قضائيات وردني عبر البريد الإلكتروني رسالة كريمة ، هذا نصها :-
حضرة الشيخ الدكتور ناصر بن زيد بن ناصر بن داود المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اطلعت على صفحتكم الإلكترونية وأعجبت بها من خلال الأبحاث والإجابة على الأسئلة ، ولدي بحث فقهي قانوني وفي حاجة إلى جوابكم وتجربتكم وسؤالي هو =
هل يحدث للقاضي أن يعيش قلقا نفسيا بعد أن تمر عليه عدة قضايا يستشعر فيها أنّ حكمه لم يوافق الإنصاف، فربما حكم ببراءة الجاني، وحكم بجرم البرئ ، وذلك بسبب ضعف البرئ في نفي التهمة عن نفسه ، وفي المقابل استطاع المجرم الحقيقي بمهارته أن يخرق القانون دون أن تثبت عليه التهمة ، والقاضي ليس أمامه إلا الأدلة وإن خالف شعوره، ولعله بعد حين تتضح للقاضي أدلة أخرى بعد الحكم وفوات الأوان، لهذا قال النبي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام :\" إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قطعت له من حق أخيه شيئا ، فإنما أقطع له قطعة من النار\" فالنبي هنا يتبرأ من الحكم الذي فيه ظلم ، ولو أنصف الناس لاستراح القاضي من هم الظلم والحيف .
= أي الأسباب أقوى في نظرك في اختراق القانون وتهرب الجاني من التبعات؟
أهو ضعف القانون وبالتالي يحتاج إلى تطوير وإحكام؟
أم عدم بذل الهيئات المعنية ببذل جهدها الكافي في إيجاد أدلة الإثبات؟
- أم عدم قدرة القاضي على استلال الأدلة من خلال القرائن المتعددة؟
- أم هي الضغوط الخارجية التي تهيمن على نفسية القاضي؟
= ما تعليقك ورأيك في الأسئلة وما نصيحتك؟
أرجو أيها الشيخ مساعدتي في الجواب خصوصا في السؤال الأول وجزاك الله خير الجزاء والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،
=================================

فأجبته :
فضيلة الشيخ أحمد . البحرين
عليكم السلام ورحمة الله وبركاته
أخي الفاضل : القلق النفسي لا يعيشه القاضي المتحصن بالتوكل على الله ، ثم بسلامة قلبه وبتضلعه من العلم ، فما عليه سوى تحري الصواب في إدارة دفة القضية ، والتجرد من كل نوازع الهوى والنفس في أخذ البينات ، ومن ثم دراسة الجميع بعد قفل باب المرافعة ، والاجتهاد في تنزيل الحكم على الواقعة التي أمامه ، ومباحثة الثقات من الزملاء للعثور على الحكم المناسب على ضوء ما ظهر أثناء المرافعة ، ولا يمنع ذلك أن يسعى القاضي لاستنباط ما خفي من أدلة ، واستجلاب ما بَعُد منها ؛ مما يُوصل إلى الحق والحقيقة قدر الطاقة .

= كما لا ينبغي للقاضي أن يُقدِمَ على حكم لا يغلب على ظنه أنه أقرب الطرق الموصلة إلى العدل ، فإن فعل بلا قطع ولا غلبة ظن : فقد قضى على جهل ، فكان من اللذَين في النار والعياذ بالله .

= أما إذا كانت الأدلة والبراهين تُؤيد أحد المتداعيين - ممن يظنه القاضي مبطلاً - فذلك ما لا يد للقاضي فيه ، وهذا قَدَرُ المحكوم عليه ، وليس على القاضي إلا الحرص على وعظ الخصم وتخويفه من مغبة الظلم وأكل أموال الناس بالباطل ، أو رميهم بالتهم التي هم منها براء ، ونحو ذلك ، وهو ما دل عليه حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم ( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ ) .
- فقول الرسول عليه الصلاة والسلام ( إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ ) يعني : أن البشر مكلفون بما يعلمون ، لا بما خفي عليهم ولو كان حقاً .
- وقوله ( وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ) يعني : أن الحجة قد تطغى على الحجة المقابلة ، فيكون القاضي ملزماً بالحكم بها ظاهراً ، ولو كانت في الباطن ظالمة .
- وقوله ( وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ ) يدل على : أن القاضي غير مسؤول عما لم يظهر له ببينة صالحة ، فالغيب مما اختص الله به ؛ كما في قوله جل شأنه { قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ } .

وإذا اتضح للقاضي أدلة أخرى بعد الحكم وفوات الأوان فعليه : أن يحاول استدراك ما حصل له وفق الإجراءات الرسمية المخولة له ذلك ، ودليله قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في رسالته المشهورة لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، وفيها ( لَا يَمْنَعَنَّكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ ، ثُمَّ رَاجَعْت فِيهِ نَفْسَك ، فَهُدِيت لِرُشْدِك أَنْ تَقْضِيَهُ ، فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ لَا يَنْقُضُهُ شَيْءٌ ، وَالرُّجُوعُ إلَى الْحَقِّ خَيْرٌ مِنْ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ ) .

فإن لم يتمكن القاضي من استدراك حكمه الأول ، وَسُدت الأبواب في وجه حاجته ، فلا داعي للقلق ، ولنا في سلفنا الصالح قدوة وأسوة ، فهذا الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه حَكَمَ بِحِرْمَانِ الْأَخِ مِنْ الْأَبَوَيْنِ فِي الْمُشَرَّكَةِ ، ثُمَّ شَرَّكَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وقَالَ : ذَاكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا ، وَهَذَا عَلَى مَا نَقْضِي ، وَلَمْ يَنْقُضْ قَضَاءَهُ الْأَوَّلَ ) .

=====================================
أما أسباب اختراق الأنظمة والقوانين ، وتمكن الجاني من السلامة من التبعات .
فقد ذكرت - حفظك الله - في رسالتك أسباباً أربعة ؛ هي :-

1/ ضعف القانون وحاجته إلى التطوير والإحكام

وهذا حق ، فالقانون وكتب الفقه كلها لا تفي بجميع حاجات الناس ، ولذلك كان لابد للناس من قاضٍ ذي نظرٍ في النصوص يستطيع العثور على الأدلة الخاصة منها ، وعلى تنزيل القواعد العامة والأصول الثابتة على ما لا يجد له دليل بخصوصه ، وهو ما يعرف بحكمة التشريع ، أو مقاصد الشريعة ، أو روح القانون ؛ الذي هو : مجموعة الأسباب والدواعي التي أوجبت صياغته .
وإذا لم يعمل القاضي بذلك المقتضى فهو في أفضل حالاته ( إنسان مبرمج ) ، أشبه جهاز الحاسب الآلي الأصم ، الذي لا يعقل غير ما وضع فيه من برامج .

2/ عدم بذل الهيئات المعنية جهدها الكافي في إيجاد أدلة الإثبات .

وهذا حق أيضاً ، فعدم تعاون جهات التحقيق يُضَيِّع كثيراً من الأدلة ، وَيُخفي المزيد من الحقائق ، وَيُمَكِّن المجرم أو أعوانه ، أو من غرر به من الهروب من التبعة .
ويكفي أن تعلم أن كل قاضٍ يعرض له من ذلك الكثير ، فيجد نفسه أمام تحقيقٍ مبتورٍ ، لا يمكن تدارك نواقصه ولا تلافي آثار عيوبه ، فيجد القاضي نفسه مضطراً للنظر فيما بين يديه من دلائل ، ومع ذلك : فالقاضي يقدر على الإشارة إلى تلك العيوب والنواقص ، ويستدل بها في التخفيف من الإدانة أو العقوبة ، أو يُعَضِّدُ الأدلة المتوافرة بأيمان المستفيد منها .

3/ عدم قدرة القاضي على استلال الأدلة من خلال القرائن المتعددة

وهذا موجود في كل زمان ومكان ، وعدم قدرة القاضي على استلال الأدلة من مجموع القرائن المتوافرة في القضية : يُعَدُّ عيباً كبيراً في القاضي ، فهو والجاهل بالحكم سواء ؛ بخلاف عدم التوفيق في استلال القرائن في قضية أو قضيتين مثلاً ، أما عدم القدرة بالكلية فتلك مأساة حقيقة .

4/ الضغوط الخارجية التي تهيمن على نفسية القاضي

والجواب : ما من ضغوط خارجية تقدر على التحكم بمسار القضية بعد ولوجها أبواب القضاء ، وعلى فرض تعاطف أيٍ من مسؤولي القضاء مع طرفٍ ما من أطراف القضية : فالقاضي لا سبيل عليه لأحد في جميع الشرائع والقوانين ، وعلى فرض حصوله : فالذي عليه هو الحكم بما يراه مبرئاً ذمته ، دون الالتفات إلى رضى هذا ولا ذاك . ومن يهن يسهل الهوان عليه

أخي العزيز :
هناك أسباب لم ترد في رسالتك الكريمة ، وهي :-
5/ إخفاء صاحب الحق بعض الأحداث والملابسات للستر على عزيز عليه ، واعتقاد أن موقفه لن يتأثر مع ذلك الإخفاء ، فينقلب الحق عليه ، وعندما يتبين له مغبة عمله لا ينفعه الندم . وحوادثه كثيرة جداً

6/ اعتراف المدعى عليه بما ليس في ذمته عندما ييأس من سلامة موقفه ، وقد حصل ذلك في زمن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ؛ فيما نقله عنه ابن القيم في كتابه الطرق الحكمية ، قال ( فَصْلٌ ) وَمِنْ قَضَايَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَنَّهُ أُتِيَ بِرَجُلٍ وُجِدَ فِي خَرِبَةٍ بِيَدِهِ سِكِّينٌ مُتَلَطِّخَةٌ بِدَمٍ ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ قَتِيلٌ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ . فَسَأَلَهُ ؟ فَقَالَ : أَنَا قَتَلْته ، قَالَ : اذْهَبُوا بِهِ فَاقْتُلُوهُ . فَلَمَّا ذُهِبَ بِهِ أَقْبَلَ رَجُلٌ مُسْرِعًا ، فَقَالَ : يَا قَوْمُ ، لَا تَعْجَلُوا . رُدُّوهُ إلَى عَلِيٍّ ، فَرَدُّوهُ ، فَقَالَ الرَّجُلُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، مَا هَذَا صَاحِبُهُ ، أَنَا قَتَلْته . فَقَالَ عَلِيٌّ لِلْأَوَّلِ : مَا حَمَلَك عَلَى أَنْ قُلْت : أَنَا قَاتِلُهُ ، وَلَمْ تَقْتُلْهُ ؟ قَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَصْنَعَ ؟ وَقَدْ وَقَفَ الْعَسَسُ عَلَى الرَّجُلِ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ ، وَأَنَا وَاقِفٌ ، وَفِي يَدِي سِكِّينٌ ، وَفِيهَا أَثَرُ الدَّمِ ، وَقَدْ أُخِذْت فِي خَرِبَةٍ ؟ فَخِفْت أَلَّا يُقْبَلَ مِنِّي ، وَأَنْ يَكُونَ قَسَامَةٌ ، فَاعْتَرَفْت بِمَا لَمْ أَصْنَعْ ، وَاحْتَسَبْت نَفْسِي عِنْدَ اللَّهِ . فَقَالَ عَلِيٌّ : بِئْسَمَا صَنَعْت . فَكَيْفَ كَانَ حَدِيثُك ؟ قَالَ : إنِّي رَجُلٌ قَصَّابٌ ، خَرَجْت إلَى حَانُوتِي فِي الْغَلَسِ ، فَذَبَحْت بَقَرَةً وَسَلَخْتهَا . فَبَيْنَمَا أَنَا أَسْلُخُهَا وَالسِّكِّينُ فِي يَدِي أَخَذَنِي الْبَوْلُ . فَأَتَيْت خَرِبَةً كَانَتْ بِقُرْبِي فَدَخَلْتهَا ، فَقَضَيْت حَاجَتِي ، وَعُدْت أُرِيدُ حَانُوتِي ، فَإِذَا أَنَا بِهَذَا الْمَقْتُولِ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ فَرَاعَنِي أَمْرُهُ ، فَوَقَفْت أَنْظُرُ إلَيْهِ وَالسِّكِّينُ فِي يَدِي ، فَلَمْ أَشْعُرْ إلَّا بِأَصْحَابِك قَدْ وَقَفُوا عَلَيَّ فَأَخَذُونِي ، فَقَالَ النَّاسُ : هَذَا قَتَلَ هَذَا ، مَا لَهُ قَاتِلٌ سِوَاهُ . فَأَيْقَنْت أَنَّك لَا تَتْرُكُ قَوْلَهُمْ لِقَوْلِي ، فَاعْتَرَفْت بِمَا لَمْ أَجْنِهِ ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِلْمُقِرِّ الثَّانِي : فَأَنْتَ كَيْفَ كَانَتْ قِصَّتُك ؟ فَقَالَ أَغْوَانِي إبْلِيسٌ ، فَقَتَلْت الرَّجُلَ طَمَعًا فِي مَالِهِ ، ثُمَّ سَمِعْت حِسَّ الْعَسَسِ ، فَخَرَجْت مِنْ الْخَرِبَةِ ، وَاسْتَقْبَلْت هَذَا الْقَصَّابَ عَلَى الْحَالِ الَّتِي وَصَفَ ، فَاسْتَتَرْت مِنْهُ بِبَعْضِ الْخَرِبَةِ حَتَّى أَتَى الْعَسَسُ ، فَأَخَذُوهُ وَأَتَوْك بِهِ . فَلَمَّا أَمَرْتَ بِقَتْلِهِ عَلِمْت أَنِّي سَأَبُوءُ بِدَمِهِ أَيْضًا ، فَاعْتَرَفْت بِالْحَقِّ . فَقَالَ لِلْحَسَنِ : مَا الْحُكْمُ فِي ، هَذَا ؟ قَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنْ كَانَ قَدْ قَتَلَ نَفْسًا فَقَدْ أَحْيَا نَفْسًا ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا } ، فَخَلَّى عَلِيٌّ عَنْهُمَا ، وَأَخْرَجَ دِيَةَ الْقَتِيلِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ .

فأي ذنب على القاضي إذا رضي المتهم على نفسه ما لا يرضاه له القاضي ، وما يعلم أنه مؤاخذ به ، وما سيتعلق به خصومه أمام كل أحد ، وقد يكونون على حقٍ - في الظاهر - إذا لم يعلموا حقيقة الموقف .

أخي الكريم : يقول الشاعر
إذا لم يكن عون من الله للفتى *** فأول ما يجني عليه اجتهاده
اجعل تعلقك بالله ، واطلب العون والسداد منه ، ولا تخش ولا تخف من أحد غيره ، واسأل الله لك السلامة فقد روى البخاري في الأدب المفرد ( أن ابن عمر رضي الله عنه كان إذا خرج من بيته قال : اللهم سلمني وسلم مني ) . وروى البيهقي قال ( كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ لَا يَكَادُ يُفْتِي فُتْيَا وَلَا يَقُولُ شَيْئًا ؛ إلَّا قَالَ : اللَّهُمَّ سَلِّمْنِي وَسَلِّمْ مِنِّي ) .

وحسنٌ منك أن تعتد في دخولك المحكمة وخروجك منها أن تقول : رَبّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا . ولن تر إلا ما يسرك . والسلام عليك

-

الفقير إلى عفو الودود ناصر بن زيد بن داود

عدد التعليقات : 1 | عدد القراء : 4072 | تأريخ النشر : الثلاثاء 28 شعبان 1430هـ الموافق 18 أغسطس 2009م

طباعة المقال

إرسال المقالة
(( الخطأ في القضاء )) وردني عبر البريد الإلكتروني رسالة كريمة ، هذا نصها :- حضرة الشيخ الدكتور ناصر بن زيد بن ناصر بن داود المحترم السلام عليكم ورحمة الله وبركاته اطلعت على صفحتكم الإلكترونية وأعجبت بها من خلال الأبحاث والإجابة على الأسئلة ، ولدي بحث فقهي قانوني وفي حاجة إلى جوابكم وتجربتكم وسؤالي هو = هل يحدث للقاضي أن يعيش قلقا نفسيا بعد أن تمر عليه عدة قضايا يستشعر فيها أن حكمه لم يوافق الإنصاف، فربما حكم ببراءة الجاني، وحكم بجرم البرئ ، وذلك بسبب ضعف البرئ في نفي التهمة عن نفسه ، وفي المقابل استطاع المجرم الحقيقي بمهارته أن يخرق القانون دون أن تثبت عليه التهمة ، والقاضي ليس أمامه إلا الأدلة وإن خالف شعوره، ولعله بعد حين تتضح للقاضي أدلة أخرى بعد الحكم وفوات الأوان، لهذا قال النبي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام :\" إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قطعت له من حق أخيه شيئا ، فإنما أقطع له قطعة من النار\" فالنبي هنا يتبرأ من الحكم الذي فيه ظلم ، ولو أنصف الناس لاستراح القاضي من هم الظلم والحيف . = أي الأسباب أقوى في نظرك في اختراق القانون وتهرب الجاني من التبعات؟ أهو ضعف القانون وبالتالي يحتاج إلى تطوير وإحكام؟ أم عدم بذل الهيئات المعنية ببذل جهدها الكافي في إيجاد أدلة الإثبات؟ - أم عدم قدرة القاضي على استلال الأدلة من خلال القرائن المتعددة؟ - أم هي الضغوط الخارجية التي تهيمن على نفسية القاضي؟ = ما تعليقك ورأيك في الأسئلة وما نصيحتك؟ أرجو أيها الشيخ مساعدتي في الجواب خصوصا في السؤال الأول وجزاك الله خير الجزاء والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،، ================================= فأجبته : فضيلة الشيخ أحمد . البحرين عليكم السلام ورحمة الله وبركاته أخي الفاضل : القلق النفسي لا يعيشه القاضي المتحصن بالتوكل على الله ، ثم بسلامة قلبه وبتضلعه من العلم ، فما عليه سوى تحري الصواب في إدارة دفة القضية ، والتجرد من كل نوازع الهوى والنفس في أخذ البينات ، ومن ثم دراسة الجميع بعد قفل باب المرافعة ، والاجتهاد في تنزيل الحكم على الواقعة التي أمامه ، ومباحثة الثقات من الزملاء للعثور على الحكم المناسب على ضوء ما ظهر أثناء المرافعة ، ولا يمنع ذلك أن يسعى القاضي لاستنباط ما خفي من أدلة ، واستجلاب ما بعد منها ؛ مما يوصل إلى الحق والحقيقة قدر الطاقة . = كما لا ينبغي للقاضي أن يقدم على حكم لا يغلب على ظنه أنه أقرب الطرق الموصلة إلى العدل ، فإن فعل بلا قطع ولا غلبة ظن : فقد قضى على جهل ، فكان من اللذين في النار والعياذ بالله . = أما إذا كانت الأدلة والبراهين تؤيد أحد المتداعيين - ممن يظنه القاضي مبطلا - فذلك ما لا يد للقاضي فيه ، وهذا قدر المحكوم عليه ، وليس على القاضي إلا الحرص على وعظ الخصم وتخويفه من مغبة الظلم وأكل أموال الناس بالباطل ، أو رميهم بالتهم التي هم منها براء ، ونحو ذلك ، وهو ما دل عليه حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم ( إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذ فإنما أقطع له قطعة من النار ) . - فقول الرسول عليه الصلاة والسلام ( إنما أنا بشر ) يعني : أن البشر مكلفون بما يعلمون ، لا بما خفي عليهم ولو كان حقا . - وقوله ( ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ) يعني : أن الحجة قد تطغى على الحجة المقابلة ، فيكون القاضي ملزما بالحكم بها ظاهرا ، ولو كانت في الباطن ظالمة . - وقوله ( وأقضي له على نحو ما أسمع ) يدل على : أن القاضي غير مسؤول عما لم يظهر له ببينة صالحة ، فالغيب مما اختص الله به ؛ كما في قوله جل شأنه { قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله } . وإذا اتضح للقاضي أدلة أخرى بعد الحكم وفوات الأوان فعليه : أن يحاول استدراك ما حصل له وفق الإجراءات الرسمية المخولة له ذلك ، ودليله قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في رسالته المشهورة لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، وفيها ( لا يمنعنك قضاء قضيته ، ثم راجعت فيه نفسك ، فهديت لرشدك أن تقضيه ، فإن الحق قديم لا ينقضه شيء ، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ) . فإن لم يتمكن القاضي من استدراك حكمه الأول ، وسدت الأبواب في وجه حاجته ، فلا داعي للقلق ، ولنا في سلفنا الصالح قدوة وأسوة ، فهذا الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه حكم بحرمان الأخ من الأبوين في المشركة ، ثم شرك بعد ذلك ، وقال : ذاك على ما قضينا ، وهذا على ما نقضي ، ولم ينقض قضاءه الأول ) . ===================================== أما أسباب اختراق الأنظمة والقوانين ، وتمكن الجاني من السلامة من التبعات . فقد ذكرت - حفظك الله - في رسالتك أسبابا أربعة ؛ هي :- 1/ ضعف القانون وحاجته إلى التطوير والإحكام وهذا حق ، فالقانون وكتب الفقه كلها لا تفي بجميع حاجات الناس ، ولذلك كان لابد للناس من قاض ذي نظر في النصوص يستطيع العثور على الأدلة الخاصة منها ، وعلى تنزيل القواعد العامة والأصول الثابتة على ما لا يجد له دليل بخصوصه ، وهو ما يعرف بحكمة التشريع ، أو مقاصد الشريعة ، أو روح القانون ؛ الذي هو : مجموعة الأسباب والدواعي التي أوجبت صياغته . وإذا لم يعمل القاضي بذلك المقتضى فهو في أفضل حالاته ( إنسان مبرمج ) ، أشبه جهاز الحاسب الآلي الأصم ، الذي لا يعقل غير ما وضع فيه من برامج . 2/ عدم بذل الهيئات المعنية جهدها الكافي في إيجاد أدلة الإثبات . وهذا حق أيضا ، فعدم تعاون جهات التحقيق يضيع كثيرا من الأدلة ، ويخفي المزيد من الحقائق ، ويمكن المجرم أو أعوانه ، أو من غرر به من الهروب من التبعة . ويكفي أن تعلم أن كل قاض يعرض له من ذلك الكثير ، فيجد نفسه أمام تحقيق مبتور ، لا يمكن تدارك نواقصه ولا تلافي آثار عيوبه ، فيجد القاضي نفسه مضطرا للنظر فيما بين يديه من دلائل ، ومع ذلك : فالقاضي يقدر على الإشارة إلى تلك العيوب والنواقص ، ويستدل بها في التخفيف من الإدانة أو العقوبة ، أو يعضد الأدلة المتوافرة بأيمان المستفيد منها . 3/ عدم قدرة القاضي على استلال الأدلة من خلال القرائن المتعددة وهذا موجود في كل زمان ومكان ، وعدم قدرة القاضي على استلال الأدلة من مجموع القرائن المتوافرة في القضية : يعد عيبا كبيرا في القاضي ، فهو والجاهل بالحكم سواء ؛ بخلاف عدم التوفيق في استلال القرائن في قضية أو قضيتين مثلا ، أما عدم القدرة بالكلية فتلك مأساة حقيقة . 4/ الضغوط الخارجية التي تهيمن على نفسية القاضي والجواب : ما من ضغوط خارجية تقدر على التحكم بمسار القضية بعد ولوجها أبواب القضاء ، وعلى فرض تعاطف أي من مسؤولي القضاء مع طرف ما من أطراف القضية : فالقاضي لا سبيل عليه لأحد في جميع الشرائع والقوانين ، وعلى فرض حصوله : فالذي عليه هو الحكم بما يراه مبرئا ذمته ، دون الالتفات إلى رضى هذا ولا ذاك . ومن يهن يسهل الهوان عليه أخي العزيز : هناك أسباب لم ترد في رسالتك الكريمة ، وهي :- 5/ إخفاء صاحب الحق بعض الأحداث والملابسات للستر على عزيز عليه ، واعتقاد أن موقفه لن يتأثر مع ذلك الإخفاء ، فينقلب الحق عليه ، وعندما يتبين له مغبة عمله لا ينفعه الندم . وحوادثه كثيرة جدا 6/ اعتراف المدعى عليه بما ليس في ذمته عندما ييأس من سلامة موقفه ، وقد حصل ذلك في زمن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ؛ فيما نقله عنه ابن القيم في كتابه الطرق الحكمية ، قال ( فصل ) ومن قضايا علي رضي الله عنه : أنه أتي برجل وجد في خربة بيده سكين متلطخة بدم ، وبين يديه قتيل يتشحط في دمه . فسأله ؟ فقال : أنا قتلته ، قال : اذهبوا به فاقتلوه . فلما ذهب به أقبل رجل مسرعا ، فقال : يا قوم ، لا تعجلوا . ردوه إلى علي ، فردوه ، فقال الرجل : يا أمير المؤمنين ، ما هذا صاحبه ، أنا قتلته . فقال علي للأول : ما حملك على أن قلت : أنا قاتله ، ولم تقتله ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، وما أستطيع أن أصنع ؟ وقد وقف العسس على الرجل يتشحط في دمه ، وأنا واقف ، وفي يدي سكين ، وفيها أثر الدم ، وقد أخذت في خربة ؟ فخفت ألا يقبل مني ، وأن يكون قسامة ، فاعترفت بما لم أصنع ، واحتسبت نفسي عند الله . فقال علي : بئسما صنعت . فكيف كان حديثك ؟ قال : إني رجل قصاب ، خرجت إلى حانوتي في الغلس ، فذبحت بقرة وسلختها . فبينما أنا أسلخها والسكين في يدي أخذني البول . فأتيت خربة كانت بقربي فدخلتها ، فقضيت حاجتي ، وعدت أريد حانوتي ، فإذا أنا بهذا المقتول يتشحط في دمه فراعني أمره ، فوقفت أنظر إليه والسكين في يدي ، فلم أشعر إلا بأصحابك قد وقفوا علي فأخذوني ، فقال الناس : هذا قتل هذا ، ما له قاتل سواه . فأيقنت أنك لا تترك قولهم لقولي ، فاعترفت بما لم أجنه ، فقال علي للمقر الثاني : فأنت كيف كانت قصتك ؟ فقال أغواني إبليس ، فقتلت الرجل طمعا في ماله ، ثم سمعت حس العسس ، فخرجت من الخربة ، واستقبلت هذا القصاب على الحال التي وصف ، فاستترت منه ببعض الخربة حتى أتى العسس ، فأخذوه وأتوك به . فلما أمرت بقتله علمت أني سأبوء بدمه أيضا ، فاعترفت بالحق . فقال للحسن : ما الحكم في ، هذا ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، إن كان قد قتل نفسا فقد أحيا نفسا ، وقد قال الله تعالى : { ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا } ، فخلى علي عنهما ، وأخرج دية القتيل من بيت المال . فأي ذنب على القاضي إذا رضي المتهم على نفسه ما لا يرضاه له القاضي ، وما يعلم أنه مؤاخذ به ، وما سيتعلق به خصومه أمام كل أحد ، وقد يكونون على حق - في الظاهر - إذا لم يعلموا حقيقة الموقف . أخي الكريم : يقول الشاعر إذا لم يكن عون من الله للفتى *** فأول ما يجني عليه اجتهاده اجعل تعلقك بالله ، واطلب العون والسداد منه ، ولا تخش ولا تخف من أحد غيره ، واسأل الله لك السلامة فقد روى البخاري في الأدب المفرد ( أن ابن عمر رضي الله عنه كان إذا خرج من بيته قال : اللهم سلمني وسلم مني ) . وروى البيهقي قال ( كان سعيد بن المسيب لا يكاد يفتي فتيا ولا يقول شيئا ؛ إلا قال : اللهم سلمني وسلم مني ) . وحسن منك أن تعتد في دخولك المحكمة وخروجك منها أن تقول : رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا . ولن تر إلا ما يسرك . والسلام عليك -
(1) - عنوان التعليق : شكر

تأريخ النشر: الاثنين 30 ربيع الأول 1431هـ الموافق 15 مارس 2010مسيحية

نص التعليق
بارك الله بكم يا فضيلة الشيخ ونفع بعلمكم.

طباعة التعليق

إرسال التعليق
إرسال المقالة والتعليقات إلى صديق
التعليقات متاحة للزوار التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع