قضائيات في يوم خميسٍ من عام 1404هـ اتصل بي والد أحد أصهاري يطلب مني استقباله في مطار الأحساء القديم ( مطار أرامكو ) على طريق الرياض - المبرز ؛ في أول زيارةٍ له إلى الأحساء الميمونة قادماً من جدة .

حطت به الطائرة قرابة الساعة السابعة صباحاً ، وبعد قهوة الصباح وتناول الفطور أراد إيصاله إلى السوق ، وقبيل الظهر عاد إلى المنزل ، وكان على موعد غداءٍ مع ابن عمٍ له - شيخ طاعن في السن جاوز الثمانين من عمره - وكان ضيفنا وقتها قد قارب الستين ، فرغب إليَّ إيصاله إلى منزل مضيفه ومشاركته في غداءه ، فاعتذرت له عن المشاركة ، واصطحبته إلى منزل صاحبه عند الساعة الواحدة ظهراً ، بعد أن سألته عن موعد عودته؟ ، فذكر لي : أنه سيعود بعد صلاة العصر بساعة تقريباً .

كنت وقتها أسكن في دورٍ علويٍ ، وأترك بابه مفتوحاً ؛ ليسهل عليَّ الإذن للقادمين بالدخول ؛ دون تكرار النزول والصعود .

وقبل صلاة العصر ( بساعةٍ ونصف! ) سمعت ضيفي يهتف بي أسفل الدرج ، فرحبت به ودعوته ، وأثناء صعوده الدرج كان يردد فيقول : اللهم صلِّ على نبينا سليمان !.
فقلت له : اللهم صلِّ على نبي الله سليمان وعلى نبينا محمد .
فأعاد مقولته : اللهم صلِّ على نبينا سليمان !!.

فربطت - على الفور - بين هذه المقولة الغريبة وبين القدوم المبكر فجأة على غير الاتفاق السابق .

فقلت له : ما القصة ؟ أبا عبد الرحمن .

وبعد أن استقر جالساً ، قال : كان نبي الله سليمان - عليه الصلاة والسلام - إذا أراد أن يؤدِّب طيراً حبسه مع غير جنسه .

ثم أردف قائلاً : وجدت مضيفي الشيخ مجهداً جداً ، فاعتذر لي من مواصلة الجلوس معه ، وأمر الحاضرين من أبنائه وأحفاده بإكمال مراسم الاحتفاء بي .

ثم توقف محدثي برهة ، وشرع قائلاً : بعد خروج الشيخ خيم الصمت على المجلس ، فطرقت مجالاتٍ عدةً في الحديث مع الحاضرين ( وكلهم من الشباب ) ، فكان تجاوبهم معي محدوداً ، فتركتهم يتجاذبون الحديث ؛ لأعرف اهتماماتهم ، فأدخل معهم فيما أحسنه منها ، فتحدثوا في السفر وفي الرياضة .

فقلت في نفسي : أما الرياضة : فلا أعلم منها غير نادي الاتحاد الذي يشجعه أبنائي .
وأما السفر : فأنا لم أغادر المملكة طيلة حياتي ؛ لكن يمكنني الحديث عن بلاد مصر واليمن مما أسمعه من جيراني وبعض أقاربي .

لذلك حاولت ليَّ عنق الحديث نحو السفر إلى هذين البلدين ؛ لأتمكن من المشاركة بما لديَّ عنهما ، غير أن الجماعة لم يحيدوا عن ذكر باريس وجنيف ولندن ، عندها علمت أني قد حبست حبساً سليمانياً .

لم يسعف ضيفنا العزيز - أمد الله في عمره - إلا داعي الغداء ، وما إن وضع يده فيه حتى رفعها داعياً لمضيفيه بما يستحقون ، واستأذن في الانصراف ؛ ليجد نفسه على الطريق العام منتشياً جذلاً بانطلاقه من حبسه وإطلاقهم سراحه .

كانت تلك اللحظات مليئة بالعبرة والطرافة والفكاهة .

ومع تلك التجربة العجيبة في أول زيارة لضيفنا إلى الأحساء ؛ إلا أن الضيف الكريم لم يُخف إعجابه بتلك المدينة الفريدة ، فأظهر سروره بما شاهده فيها ، وقال لي : أنت محظوظٌ بهذه البلدة المباركة .

فقلت له : الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، فما أعجبك منها ؟.

فقال لي : ثلاثة أمور ، الأول : ستر جميع نسائها المتمثل في انحطاط العباءة إلى ما تحت الكعبين .
والثاني : إفشاء جميع رجالها السلام بينهم على من يعرفون ومن لا يعرفون .
والثالث : اندفاع كل من تسأله منهم عن مكانٍ ما إلى ترك ما بيده واصطحابك إلى حيث تريد .

ثم قال : وهذه الثلاثة ليست مجتمعة فيما مررته من البلدان .

ودعت الضيف العزيز في رحلة عودته ذلك اليوم ، وعادت بي ذكراه الطريفة هذا اليوم ، بعد ستةٍ وعشرين عاماً ، عندما تردد بين القضاة والملازمين - هذه الأيام - وضع المجلس الأعلى للقضاء ، مع تقديرهم الفائق لمواقف رئيسه - الرجل الصالح ، الإداري الناجح ، العالم الناصح - ، ومع ثقتهم في قدراته وفي علمه نفع الله به ، إلا أنهم قلقون من إمكان تكيُّف معاليه مع أجواء العمل القضائي ، وخوفهم من أن يكون في حالٍ كحال صاحبنا وطير سليمان عليه الصلاة والسلام .

نسأل الله للجميع دوام التوفيق لكل ما يحبه الله ويرضاه .

--
_

الفقير إلى عفو الودود ناصر بن زيد بن داود

عدد التعليقات : 1 | عدد القراء : 3106 | تأريخ النشر : السبت 3 ربيع الثاني 1430هـ الموافق 28 مارس 2009م

طباعة المقال

إرسال المقالة
اللهم صل على نبينا سليمان !. في يوم خميس من عام 1404هـ اتصل بي والد أحد أصهاري يطلب مني استقباله في مطار الأحساء القديم ( مطار أرامكو ) على طريق الرياض - المبرز ؛ في أول زيارة له إلى الأحساء الميمونة قادما من جدة . حطت به الطائرة قرابة الساعة السابعة صباحا ، وبعد قهوة الصباح وتناول الفطور أراد إيصاله إلى السوق ، وقبيل الظهر عاد إلى المنزل ، وكان على موعد غداء مع ابن عم له - شيخ طاعن في السن جاوز الثمانين من عمره - وكان ضيفنا وقتها قد قارب الستين ، فرغب إلي إيصاله إلى منزل مضيفه ومشاركته في غداءه ، فاعتذرت له عن المشاركة ، واصطحبته إلى منزل صاحبه عند الساعة الواحدة ظهرا ، بعد أن سألته عن موعد عودته؟ ، فذكر لي : أنه سيعود بعد صلاة العصر بساعة تقريبا . كنت وقتها أسكن في دور علوي ، وأترك بابه مفتوحا ؛ ليسهل علي الإذن للقادمين بالدخول ؛ دون تكرار النزول والصعود . وقبل صلاة العصر ( بساعة ونصف! ) سمعت ضيفي يهتف بي أسفل الدرج ، فرحبت به ودعوته ، وأثناء صعوده الدرج كان يردد فيقول : اللهم صل على نبينا سليمان !. فقلت له : اللهم صل على نبي الله سليمان وعلى نبينا محمد . فأعاد مقولته : اللهم صل على نبينا سليمان !!. فربطت - على الفور - بين هذه المقولة الغريبة وبين القدوم المبكر فجأة على غير الاتفاق السابق . فقلت له : ما القصة ؟ أبا عبد الرحمن . وبعد أن استقر جالسا ، قال : كان نبي الله سليمان - عليه الصلاة والسلام - إذا أراد أن يؤدب طيرا حبسه مع غير جنسه . ثم أردف قائلا : وجدت مضيفي الشيخ مجهدا جدا ، فاعتذر لي من مواصلة الجلوس معه ، وأمر الحاضرين من أبنائه وأحفاده بإكمال مراسم الاحتفاء بي . ثم توقف محدثي برهة ، وشرع قائلا : بعد خروج الشيخ خيم الصمت على المجلس ، فطرقت مجالات عدة في الحديث مع الحاضرين ( وكلهم من الشباب ) ، فكان تجاوبهم معي محدودا ، فتركتهم يتجاذبون الحديث ؛ لأعرف اهتماماتهم ، فأدخل معهم فيما أحسنه منها ، فتحدثوا في السفر وفي الرياضة . فقلت في نفسي : أما الرياضة : فلا أعلم منها غير نادي الاتحاد الذي يشجعه أبنائي . وأما السفر : فأنا لم أغادر المملكة طيلة حياتي ؛ لكن يمكنني الحديث عن بلاد مصر واليمن مما أسمعه من جيراني وبعض أقاربي . لذلك حاولت لي عنق الحديث نحو السفر إلى هذين البلدين ؛ لأتمكن من المشاركة بما لدي عنهما ، غير أن الجماعة لم يحيدوا عن ذكر باريس وجنيف ولندن ، عندها علمت أني قد حبست حبسا سليمانيا . لم يسعف ضيفنا العزيز - أمد الله في عمره - إلا داعي الغداء ، وما إن وضع يده فيه حتى رفعها داعيا لمضيفيه بما يستحقون ، واستأذن في الانصراف ؛ ليجد نفسه على الطريق العام منتشيا جذلا بانطلاقه من حبسه وإطلاقهم سراحه . كانت تلك اللحظات مليئة بالعبرة والطرافة والفكاهة . ومع تلك التجربة العجيبة في أول زيارة لضيفنا إلى الأحساء ؛ إلا أن الضيف الكريم لم يخف إعجابه بتلك المدينة الفريدة ، فأظهر سروره بما شاهده فيها ، وقال لي : أنت محظوظ بهذه البلدة المباركة . فقلت له : الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، فما أعجبك منها ؟. فقال لي : ثلاثة أمور ، الأول : ستر جميع نسائها المتمثل في انحطاط العباءة إلى ما تحت الكعبين . والثاني : إفشاء جميع رجالها السلام بينهم على من يعرفون ومن لا يعرفون . والثالث : اندفاع كل من تسأله منهم عن مكان ما إلى ترك ما بيده واصطحابك إلى حيث تريد . ثم قال : وهذه الثلاثة ليست مجتمعة فيما مررته من البلدان . ودعت الضيف العزيز في رحلة عودته ذلك اليوم ، وعادت بي ذكراه الطريفة هذا اليوم ، بعد ستة وعشرين عاما ، عندما تردد بين القضاة والملازمين - هذه الأيام - وضع المجلس الأعلى للقضاء ، مع تقديرهم الفائق لمواقف رئيسه - الرجل الصالح ، الإداري الناجح ، العالم الناصح - ، ومع ثقتهم في قدراته وفي علمه نفع الله به ، إلا أنهم قلقون من إمكان تكيف معاليه مع أجواء العمل القضائي ، وخوفهم من أن يكون في حال كحال صاحبنا وطير سليمان عليه الصلاة والسلام . نسأل الله للجميع دوام التوفيق لكل ما يحبه الله ويرضاه . -- _
(1) - عنوان التعليق : نعم

تأريخ النشر: الأحد 23 جمادى الأولى 1430هـ الموافق 17 مايو 2009مسيحية

نص التعليق
بارك الله فيك
صدق فيما قاله , وتصديقي لكه عن معرفة بهذه المدينة , فلقد أقمت بها سنتين .

سكان الأحساء أناس طيبون , ولا يستطيع أحد تمييز تلك الصفة , إلا من ساكن غيرها .

..

طباعة التعليق

إرسال التعليق
إرسال المقالة والتعليقات إلى صديق
التعليقات متاحة للزوار التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع