نشرت في مجلة اليمامة العدد 1904 وصحيفة اليوم العدد 12331

قضائيات حظي القضاء في المملكة العربية السعودية برعاية حكومتها المباركة وبِسَعيٍ جادٍ من القيادة أعزها الله ، ولعلي لا أفشي سراً إن ذكرت ما دار بيني وبين معالي وزير العدل د. عبد الله بن محمد آل الشيخ ؛ يوم أن كنت عضواً في لجنة إعداد كادر رواتب القضاة الأخير ؛ حيث اقترحت إحداث مرتبة جديدة بين مرتبة ( رئيس محكمة أ ) ومرتبة ( قاضي تمييز ) لتضييق الفجوة بينهما ، يمكن تسميتها ( رئيس محاكم ) أو ( قاضي تمييز ب ) على أن يُخصص لها خمسين وظيفة على الأقل ، غير أن معالي الوزير حرص على سرعة اعتماد الكادر بإبقائه على حاله ، مع مراعاة تضييق الفجوة بزيادة الرواتب الدنيا حتى تتناسب المراتب ، فكان أن قامت اللجنة برفع نسبة الزيادة تصاعدياً ، مع زيادة سنوات العلاوة الدورية ؛ لتكون خمس عشرة سنة ؛ لأنَّ إحداثَ مرتبةٍ ما لابد أن يَمُرَّ عبر قنواتٍ معقدة تُطيلُ أمد إنفاذها .

وحديثنا اليوم عن الحقوق التي يحسن اعتمادها للقضاة ، والتي يحظى به غيرهم من قضاة الدول المتقدمة ومنها :
أولاً / الرعاية الصحية :
إذ القاضي في المدن الكبرى وأسرته يقفون اليوم في طوابير المستوصفات و المستشفيات الحكومية ، أو يتوجهون إلى مثيلاتها الخاصة طلباً للعلاج ، أما في المدن الصغيرة أو القرى النائية فلابد أن يَشُدَّ القاضي رحله لعلاج طِفلِهِ ، أو خادمته ، أو لعرض نفسه على طبيبٍ لأيِّ عارضٍ صحيٍ . وقد حَزَّ في نفسي خبرٌ تضمن مناشدة أسرة رئيس إحدى المحاكم المسؤولين يطلبون فيه التوسط لنقل فضيلته إلى أحد المستشفيات لعلاجه ؛ ولو كان للقضاة تأمينٌ طبيٌ لما احتاجت الأسرة الفاضلة لإعلان حاجتها تلك في صحيفة يومية .

ثانياً / بدل النقل :
إذ يتم تعيين القاضي أَوَّلَ أمره في أماكنَ بعيدةٍ يحتاج معها إلى سيارة نقلٍ قادرةٍ على تحمُّل ظروف البلد التي يعمل فيها ؛ سواءٌ : كانت جبليةً ، أو صحراويةً ، أو ريفيةً ، أو ساحليةً . ويتوجب عليه رعاية كونها تحتمل السفر من وإلى بلدته الأصلية في الإجازات والعطلات ، وبواقع أربع مرات في العام على أقل تقدير . فكان تأمين سيارة لكلِّ قاضي مطلباً ضرورياً وهاماً .

ثالثاً / السكن :
إن من المعتبر تخصيص سكن للقضاة ؛ بحيث إذا وفدوا إلى بلدٍ - حال التعيين أو النقل - يجدونه أمامهم ، وعند نقلهم يتركونه للخَلَفِ الآتي بعدهم ؛ حتى لا يُمضي القاضي وقته في البحث عن السكن ، وتأثيثه ، والمماكسة في أجرته ، ونقل الأثاث ، وفكه ، وتركيبه ، ونحو ذلك .

وإذا علمنا : أن أصغر مدينة - من بين عشرات المدن العسكرية في بلادنا اليوم - تحوي أكثر من ألف وحدة سكنية ، وأن جميع القضاة - في المملكة كلها - لا يتعدون الألف قاضٍ : فإننا نجزم - والحالة هذه – أنَّ سُرعة إنفاذ بناء تلك الوحدات السكنية كما أنه ممكنٌ ويسير ، فهو مطلبٌ ضروريٌ وهامٌ ؛ لكونه يخدم قطاع القضاء الذي هو أحد أهم قطاعات الدولة .
ومن اللائق الإشارة إلى أن جلالة الملك خالد بن عبد العزيز يرحمه الله أمر باعتماد صرف بدل سكن للقضاة عام 1398هـ ؛ إلا أن القضاة لم يُسعَدُوا بإنفاذ هذا الأمر السامي الكريم حتى هذه الساعة .

رابعاً / المراجع :
يحتاج القاضي لأداء عمله إلى تأمينِ مراجعَ فقهيةٍ ، وحديثيَّةٍ ، وأصوليةٍ ، ولغويةٍ ، وثقافيةٍ ، وحقوقيةٍ ؛ وبخاصة : القضاة في الأماكن النائية والبعيدة عن الحواضر الملأى بالمكتبات العامة ، كما يحتاج كل قاضٍ إلى تأمين جهاز حاسبٍ آليٍ ، واشتراكٍ في الشبكة العنكبوتية ( الأنترنت ) ؛ ليبقى على صلةٍ بكل جديدٍ في العالم ، وللتواصل مع زملائهم كما لمسته من كثيرٍ منهم بسبب هذه المقالات ، ومن لم يتقن التعامل مع الحاسب منهم فإنه يحتاج إلى دوراتٍ متخصصةٍ في استخداماته المتنوعة ، وكل ذلك من إعداد القاضي وتهيئته وتوفير عدته وعتاده اللازمة لإتقانه عمله كما هو مطلوب منه .

خامساً / السفر :
يضطر القاضي إلى السفر عِدَّةَ مرات كل عامٍ ؛ من وإلى بلده الأصلي ، أو إلى مكة المكرمة لأداء العمرة أو الحج ، وكثيرٌ من القضاة يلجأ إلى مسؤولي الخطوط أو إلى كبار المسؤولين في بلدانهم ؛ لإجراء تلك الحجوزات .
وإنَّ مما يُحَقِّقُ استقلالية القضاء أن يُصرفَ لكل قاضٍ بطاقة الفرسان من ( الفئة الذهبية ) ، فهي بطاقة تعطي صاحبها : أفضلية الحجز ، وزيادة الوزن ، والخدمة الذهبية المتوفرة في المطارات ؛ وذلك مما يليق بهؤلاء النَّفَر الذين لا يُرهقون المطارات جيئةً وذهاباً إلا بمعدل مرة واحدة في الشهر على أكثر تقدير ، وتوفير هذه الخدمة للقضاة لا يُثقل كاهل الدولة بشيءٍ ، غير أنها تغني القاضي عن تَكفُّفِ الآخرين .

سادساً / الخادم :
يحتاج القاضي إلى قضاءِ حوائجَ كثيرةٍ ؛ منها : اليومي ، والأسبوعي ، والشهري ، الأمر الذي يجعله مضطراً إلى مباشرة تلك الحوائج بنفسه ؛ مما يُلجِئُهُ إلى الاتصال بذوي التجارات وأصحاب الخدمات ، وقد يتعرض خلال هذا الاتصال إلى المحاباة أو الابتزاز ، ولا يليق ذلك بمنصبه الذي يجعله عرضةً للالتقاء بمن حاباه في المحكمة في يومٍ تالٍ ؛ مما يجعل الخادمَ حاجةً مُلِحَّةً ، وقد نص على ذلك الفقهاء في عصورٍ غابرة ؛ يوم أن كانت الحاجات نادرةً ، فكيف بحالنا اليوم!! .

إننا إذ نتحدث عن الحقوق إنما لنجعلها تقدمةً للحديث عن الواجبات ؛ من باب : أنَّ مِمَّا يَحسُنُ بالمُنصِفِ أن يُوَفِّرَ الحق الذي عليه قبل المحاسبة على الواجب الذي له ، وحينئذٍ سنرى كيف تكون محاسبة القضاة بعد تأمين حقوقهم والتعريف بواجباتهم . كان الله في عون الجميع .

الفقير إلى عفو الودود ناصر بن زيد بن داود

عدد التعليقات : 1 | عدد القراء : 4768 | تأريخ النشر : السبت 30 ربيع الأول 1427هـ الموافق 29 أبريل 2006م

اضغط هنا للحصول على صورة المقالة

طباعة المقال

إرسال المقالة
حقوق القضاة المادية حظي القضاء في المملكة العربية السعودية برعاية حكومتها المباركة وبسعي جاد من القيادة أعزها الله ، ولعلي لا أفشي سرا إن ذكرت ما دار بيني وبين معالي وزير العدل د. عبد الله بن محمد آل الشيخ ؛ يوم أن كنت عضوا في لجنة إعداد كادر رواتب القضاة الأخير ؛ حيث اقترحت إحداث مرتبة جديدة بين مرتبة ( رئيس محكمة أ ) ومرتبة ( قاضي تمييز ) لتضييق الفجوة بينهما ، يمكن تسميتها ( رئيس محاكم ) أو ( قاضي تمييز ب ) على أن يخصص لها خمسين وظيفة على الأقل ، غير أن معالي الوزير حرص على سرعة اعتماد الكادر بإبقائه على حاله ، مع مراعاة تضييق الفجوة بزيادة الرواتب الدنيا حتى تتناسب المراتب ، فكان أن قامت اللجنة برفع نسبة الزيادة تصاعديا ، مع زيادة سنوات العلاوة الدورية ؛ لتكون خمس عشرة سنة ؛ لأن إحداث مرتبة ما لابد أن يمر عبر قنوات معقدة تطيل أمد إنفاذها . وحديثنا اليوم عن الحقوق التي يحسن اعتمادها للقضاة ، والتي يحظى به غيرهم من قضاة الدول المتقدمة ومنها : أولا / الرعاية الصحية : إذ القاضي في المدن الكبرى وأسرته يقفون اليوم في طوابير المستوصفات و المستشفيات الحكومية ، أو يتوجهون إلى مثيلاتها الخاصة طلبا للعلاج ، أما في المدن الصغيرة أو القرى النائية فلابد أن يشد القاضي رحله لعلاج طفله ، أو خادمته ، أو لعرض نفسه على طبيب لأي عارض صحي . وقد حز في نفسي خبر تضمن مناشدة أسرة رئيس إحدى المحاكم المسؤولين يطلبون فيه التوسط لنقل فضيلته إلى أحد المستشفيات لعلاجه ؛ ولو كان للقضاة تأمين طبي لما احتاجت الأسرة الفاضلة لإعلان حاجتها تلك في صحيفة يومية . ثانيا / بدل النقل : إذ يتم تعيين القاضي أول أمره في أماكن بعيدة يحتاج معها إلى سيارة نقل قادرة على تحمل ظروف البلد التي يعمل فيها ؛ سواء : كانت جبلية ، أو صحراوية ، أو ريفية ، أو ساحلية . ويتوجب عليه رعاية كونها تحتمل السفر من وإلى بلدته الأصلية في الإجازات والعطلات ، وبواقع أربع مرات في العام على أقل تقدير . فكان تأمين سيارة لكل قاضي مطلبا ضروريا وهاما . ثالثا / السكن : إن من المعتبر تخصيص سكن للقضاة ؛ بحيث إذا وفدوا إلى بلد - حال التعيين أو النقل - يجدونه أمامهم ، وعند نقلهم يتركونه للخلف الآتي بعدهم ؛ حتى لا يمضي القاضي وقته في البحث عن السكن ، وتأثيثه ، والمماكسة في أجرته ، ونقل الأثاث ، وفكه ، وتركيبه ، ونحو ذلك . وإذا علمنا : أن أصغر مدينة - من بين عشرات المدن العسكرية في بلادنا اليوم - تحوي أكثر من ألف وحدة سكنية ، وأن جميع القضاة - في المملكة كلها - لا يتعدون الألف قاض : فإننا نجزم - والحالة هذه – أن سرعة إنفاذ بناء تلك الوحدات السكنية كما أنه ممكن ويسير ، فهو مطلب ضروري وهام ؛ لكونه يخدم قطاع القضاء الذي هو أحد أهم قطاعات الدولة . ومن اللائق الإشارة إلى أن جلالة الملك خالد بن عبد العزيز يرحمه الله أمر باعتماد صرف بدل سكن للقضاة عام 1398هـ ؛ إلا أن القضاة لم يسعدوا بإنفاذ هذا الأمر السامي الكريم حتى هذه الساعة . رابعا / المراجع : يحتاج القاضي لأداء عمله إلى تأمين مراجع فقهية ، وحديثية ، وأصولية ، ولغوية ، وثقافية ، وحقوقية ؛ وبخاصة : القضاة في الأماكن النائية والبعيدة عن الحواضر الملأى بالمكتبات العامة ، كما يحتاج كل قاض إلى تأمين جهاز حاسب آلي ، واشتراك في الشبكة العنكبوتية ( الأنترنت ) ؛ ليبقى على صلة بكل جديد في العالم ، وللتواصل مع زملائهم كما لمسته من كثير منهم بسبب هذه المقالات ، ومن لم يتقن التعامل مع الحاسب منهم فإنه يحتاج إلى دورات متخصصة في استخداماته المتنوعة ، وكل ذلك من إعداد القاضي وتهيئته وتوفير عدته وعتاده اللازمة لإتقانه عمله كما هو مطلوب منه . خامسا / السفر : يضطر القاضي إلى السفر عدة مرات كل عام ؛ من وإلى بلده الأصلي ، أو إلى مكة المكرمة لأداء العمرة أو الحج ، وكثير من القضاة يلجأ إلى مسؤولي الخطوط أو إلى كبار المسؤولين في بلدانهم ؛ لإجراء تلك الحجوزات . وإن مما يحقق استقلالية القضاء أن يصرف لكل قاض بطاقة الفرسان من ( الفئة الذهبية ) ، فهي بطاقة تعطي صاحبها : أفضلية الحجز ، وزيادة الوزن ، والخدمة الذهبية المتوفرة في المطارات ؛ وذلك مما يليق بهؤلاء النفر الذين لا يرهقون المطارات جيئة وذهابا إلا بمعدل مرة واحدة في الشهر على أكثر تقدير ، وتوفير هذه الخدمة للقضاة لا يثقل كاهل الدولة بشيء ، غير أنها تغني القاضي عن تكفف الآخرين . سادسا / الخادم : يحتاج القاضي إلى قضاء حوائج كثيرة ؛ منها : اليومي ، والأسبوعي ، والشهري ، الأمر الذي يجعله مضطرا إلى مباشرة تلك الحوائج بنفسه ؛ مما يلجئه إلى الاتصال بذوي التجارات وأصحاب الخدمات ، وقد يتعرض خلال هذا الاتصال إلى المحاباة أو الابتزاز ، ولا يليق ذلك بمنصبه الذي يجعله عرضة للالتقاء بمن حاباه في المحكمة في يوم تال ؛ مما يجعل الخادم حاجة ملحة ، وقد نص على ذلك الفقهاء في عصور غابرة ؛ يوم أن كانت الحاجات نادرة ، فكيف بحالنا اليوم!! . إننا إذ نتحدث عن الحقوق إنما لنجعلها تقدمة للحديث عن الواجبات ؛ من باب : أن مما يحسن بالمنصف أن يوفر الحق الذي عليه قبل المحاسبة على الواجب الذي له ، وحينئذ سنرى كيف تكون محاسبة القضاة بعد تأمين حقوقهم والتعريف بواجباتهم . كان الله في عون الجميع .
(1) - عنوان التعليق : الله المستعان

تأريخ النشر: الثلاثاء 24 ربيع الثاني 1429هـ الموافق 29 أبريل 2008مسيحية

نص التعليق
مقال جيد وأقول يا فضيلة الشيخ إن ولاة الأمر في بلادنا المباركة يعتبرون أبواب خير ورخاء لكل المواطنين بما فيهم القضاة ونظرتهم للقضاء والقضاة تثلج الصدر لكن للأسف أصحاب القرار في وزارة العدل متراخين ويحجمون عند أول رد سلبي وأما أصحاب القرار في الجهات الأخرى فهم بعيدون عن تصور معاناة القضاة الحياتية وغير عارفين بما للقضاة في الدول الأخرى من مميزات ومخصصات لائقة تضمن لهم الحياة الكريمة العفيفة التي تعطي لقضائهم سياجاً منيعاً من الحصانة والنزاهة .
آمل بمختصر العبارة من الدولة مساواة القضاة بأمثالهم في الدول الأخرى على أقل تقدير .

طباعة التعليق

إرسال التعليق
إرسال المقالة والتعليقات إلى صديق
التعليقات متاحة للزوار التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع