ كأحسن ما كان عليه أسدٌ في عرينه، وبعدما كَبُرَ أشبال اللبؤة التحقت بمجموعتها من الأسود، فكان معهم وكأنه منهم.

تجاهل ذلك الشبل الطريد اللبؤةَ التي احتضنته؛ متقرباً إلى الأسد الضرغام قائد المجموعة، فكان يسير بجواره، ويقلده في مشيته واستلقائه، وَفي تَمَطِّيْهِ والتفاتته، وفي طريقة أكله وصوت زئيره، وكان يزيد في تَقَرُّبِهِ منه بلعق ما يَعرِضُ للأسد من جراح؛ ولو كانت في قدميه أو بين مخالبه، وأَظْهَرَ مع ذلك فتوةً ونشاطاً في الصيد والفتك بالطرائد؛ حتى ألفه الأسد الضَّيْغَم، فجعل يتغاضى عنه متى شاء الأكل من الفريسة معه قبل باقي القطيع.

وزاد من ثقة الشبل الدخيل بنفسه عند الأسد القائد أن صار يَتَعَرَّضُ لبعض أشبال القطيع، وقد يطرد بعضهم من الأجمة، أو يخدشه بمخالبه، أو ينهشه بأنيابه، وكل هذا تحت سمع وبصر ذلك الليث؛ الذي كان كلما سمع تعاركه مع أيٍ من أفراد القطيع يكتفي برفع رأسه نحوه؛ ليرى مع من يتعارك، ثم يعود إلى ما كان عليه؛ وكأن الأمر لا يهمه، وربما زأر عليه ليكف عن مشاغبته.

ظل الوضع على تلك الحال شهوراً، فبدأ في مزاحمة الأسد الزعيم كلما أحس منه ضعفاً أو أَلّمَّ به عارض، وأخذ في الانفراد بنفسه عن قائده في بعض تصرفاته وفي غدواته وَرَوْحَاْتِهِ ومطارداته، ساعده على ذلك شِدَّةُ مِرَاسِهِ وَقُوَّةُ فَتْكِهِ واحتماؤه بزأير الهزبر العظيم الذي يخلع القلوب ويطير بصوابها، بل إنه ربما سبق الأسد الكبير إلى الأكل من الفريسة على غير عادة الأسود.

وفي ذات يوم كَمَنَ - وَحْدَهُ - لأحد الوعول، حتى إذا اقترب منه هجم عليه، فلطمه الوعل بقرنه على فكه، فكسره ورمى به بعيداً عنه، ثم قصده الوعل يتهادى متحدياً إياه، فعاجله بنطحةٍ أحدثت ثقباً في كتفه وأوهنته عن الدفاع عن نفسه، ثم مضى الوعل في سبيله وتركه.

عاد الأسد الدخيل إلى المجموعة مصاباً؛ يلعق جراحه ولا يلعقها له أحد، وصار عاجزاً عن مزاحمة القطيع على الفريسة؛ فلا يجد ما يأكله من فرائس مجموعته؛ سوى ما يعافونه من جلد وعظام وأحشاء؛ وكأنه في حال ضعفه الأولى قبل أن تؤويه اللبؤة.

مع مرور الأيام تضاعفت إصابة الأسد الطريد، وكان لها وللجوع أثر كبير في شدة ضعفه وهزاله وتأخره عن اللحاق بالقطيع في تنقلاته.

ومع حلول فصل الشتاء قرر القطيع الانتقال إلى الأحراش؛ طلباً للدفء والماء والطعام، فارتحلوا عن العرين، وكان لابد له من اتباعهم، لكنه يتثنى من إصابته حتى أعياه السير وراءهم، فصار يزأر لهم يستعطفهم، فيكتفون بالوقوف برهة والالتفات نحوه، ثم يعاودون السير وهو يلهث في التهادي خلفهم.

وفجأة لَمَحَهُ قطيعٌ من الضباع، فعرفوا بفطرتهم عجزه عن اللحاق بمجموعته وضعفه عن مقاومتهم، فتبعوه ينتظرون سقوطه ليمزقوه فيما بينهم، فاشتد زئيره مستنجداً بالليث المهيب الذي تملقه حيناً، وتمرد عليه أحياناً، فلم يدرك منه غير التفاتةٍ شَمَّاءَ وزئيرِ وَدَاعٍ، عند ذلك تحاوشته الضباع من كل جانب، وبدأ يَصُدُّهَاْ عنه يَمْنَةً وَيَسْرَةً؛ حتى أدرك أنه لا محالة هالك، فأطلق زأرةً شديدة دَوَّتْ منها الأنحاء، فوقف الضرغام الهائل حينئذٍ، وعاد إلى حيث الأسد الجريح، وتفرقت عنه جموع الضباع، فوجده مجهداً من عراكه الأخير، فأخذ به كالخرقة، وألقى به على جنبه، ثم تناول رأسه بين يديه وكسر عنقه؛ ليريحه مما هو فيه، ثم عاد إلى قطيعه مستئنفاً مسيرته؛ تاركاً الجثة بعد هلاك صاحبها تلوكها الأنياب؛ وكأن الأسود قد فُطِرَتْ على تخليص أفرادها من النهايات المؤلمة.

هذه الحادثة حقيقية سجلتها عدسة تصوير أحد الباحثين في علوم الأحياء، والقصد من إيرادها: أن هذه القصة تحكي أحوال كثيرة :-

= حال كثير ممن يتقلد المناصب العامة؛ فيغتر ببهرجها، ويتغافل عن نهاياتها.

= حال من يختال على غيره؛ فلا يقيم لهم وزناً، ولا يرعى لهم ذمة.

= حال من يجترئ على ولي نعمته؛ فيفتات عليه، أو يغدر به.

= حال من يستنفد ما لديه؛ فيبقى عالة على من سواه، ووبالاً على من معه.

فهل من معتبر؟!!!.
-
-
-
-
-

الفقير إلى عفو الودود ناصر بن زيد بن داود

عدد التعليقات : 2 | عدد القراء : 3519 | تأريخ النشر : الجمعة 22 رجب 1429هـ الموافق 25 يوليو 2008م

طباعة المقال

إرسال المقالة
(( الأسد الجريح، ونهايات الغافلين )) كان شبلا طريدا يخشى صولة الأسود الضارية، ولا يستطيع الانفراد بالصيد لنفسه، فكان يقتات من فتات موائد الضواري، ومما يسقط من أفواه النسور، ومن صيد بعض الزواحف، وأفراخ الطير في الأعشاش. وفي يوم من الأيام مرت به لبؤة، فرقت لحاله، ولم تتعرض له بسوء، بل أشركته في طعامها وطعام أشبالها، حتى ترعرع معهم وشب كأحسن ما كان عليه أسد في عرينه، وبعدما كبر أشبال اللبؤة التحقت بمجموعتها من الأسود، فكان معهم وكأنه منهم. تجاهل ذلك الشبل الطريد اللبؤة التي احتضنته؛ متقربا إلى الأسد الضرغام قائد المجموعة، فكان يسير بجواره، ويقلده في مشيته واستلقائه، وفي تمطيه والتفاتته، وفي طريقة أكله وصوت زئيره، وكان يزيد في تقربه منه بلعق ما يعرض للأسد من جراح؛ ولو كانت في قدميه أو بين مخالبه، وأظهر مع ذلك فتوة ونشاطا في الصيد والفتك بالطرائد؛ حتى ألفه الأسد الضيغم، فجعل يتغاضى عنه متى شاء الأكل من الفريسة معه قبل باقي القطيع. وزاد من ثقة الشبل الدخيل بنفسه عند الأسد القائد أن صار يتعرض لبعض أشبال القطيع، وقد يطرد بعضهم من الأجمة، أو يخدشه بمخالبه، أو ينهشه بأنيابه، وكل هذا تحت سمع وبصر ذلك الليث؛ الذي كان كلما سمع تعاركه مع أي من أفراد القطيع يكتفي برفع رأسه نحوه؛ ليرى مع من يتعارك، ثم يعود إلى ما كان عليه؛ وكأن الأمر لا يهمه، وربما زأر عليه ليكف عن مشاغبته. ظل الوضع على تلك الحال شهورا، فبدأ في مزاحمة الأسد الزعيم كلما أحس منه ضعفا أو ألم به عارض، وأخذ في الانفراد بنفسه عن قائده في بعض تصرفاته وفي غدواته وروحاته ومطارداته، ساعده على ذلك شدة مراسه وقوة فتكه واحتماؤه بزأير الهزبر العظيم الذي يخلع القلوب ويطير بصوابها، بل إنه ربما سبق الأسد الكبير إلى الأكل من الفريسة على غير عادة الأسود. وفي ذات يوم كمن - وحده - لأحد الوعول، حتى إذا اقترب منه هجم عليه، فلطمه الوعل بقرنه على فكه، فكسره ورمى به بعيدا عنه، ثم قصده الوعل يتهادى متحديا إياه، فعاجله بنطحة أحدثت ثقبا في كتفه وأوهنته عن الدفاع عن نفسه، ثم مضى الوعل في سبيله وتركه. عاد الأسد الدخيل إلى المجموعة مصابا؛ يلعق جراحه ولا يلعقها له أحد، وصار عاجزا عن مزاحمة القطيع على الفريسة؛ فلا يجد ما يأكله من فرائس مجموعته؛ سوى ما يعافونه من جلد وعظام وأحشاء؛ وكأنه في حال ضعفه الأولى قبل أن تؤويه اللبؤة. مع مرور الأيام تضاعفت إصابة الأسد الطريد، وكان لها وللجوع أثر كبير في شدة ضعفه وهزاله وتأخره عن اللحاق بالقطيع في تنقلاته. ومع حلول فصل الشتاء قرر القطيع الانتقال إلى الأحراش؛ طلبا للدفء والماء والطعام، فارتحلوا عن العرين، وكان لابد له من اتباعهم، لكنه يتثنى من إصابته حتى أعياه السير وراءهم، فصار يزأر لهم يستعطفهم، فيكتفون بالوقوف برهة والالتفات نحوه، ثم يعاودون السير وهو يلهث في التهادي خلفهم. وفجأة لمحه قطيع من الضباع، فعرفوا بفطرتهم عجزه عن اللحاق بمجموعته وضعفه عن مقاومتهم، فتبعوه ينتظرون سقوطه ليمزقوه فيما بينهم، فاشتد زئيره مستنجدا بالليث المهيب الذي تملقه حينا، وتمرد عليه أحيانا، فلم يدرك منه غير التفاتة شماء وزئير وداع، عند ذلك تحاوشته الضباع من كل جانب، وبدأ يصدها عنه يمنة ويسرة؛ حتى أدرك أنه لا محالة هالك، فأطلق زأرة شديدة دوت منها الأنحاء، فوقف الضرغام الهائل حينئذ، وعاد إلى حيث الأسد الجريح، وتفرقت عنه جموع الضباع، فوجده مجهدا من عراكه الأخير، فأخذ به كالخرقة، وألقى به على جنبه، ثم تناول رأسه بين يديه وكسر عنقه؛ ليريحه مما هو فيه، ثم عاد إلى قطيعه مستئنفا مسيرته؛ تاركا الجثة بعد هلاك صاحبها تلوكها الأنياب؛ وكأن الأسود قد فطرت على تخليص أفرادها من النهايات المؤلمة. هذه الحادثة حقيقية سجلتها عدسة تصوير أحد الباحثين في علوم الأحياء، والقصد من إيرادها: أن هذه القصة تحكي أحوال كثيرة :- = حال كثير ممن يتقلد المناصب العامة؛ فيغتر ببهرجها، ويتغافل عن نهاياتها. = حال من يختال على غيره؛ فلا يقيم لهم وزنا، ولا يرعى لهم ذمة. = حال من يجترئ على ولي نعمته؛ فيفتات عليه، أو يغدر به. = حال من يستنفد ما لديه؛ فيبقى عالة على من سواه، ووبالا على من معه. فهل من معتبر؟!!!. - - - - -
(1) - عنوان التعليق : شكروتقدير

تأريخ النشر: الجمعة 28 جمادى الأولى 1430هـ الموافق 22 مايو 2009مسيحية

نص التعليق

طباعة التعليق

إرسال التعليق
(2) - عنوان التعليق : نهايات الغافلين

تأريخ النشر: السبت 11 صفر 1432هـ الموافق 15 يناير 2011مسيحية

نص التعليق

طباعة التعليق

إرسال التعليق
إرسال المقالة والتعليقات إلى صديق
التعليقات متاحة للزوار التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع