قضائيات يحكى أن فلاحاً بسيطاً ورث الفلاحة كابراً عن كابر ، وحل محل والده بعد أن شاخ وكبرت سنه ، ورزق بابنين ممتلئين حيوية ونشاطاً ، وصارا يساعدان والدهما في عمله في المزرعة .

عندما حان وقت حصاد قصب السكر ذهب الفلاح مع ابنيه على سيارتهما للحصاد ونقل المحصول إلى السوق .

بدأ الأب في حصاد القصب وتجميعه على هيئة أكوام متفرقة ، وترك مهمة نقل الأكوام للابن الكبير ، أما الابن الصغير فتولى مهمة ترتيب أعواد القصب بشكل منظم في حوض السيارة .


بدأ الابن الأكبر في جلب أكوام القصب من المزرعة إلى السيارة ، وتعجب الابن الصغير من أخيه فهو يجلب القصب ولا يضعه في حوض السيارة مباشرة ، بل يرمي به على الأرض ، ثم يبدأ في تكسير القصب إلى نصفين ، ثم يرمي به في الحوض ؛ طالباً من أخيه الصغير أن يبدأ في ترتيب القصب .


لم يستعجل الصغير في السؤال عن سبب التكسير ، وانتظر حتى ذهب أخوه لجلب الكومة الثانية ، وأخذ عوداً من أعواد القصب وقاسه على طول حوض السيارة فوجد أن الحوض أطول من أعواد القصب ؛ بحيث يمكن وضع القصب بطوله في الحوض دون تكسير .


عندما عاد أخوه حاملاً كومة ثانية من كومات القصب - سأله الصغير :
- لماذا تقوم بتكسير القصب ، ولا تضعه بطوله في الحوض ؟.

توقف الكبير عن العمل ، وأطرق ليجد جواباً ، فلم يعثر على سبب ؛ سوى أن هذا العمل هو ما كان يرى والده يقوم به منذ بدأ في مساعدته في المزرعة .
عند ذلك : نظر إلى أخيه الصغير الذي ينتظر الجواب بفارغ الصبر ، وقال له :
- إذا جاء أبوك فاسأله .


أكمل الولدان عملهما على ذات النمط ، وفي نهاية اليوم عاد الجميع إلى المنزل ، وفي الطريق سأل الصغير والده عن سبب تنصيف عود القصب قبل التحميل ، لم يكن لدى الوالد الوقت المناسب للتفكير بسبب الإجهاد الذي لحق به من العمل .


بعد الفراغ من بيع المحصول عاد الثلاثة إلى المنزل ، وكان في استقبالهم رب الأسرة ( جد الولدين ) ، وبعد الاستراحة أعاد الصغير سؤاله لأبيه والجد يسمع ، فلم يجد الأب جواباً ، فأحاله إلى جده ، وهنا جاء الجواب الصاعقة !!!.


جاء الجواب صدمة للجد والأب والابن الكبير ؛ فقد أصابهما بذهولٍ وإحساسٍ بالخيبة والانكسار ، في الوقت الذي غشي على الصغير من الضحك .


فماذا قال الجد لحفيده عن سبب تنصيف أعواد القصب قبل تحميلها ؟.

إليكم جواب الجد :
يا بني !، كنا نحصد القصب في الزمن الماضي ، ونقوم بتحميله في أوعية وحاويات من الليف نضعها على ظهور الحمير ، هذه الأوعية لكلٍ منها جيبان عن يمين الدابة وعن يسارها ، وتسمى : الخرج ، أو العدل .

تابع الجد حديثه :
ولأن أعواد القصب تبلغ الثلاثة الأمتار أحياناً : فإننا لا نضعها بطولها على ظهر الحمار ؛ حتى لا تؤذيه بضرب رأسه ؛ إن جعلنا طولها مما يلي رأسه ، وحتى لا تتتلوث بالتراب ؛ إن جعلنا طولها مما يلي ذيل الحمار ، فنضطر لكسر أعواد القصب ؛ لتكون على مقاس ظهر الحمار . انتهى

فماذا أنتج هذا الحراك العقلي :
منذ ذلك اليوم صار الابن الكبير يأتي بالكومة من القصب من المزرعة إلى ظهر السيارة مباشرة ؛ ليقوم الصغير بترتيبها كما هي بطولها ، فَقَلَّت ساعات العمل ، وَخَفَّ الجهد المبذول ، وزادت أسعار القصب ، وسُعدت العائلة بإضاءة من عقل الصغير .

===================================

أيها الإخوة الكرام :
نحن أحوج إلى أن نضيء عقولنا ؛ لتبديد الظلمات ، وسد الثلمات ، ومد الأنظار إلى الآفاق ، واستجلاء الدرر في الأعماق ؛ بدلاً عن ترديد : إنا وجدنا . والله الهادي إلى سواء السبيل



http://www.cojss.com/vb/showthread.php?p=9988#post9988

الفقير إلى عفو الودود ناصر بن زيد بن داود

ليست هناك تعليقات | عدد القراء : 2917 | تأريخ النشر : الخميس 18 شعبان 1431هـ الموافق 29 يوليو 2010م

طباعة المقال

إرسال المقالة
(( إضاءة العقول تبدد ظلمات التقليد )) يحكى أن فلاحا بسيطا ورث الفلاحة كابرا عن كابر ، وحل محل والده بعد أن شاخ وكبرت سنه ، ورزق بابنين ممتلئين حيوية ونشاطا ، وصارا يساعدان والدهما في عمله في المزرعة . عندما حان وقت حصاد قصب السكر ذهب الفلاح مع ابنيه على سيارتهما للحصاد ونقل المحصول إلى السوق . بدأ الأب في حصاد القصب وتجميعه على هيئة أكوام متفرقة ، وترك مهمة نقل الأكوام للابن الكبير ، أما الابن الصغير فتولى مهمة ترتيب أعواد القصب بشكل منظم في حوض السيارة . بدأ الابن الأكبر في جلب أكوام القصب من المزرعة إلى السيارة ، وتعجب الابن الصغير من أخيه فهو يجلب القصب ولا يضعه في حوض السيارة مباشرة ، بل يرمي به على الأرض ، ثم يبدأ في تكسير القصب إلى نصفين ، ثم يرمي به في الحوض ؛ طالبا من أخيه الصغير أن يبدأ في ترتيب القصب . لم يستعجل الصغير في السؤال عن سبب التكسير ، وانتظر حتى ذهب أخوه لجلب الكومة الثانية ، وأخذ عودا من أعواد القصب وقاسه على طول حوض السيارة فوجد أن الحوض أطول من أعواد القصب ؛ بحيث يمكن وضع القصب بطوله في الحوض دون تكسير . عندما عاد أخوه حاملا كومة ثانية من كومات القصب - سأله الصغير : - لماذا تقوم بتكسير القصب ، ولا تضعه بطوله في الحوض ؟. توقف الكبير عن العمل ، وأطرق ليجد جوابا ، فلم يعثر على سبب ؛ سوى أن هذا العمل هو ما كان يرى والده يقوم به منذ بدأ في مساعدته في المزرعة . عند ذلك : نظر إلى أخيه الصغير الذي ينتظر الجواب بفارغ الصبر ، وقال له : - إذا جاء أبوك فاسأله . أكمل الولدان عملهما على ذات النمط ، وفي نهاية اليوم عاد الجميع إلى المنزل ، وفي الطريق سأل الصغير والده عن سبب تنصيف عود القصب قبل التحميل ، لم يكن لدى الوالد الوقت المناسب للتفكير بسبب الإجهاد الذي لحق به من العمل . بعد الفراغ من بيع المحصول عاد الثلاثة إلى المنزل ، وكان في استقبالهم رب الأسرة ( جد الولدين ) ، وبعد الاستراحة أعاد الصغير سؤاله لأبيه والجد يسمع ، فلم يجد الأب جوابا ، فأحاله إلى جده ، وهنا جاء الجواب الصاعقة !!!. جاء الجواب صدمة للجد والأب والابن الكبير ؛ فقد أصابهما بذهول وإحساس بالخيبة والانكسار ، في الوقت الذي غشي على الصغير من الضحك . فماذا قال الجد لحفيده عن سبب تنصيف أعواد القصب قبل تحميلها ؟. إليكم جواب الجد : يا بني !، كنا نحصد القصب في الزمن الماضي ، ونقوم بتحميله في أوعية وحاويات من الليف نضعها على ظهور الحمير ، هذه الأوعية لكل منها جيبان عن يمين الدابة وعن يسارها ، وتسمى : الخرج ، أو العدل . تابع الجد حديثه : ولأن أعواد القصب تبلغ الثلاثة الأمتار أحيانا : فإننا لا نضعها بطولها على ظهر الحمار ؛ حتى لا تؤذيه بضرب رأسه ؛ إن جعلنا طولها مما يلي رأسه ، وحتى لا تتتلوث بالتراب ؛ إن جعلنا طولها مما يلي ذيل الحمار ، فنضطر لكسر أعواد القصب ؛ لتكون على مقاس ظهر الحمار . انتهى فماذا أنتج هذا الحراك العقلي : منذ ذلك اليوم صار الابن الكبير يأتي بالكومة من القصب من المزرعة إلى ظهر السيارة مباشرة ؛ ليقوم الصغير بترتيبها كما هي بطولها ، فقلت ساعات العمل ، وخف الجهد المبذول ، وزادت أسعار القصب ، وسعدت العائلة بإضاءة من عقل الصغير . =================================== أيها الإخوة الكرام : نحن أحوج إلى أن نضيء عقولنا ؛ لتبديد الظلمات ، وسد الثلمات ، ومد الأنظار إلى الآفاق ، واستجلاء الدرر في الأعماق ؛ بدلا عن ترديد : إنا وجدنا . والله الهادي إلى سواء السبيل http://www.cojss.com/vb/showthread.php?p=9988#post9988
التعليقات متاحة للزوار التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع