قضائيات تنقسم الأوقاف إلى قسمين :-
1/ الوقف الخيري : وهو ما رُصِدَ ناتجه لأعمال البر ؛ سواء : محددة ، أو مطلقة . مثل : الوقف على بناء المساجد والمدارس والمشافي ، أو رعاية طلاب العلم وطباعة الكتب ، أو للإنفاق على المحتاجين .
2/ الوقف الأهلي : وهو ما رُصِدَ ريعه لأهل الموقف . سواء في ذلك : ذريته ، أو أيٌ من أقاربه .
ومن الملحوظ : كثرة الأوقاف الأهلية في بلاد الحرمين ، خصوصاً في : الأحساء ، واليمامة ، والقصيم .

ولعل السبب - في كثرة الأوقاف الأهلية على حساب الوقف الخيري في هذه الأقاليم - هو أن ترادف الحكومات الظالمة على هذه الأقاليم في القرون ما قبل استقرار الحكم السعودي ، وقيام الحكومة اللاحقة منها بمصادرة ممتلكات كل من أعان أو عمل للحكومة قبلها ، وهكذا .. هو الذي جعل فقهاء تلك الحقبة يبتدعون لأصحاب الأملاك طريقةً تمنع من مصادرة أملاكهم بإثبات وقفيتها على ذراريهم أو أقاربهم ؛ حتى لا تخرج الممتلكات عن أصحابها الأصليين ؛ لأن الحكومات المتعاقبة على هذه الأقاليم في الغالب مسلمون ويعلمون عقوبة تبديل الوقف أو الاستيلاء عليه ، ولذلك سيمتنعون عن مصادرتها .
فكان أن انتشر هذا المخرج للمحافظة على سلالات الإقطاعيين في هذه الحواضر بذات المكانة والقوة الاقتصادية التي كان عليها أسلافهم .
قريباً من هذا قال المؤرخ : (فاسيلييف) الروسي في كتابه عن جزيرة العرب ؛ مستنداً على تقارير المخابرات الأنجلوهندية في القرنين الماضيين .

وأياً كان الأمر فقد ظهر الوقف الأهلي في هذه الأقاليم وطغى على الوقف الخيري ولا يزال ، مع أن هناك دعوات من بعض المهتمين بالبحث الشرعي لتحويل الأوقاف الأهلية إلى أوقاف خيرية تشرف عليها الدولة ؛ لعدة أسباب :-
1/ أن أغلب الأوقاف الأهلية مهملة وخربة ولا يستفاد منها ؛ لأن استصلاحها يحتاج إلى أموال باهظة قد لا يتمكن الولي من تأمينها ولا من تحصيلها من ريع الوقف .

2/ أن الوقف يشترك في استحقاق ريعه غير واحد ، ويزداد المستحقون كلما بعد العهد بزمن الموقف ، فيكون مدعاة لضآلة ما يعود من ريعه على أفراد المستحقين ، فتضعف الهمم لعمارته .

3/ أن وجود تلك الأوقاف في الأحياء القديمة يجعلها - بوضعها الخرب - مكاناً للأوساخ ومأوى للحيوانات الضارة وملجأً لممارسة أنواع من الانحرافات الاجتماعية .

4/ أن الجهات الحكومية المشرفة على الأوقاف الخيرية هي الأقدر على دمج هذه الأوقاف واستثمار عوائدها في سُبُل البِرِّ التي تعود على الموقف بالأجر ، وعلى المجتمع بالخير والنماء .

5/ أن بإمكان وزارة الأوقاف التحري عن أقارب الموقف المستحقين ، وشمولهم بشيءٍ من عوائد الوقف ؛ احتراماً لشرط الموقف .

وقضيتنا في هذه الإطلالة تتلخص في الآتي :-
= في العام 1374هـ قام أحد الأولياء بتأجير وقفٍ خربٍ مدة تسعٍ وتسعين سنة بخمسين ريالاً ؛ تدفع للولي في نهاية كل عام من تأريخ العقد .

= استثمر المستأجر الوقف مدة أربعة عشر عاماً ، ثم باع مدته الباقية على آخر مقابل ثلاثة عشر ألف ريال إضافة إلى الأجرة السنوية التي تدفع للولي .

= قام المستأجر الجديد بعمارة الوقف الخرب بيتاً من دورين ، واستثمره مدة سبع عشرة سنة ؛ ليبقى له من مدة الإجارة قريباً من سبعين عاماً .

= اقتطعت الدولة الوقف والأملاك المجاورة له لبناء مدرسة عليها ، وقدرت تعويض الوقف بنحو مليون ريال ؛ ثلثه للبناء والباقي للأرض .

= اتفق المستأجر وولي الوقف على شراء بدلٍ بمجموع القيمة ، واختلفا في مكان البدل المراد شراؤه .

= عندما عرضت هذه القضية عليَّ في المحكمة قررت الآتي :-
1/ تسليم عوض البناء للمستأجر ؛ لكونه حقاً له ، ولا شأن للوقف ولا لوليه به ؛ فالوقف تم تأجيره أرضاً خربةً لا نفع فيها ؛ كما جاء في صك الإجارة .

2/ نظرت إلى عقد الإجارة بعدة مناظير :-
الأول : أن العقد - على فرض صحته - قد انفسخ بزوال العين المؤجرة ، والعقد إنما جرى على الانتفاع بذات العين لا بعوضها .

الثاني : أن المصلحة والغبطة - التي ينبغي رعايتهما عند التصرف في الأوقاف وأموال فاقدي الأهلية - غير موجودة في إقرار استمرار العقد على النحو الوارد في صك الإجارة مدة سبعين سنة قادمة لصالح المستأجر ، حيث لا يستفيد الوقف خلالها إلا خمسين ريالاً سنوياً !!!.
الثالث : أن إجارة الأوقاف مدة طويلة كالمدة التي في العقد (99) سنة تصرفٌ معيب ؛ لأن المدة الطويلة قد تأتي على الوقف بالفناء والضياع لتعاقب أجيال المستأجرين عليه ، مما قد يدفع بالجيل الأخير لادعاء ملكيته بحكم وضع اليد كابراً عن كابر .
الرابع : أن الوقف - عند نهاية المدة الطويلة - سيعود خراباً كما بدأ ، فكلما قربت نهاية العقد ضعفت الهمم عن إصلاحه ، ولذلك لا مصلحة ولا غبطة تُرتجى من ابتداء تأجيره مثل هذه المدد .
الخامس : نص كثير من أهل العلم ( الحنفية والشافعية ) على بطلان تأجير الوقف مثل هذه المدة .

لكل هذا فقد أفهمت المستأجر : أن لا حق له في طلبه استمرار عقد الإجارة على بدل الوقف المقتطع ، وأن على الولي السعي في صالح الوقف قدر استطاعته تحت إشراف المحكمة المختصة . واكتسب الحكم القطعية من محكمة التمييز بالقرار رقم 404/ 1 وتأريخ 18/ 7/ 1405هـ .

والتشريع القضائي المطلوب هو الآتي :-
1/ تمكين الأولياء من طلب فسخ عقود الأوقاف المؤجرة مدداً طويلة .
2/ منع قضاة التوثيق ( كتاب العدل ) من إجراء أو تصديق مثل هذه العقود .
3/ اعتماد كون تأجير الولي لا يسري على الولي بعده ؛ ما لم يكن في صالح الوقف .
4/ إعطاء المحكمة الحق في رفع مقدار الأجرة على المستأجر - كلما رأت ذلك في مصلحة الوقف - للإبقاء على لزوم مدة التأجير .
5/ تضمين عقود تأجير الأوقاف : أن العبرة بمصلحة الوقف في استمرار عقد التأجير أو قطعه أو زيادة الأجرة ؛ بحسب ما تراه المحكمة المختصة . والله أعلم
-
-
-
-

الفقير إلى عفو الودود ناصر بن زيد بن داود

عدد التعليقات : 1 | عدد القراء : 778 | تأريخ النشر : الخميس 24 صفر 1430هـ الموافق 19 فبراير 2009م

طباعة المقال

إرسال المقالة
(( تشريعات قضائية لازمة - تأجير الأوقاف 99 سنة )) تنقسم الأوقاف إلى قسمين :- 1/ الوقف الخيري : وهو ما رصد ناتجه لأعمال البر ؛ سواء : محددة ، أو مطلقة . مثل : الوقف على بناء المساجد والمدارس والمشافي ، أو رعاية طلاب العلم وطباعة الكتب ، أو للإنفاق على المحتاجين . 2/ الوقف الأهلي : وهو ما رصد ريعه لأهل الموقف . سواء في ذلك : ذريته ، أو أي من أقاربه . ومن الملحوظ : كثرة الأوقاف الأهلية في بلاد الحرمين ، خصوصا في : الأحساء ، واليمامة ، والقصيم . ولعل السبب - في كثرة الأوقاف الأهلية على حساب الوقف الخيري في هذه الأقاليم - هو أن ترادف الحكومات الظالمة على هذه الأقاليم في القرون ما قبل استقرار الحكم السعودي ، وقيام الحكومة اللاحقة منها بمصادرة ممتلكات كل من أعان أو عمل للحكومة قبلها ، وهكذا .. هو الذي جعل فقهاء تلك الحقبة يبتدعون لأصحاب الأملاك طريقة تمنع من مصادرة أملاكهم بإثبات وقفيتها على ذراريهم أو أقاربهم ؛ حتى لا تخرج الممتلكات عن أصحابها الأصليين ؛ لأن الحكومات المتعاقبة على هذه الأقاليم في الغالب مسلمون ويعلمون عقوبة تبديل الوقف أو الاستيلاء عليه ، ولذلك سيمتنعون عن مصادرتها . فكان أن انتشر هذا المخرج للمحافظة على سلالات الإقطاعيين في هذه الحواضر بذات المكانة والقوة الاقتصادية التي كان عليها أسلافهم . قريبا من هذا قال المؤرخ : (فاسيلييف) الروسي في كتابه عن جزيرة العرب ؛ مستندا على تقارير المخابرات الأنجلوهندية في القرنين الماضيين . وأيا كان الأمر فقد ظهر الوقف الأهلي في هذه الأقاليم وطغى على الوقف الخيري ولا يزال ، مع أن هناك دعوات من بعض المهتمين بالبحث الشرعي لتحويل الأوقاف الأهلية إلى أوقاف خيرية تشرف عليها الدولة ؛ لعدة أسباب :- 1/ أن أغلب الأوقاف الأهلية مهملة وخربة ولا يستفاد منها ؛ لأن استصلاحها يحتاج إلى أموال باهظة قد لا يتمكن الولي من تأمينها ولا من تحصيلها من ريع الوقف . 2/ أن الوقف يشترك في استحقاق ريعه غير واحد ، ويزداد المستحقون كلما بعد العهد بزمن الموقف ، فيكون مدعاة لضآلة ما يعود من ريعه على أفراد المستحقين ، فتضعف الهمم لعمارته . 3/ أن وجود تلك الأوقاف في الأحياء القديمة يجعلها - بوضعها الخرب - مكانا للأوساخ ومأوى للحيوانات الضارة وملجأ لممارسة أنواع من الانحرافات الاجتماعية . 4/ أن الجهات الحكومية المشرفة على الأوقاف الخيرية هي الأقدر على دمج هذه الأوقاف واستثمار عوائدها في سبل البر التي تعود على الموقف بالأجر ، وعلى المجتمع بالخير والنماء . 5/ أن بإمكان وزارة الأوقاف التحري عن أقارب الموقف المستحقين ، وشمولهم بشيء من عوائد الوقف ؛ احتراما لشرط الموقف . وقضيتنا في هذه الإطلالة تتلخص في الآتي :- = في العام 1374هـ قام أحد الأولياء بتأجير وقف خرب مدة تسع وتسعين سنة بخمسين ريالا ؛ تدفع للولي في نهاية كل عام من تأريخ العقد . = استثمر المستأجر الوقف مدة أربعة عشر عاما ، ثم باع مدته الباقية على آخر مقابل ثلاثة عشر ألف ريال إضافة إلى الأجرة السنوية التي تدفع للولي . = قام المستأجر الجديد بعمارة الوقف الخرب بيتا من دورين ، واستثمره مدة سبع عشرة سنة ؛ ليبقى له من مدة الإجارة قريبا من سبعين عاما . = اقتطعت الدولة الوقف والأملاك المجاورة له لبناء مدرسة عليها ، وقدرت تعويض الوقف بنحو مليون ريال ؛ ثلثه للبناء والباقي للأرض . = اتفق المستأجر وولي الوقف على شراء بدل بمجموع القيمة ، واختلفا في مكان البدل المراد شراؤه . = عندما عرضت هذه القضية علي في المحكمة قررت الآتي :- 1/ تسليم عوض البناء للمستأجر ؛ لكونه حقا له ، ولا شأن للوقف ولا لوليه به ؛ فالوقف تم تأجيره أرضا خربة لا نفع فيها ؛ كما جاء في صك الإجارة . 2/ نظرت إلى عقد الإجارة بعدة مناظير :- الأول : أن العقد - على فرض صحته - قد انفسخ بزوال العين المؤجرة ، والعقد إنما جرى على الانتفاع بذات العين لا بعوضها . الثاني : أن المصلحة والغبطة - التي ينبغي رعايتهما عند التصرف في الأوقاف وأموال فاقدي الأهلية - غير موجودة في إقرار استمرار العقد على النحو الوارد في صك الإجارة مدة سبعين سنة قادمة لصالح المستأجر ، حيث لا يستفيد الوقف خلالها إلا خمسين ريالا سنويا !!!. الثالث : أن إجارة الأوقاف مدة طويلة كالمدة التي في العقد (99) سنة تصرف معيب ؛ لأن المدة الطويلة قد تأتي على الوقف بالفناء والضياع لتعاقب أجيال المستأجرين عليه ، مما قد يدفع بالجيل الأخير لادعاء ملكيته بحكم وضع اليد كابرا عن كابر . الرابع : أن الوقف - عند نهاية المدة الطويلة - سيعود خرابا كما بدأ ، فكلما قربت نهاية العقد ضعفت الهمم عن إصلاحه ، ولذلك لا مصلحة ولا غبطة ترتجى من ابتداء تأجيره مثل هذه المدد . الخامس : نص كثير من أهل العلم ( الحنفية والشافعية ) على بطلان تأجير الوقف مثل هذه المدة . لكل هذا فقد أفهمت المستأجر : أن لا حق له في طلبه استمرار عقد الإجارة على بدل الوقف المقتطع ، وأن على الولي السعي في صالح الوقف قدر استطاعته تحت إشراف المحكمة المختصة . واكتسب الحكم القطعية من محكمة التمييز بالقرار رقم 404/ 1 وتأريخ 18/ 7/ 1405هـ . والتشريع القضائي المطلوب هو الآتي :- 1/ تمكين الأولياء من طلب فسخ عقود الأوقاف المؤجرة مددا طويلة . 2/ منع قضاة التوثيق ( كتاب العدل ) من إجراء أو تصديق مثل هذه العقود . 3/ اعتماد كون تأجير الولي لا يسري على الولي بعده ؛ ما لم يكن في صالح الوقف . 4/ إعطاء المحكمة الحق في رفع مقدار الأجرة على المستأجر - كلما رأت ذلك في مصلحة الوقف - للإبقاء على لزوم مدة التأجير . 5/ تضمين عقود تأجير الأوقاف : أن العبرة بمصلحة الوقف في استمرار عقد التأجير أو قطعه أو زيادة الأجرة ؛ بحسب ما تراه المحكمة المختصة . والله أعلم - - - -
(1) - عنوان التعليق : حكم مسدد ...

تأريخ النشر: الأربعاء 8 ربيع الأول 1430هـ الموافق 4 مارس 2009مسيحية

نص التعليق
جزاك الله خيراً على ما شرعت بهذا الحكم الذي يحمي حق الأوقاف الأهلية ، فكثير من الأوقاف التي شرطها على الذرية تجدها ضائعة إما لكون الأولياء قصروا و تهاونوا في إنمائها و إصلاحها أو من جهة الوزارة المسئولة عن الأوقاف فهي لا ترى أهمية للأوقاف الذرية .
أتمنى يا شيخنا أن أجد كثير من الأحكام العدلية الخاصة بالأوقاف فأنا محامي شرعي في إحدى إدارات الأوقاف و تواجهني كثير من الأشكالات خاصة مع القضاة في مصلحة الوقف الشرعية و ما أواجهه من بعض الخصوم الذين يقللون من شأن الوقف و حرمته .

طباعة التعليق

إرسال التعليق
إرسال المقالة والتعليقات إلى صديق
التعليقات متاحة للزوار التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع