قضائيات يجد دارسو الشريعة والقانون في بلادنا السعودية أن المجال الأنسب لعملهم هو مجال القضاء ؛ سواء كانوا : مستشارين ، أو محامين ، أو قضاة تحقيق ، أو مدعين عامين ، أو قضاة توثيق ( كتاب العدل ) ، أو قضاة في المحاكم واللجان القضائية التي تنفرد بلادنا بوجود العشرات منها ، وقد نكون الدولة الأولى في العالم من حيث تعدد جهات التقاضي .

= غير أن الحوار بين الصنفين تراه يبلغ ذروة حدته حينما نرى دارسي القانون يحاولون الحصول على حقهم من ذلك المجال الذي يستأثر بمعظمه دارسو الشريعة ، ويأبون التنازل عن شيءٍ منه لإخوانهم من دارسي القانون ، والآخرون مصرون على انتزاع نصيبهم ، والمطالبة بفسح المجال لهم لإثبات كفاءتهم .

= إن من ينظر عن كثب إلى مقاعد القضاء في المملكة يجد أن مشاركة القانونيين فيها لا تظهر إلا على استحياءٍ عبر بعض اللجان القضائية وشبه القضائية ، مع كثرة عددهم ، وتمكنهم من عدتهم ؛ بالخبرات المتعاقبة في ذات المجال ، وبالشهادات العليا للكثير منهم .

= إن كان من تبعة لهذا الأمر فهي على أنظمة التعليم والقائمين عليها في الدرجة الأولى ، ثم على المؤسسة القضائية التي حيَّدت دارسي القانون تحييداً تاماً عن القضاء ، بل وحيَّدت القضاء ذاته عن كثير من الاختصاصات الواجب دخولها في حماه واندراجها ضمن نطاقه ، فألجأت الدولة إلى اختراع ما يسمى : باللجان آنفة الذكر .

= إن هناك من المجالات ما لا يصح أن يستقل بها دارس الشريعة عن دارس القانون ؛ مثل : القضاء العمالي ، القضاء المصرفي ، والقضاء الجمركي ، وقضاء الأوراق التجارية ، وقضاء الأوراق المالية ، والقضاء التأميني ، والقضاء الاستثماري .
ملحوظة :
( الأقضية عدا الأول ستدخل بإذن الله قريباً في القضاء التجاري ) .

= وهناك من المجالات ما لا يمكن لغير دارس الشريعة أن ينفرد بها ؛ مثل : القضاء الأسري ( الأحوال الشخصية ) ، والقضاء العام .

= وهناك من المجالات ما يمكن لكلٍ من دارسي الشريعة ودارسي القانون أن يكونا جنباً إلى جنب في دوائرها ؛ مثل : القضاء الإداري ، والقضاء التجاري ، والقضاء الجزائي ، وقضاء التحقيق ، وقضاء التوثيق .

وطريقة التلاقي في النوع الأخير لا يعدو عن :
- أن يُصمم برنامج متخصص يتمكن به دارس القانون من الإحاطة بأسس القضاء الشرعي الذي تسمو به بلادنا وتُحَلِّقُ به في فضاء العدل من بين سائر الأمم .
- أن يُصمم برنامج متخصص آخر يتمكن به دارس الشريعة من الإحاطة بأسس ونظريات ومسالك القانون الذي تُدار به كثير من مسالك الحياة في بلادنا وفي غيرها من البلدان ، والذي لا يخرج عن كونه من المصالح المرسلة التي أقرتها شريعتنا السمحة .

= على أن هذا لا يكفي ، بل ينبغي إعداد الاستراتيجيات لدمج العلمين القضائيين ؛ بحيث يُعاد النظر في مقررات كلٍ من الاختصاصين .

= فيُقتصر من مقررات الشريعة على ما يُمكن أن يبقى أثره في عقل الدارس بعد التخرج ، ويُستغنى عن المكرر منه ، ولو بمسميات علوم أخرى .
- فدراسة البيوع تحت مسمى مادة الفقه يمكن أن تُغني عن دراسة البيوع تحت مسمى مادة الحديث أو التفسير مثلاً .
- على أن يُختار لمادة الحديث قسم آخر من أقسام الفقه كالعبادات ، وكذلك يختار لمادة التفسير قسم آخر كالآداب الشرعية .
- وعلى أن يشمل تدريس البيوع مثلاً - تحت مسمى مادة الفقه - دراسة الأحكام الفقهية بمذاهبها وأدلتها النقلية ( الكتاب والسنة ) والعقلية ؛ فيكون الفقه مادة واحدة عن ثلاث مواد .

= كما يُقتصر في تدريس مقررات القانون على ما يمكن أن يبقى أثره في ذهن الدارس بعد التخرج ، ويُستغنى عن المكرر منه ، وعن تدريس النظريات القانونية البائدة على وجه التفصيل ، ويُهمل منها ما خالف الشريعة الإسلامية في نتائجه أو استمداداته .

= بعد التفريغ الناتج عن المراجعة يُمكن لجهات الاختصاص المزاوجة بين التخصصين لملء الفراغات ، فينشأ عندنا تخصص فريد ، وجيل رشيد ، وعواقب حميدة تُثري الساحة القضائية .

= بعد تحقق المراد سيكون الاختيار متاحاً لأهله من بين جموع الخريجين ، فمن يصلح منهم للقضاء الرسمي كان لنا انتقاؤهم بقدر الحاجة لحمل الأمانة ، ويُخلى سبيل الباقين ليتولوا مهامهم في بناء المجتمع ؛ كلٌ فيما ييسره الله له .

= عندما يكتمل المشروع علمياً ، ويبدأ نتاجه ويُؤتي ثماره : سنتيقن أن القانون الذي ندرسه ما هو إلا نوعٌ من أنواع من الشريعة ، وأن الشريعة التي نعتقدها هي عين القانون الإلهي ، ولا مشاحة في الاصطلاح ؛ فالشرعة والشريعة والمنهاج والدين أشمل من أحكام القضاء بين الناس الذي اختص به لفظ القانون بمجرد إطلاقه . والله أعلم




http://www.cojss.com/vb/showthread.php?t=2777

الفقير إلى عفو الودود ناصر بن زيد بن داود

عدد التعليقات : 1 | عدد القراء : 6245 | تأريخ النشر : الجمعة 19 شعبان 1431هـ الموافق 30 يوليو 2010م

طباعة المقال

إرسال المقالة
(( القضاء السعودي بين الشريعة والقانون )) يجد دارسو الشريعة والقانون في بلادنا السعودية أن المجال الأنسب لعملهم هو مجال القضاء ؛ سواء كانوا : مستشارين ، أو محامين ، أو قضاة تحقيق ، أو مدعين عامين ، أو قضاة توثيق ( كتاب العدل ) ، أو قضاة في المحاكم واللجان القضائية التي تنفرد بلادنا بوجود العشرات منها ، وقد نكون الدولة الأولى في العالم من حيث تعدد جهات التقاضي . = غير أن الحوار بين الصنفين تراه يبلغ ذروة حدته حينما نرى دارسي القانون يحاولون الحصول على حقهم من ذلك المجال الذي يستأثر بمعظمه دارسو الشريعة ، ويأبون التنازل عن شيء منه لإخوانهم من دارسي القانون ، والآخرون مصرون على انتزاع نصيبهم ، والمطالبة بفسح المجال لهم لإثبات كفاءتهم . = إن من ينظر عن كثب إلى مقاعد القضاء في المملكة يجد أن مشاركة القانونيين فيها لا تظهر إلا على استحياء عبر بعض اللجان القضائية وشبه القضائية ، مع كثرة عددهم ، وتمكنهم من عدتهم ؛ بالخبرات المتعاقبة في ذات المجال ، وبالشهادات العليا للكثير منهم . = إن كان من تبعة لهذا الأمر فهي على أنظمة التعليم والقائمين عليها في الدرجة الأولى ، ثم على المؤسسة القضائية التي حيدت دارسي القانون تحييدا تاما عن القضاء ، بل وحيدت القضاء ذاته عن كثير من الاختصاصات الواجب دخولها في حماه واندراجها ضمن نطاقه ، فألجأت الدولة إلى اختراع ما يسمى : باللجان آنفة الذكر . = إن هناك من المجالات ما لا يصح أن يستقل بها دارس الشريعة عن دارس القانون ؛ مثل : القضاء العمالي ، القضاء المصرفي ، والقضاء الجمركي ، وقضاء الأوراق التجارية ، وقضاء الأوراق المالية ، والقضاء التأميني ، والقضاء الاستثماري . ملحوظة : ( الأقضية عدا الأول ستدخل بإذن الله قريبا في القضاء التجاري ) . = وهناك من المجالات ما لا يمكن لغير دارس الشريعة أن ينفرد بها ؛ مثل : القضاء الأسري ( الأحوال الشخصية ) ، والقضاء العام . = وهناك من المجالات ما يمكن لكل من دارسي الشريعة ودارسي القانون أن يكونا جنبا إلى جنب في دوائرها ؛ مثل : القضاء الإداري ، والقضاء التجاري ، والقضاء الجزائي ، وقضاء التحقيق ، وقضاء التوثيق . وطريقة التلاقي في النوع الأخير لا يعدو عن : - أن يصمم برنامج متخصص يتمكن به دارس القانون من الإحاطة بأسس القضاء الشرعي الذي تسمو به بلادنا وتحلق به في فضاء العدل من بين سائر الأمم . - أن يصمم برنامج متخصص آخر يتمكن به دارس الشريعة من الإحاطة بأسس ونظريات ومسالك القانون الذي تدار به كثير من مسالك الحياة في بلادنا وفي غيرها من البلدان ، والذي لا يخرج عن كونه من المصالح المرسلة التي أقرتها شريعتنا السمحة . = على أن هذا لا يكفي ، بل ينبغي إعداد الاستراتيجيات لدمج العلمين القضائيين ؛ بحيث يعاد النظر في مقررات كل من الاختصاصين . = فيقتصر من مقررات الشريعة على ما يمكن أن يبقى أثره في عقل الدارس بعد التخرج ، ويستغنى عن المكرر منه ، ولو بمسميات علوم أخرى . - فدراسة البيوع تحت مسمى مادة الفقه يمكن أن تغني عن دراسة البيوع تحت مسمى مادة الحديث أو التفسير مثلا . - على أن يختار لمادة الحديث قسم آخر من أقسام الفقه كالعبادات ، وكذلك يختار لمادة التفسير قسم آخر كالآداب الشرعية . - وعلى أن يشمل تدريس البيوع مثلا - تحت مسمى مادة الفقه - دراسة الأحكام الفقهية بمذاهبها وأدلتها النقلية ( الكتاب والسنة ) والعقلية ؛ فيكون الفقه مادة واحدة عن ثلاث مواد . = كما يقتصر في تدريس مقررات القانون على ما يمكن أن يبقى أثره في ذهن الدارس بعد التخرج ، ويستغنى عن المكرر منه ، وعن تدريس النظريات القانونية البائدة على وجه التفصيل ، ويهمل منها ما خالف الشريعة الإسلامية في نتائجه أو استمداداته . = بعد التفريغ الناتج عن المراجعة يمكن لجهات الاختصاص المزاوجة بين التخصصين لملء الفراغات ، فينشأ عندنا تخصص فريد ، وجيل رشيد ، وعواقب حميدة تثري الساحة القضائية . = بعد تحقق المراد سيكون الاختيار متاحا لأهله من بين جموع الخريجين ، فمن يصلح منهم للقضاء الرسمي كان لنا انتقاؤهم بقدر الحاجة لحمل الأمانة ، ويخلى سبيل الباقين ليتولوا مهامهم في بناء المجتمع ؛ كل فيما ييسره الله له . = عندما يكتمل المشروع علميا ، ويبدأ نتاجه ويؤتي ثماره : سنتيقن أن القانون الذي ندرسه ما هو إلا نوع من أنواع من الشريعة ، وأن الشريعة التي نعتقدها هي عين القانون الإلهي ، ولا مشاحة في الاصطلاح ؛ فالشرعة والشريعة والمنهاج والدين أشمل من أحكام القضاء بين الناس الذي اختص به لفظ القانون بمجرد إطلاقه . والله أعلم http://www.cojss.com/vb/showthread.php?t=2777
(1) - عنوان التعليق : بلا عنوان

تأريخ النشر: السبت 20 شعبان 1431هـ الموافق 31 يوليو 2010مسيحية

نص التعليق
بارك الله فيكم ..اقتراحات موفقة ..لعلها تجد مساحة من التأمل والدراسة .
ولعلي أتساءل عما ورد في المقال مما يندرج تحت ولاية القضاء التجاري :
فقضاء الأوراق التجارية ، والقضاء التأميني ، والقضاء الاستثماري هو مما سيندرج قريبا ً في القضاء التجاري .
أما القضاء المصرفي ، وقضاء الأوراق المالية فهو مما استثني من أحكام اللجان شبه القضائية طبقاً لما ورد بالفقرة (2) من القسم الثالث (أحكام عامة) في الآلية التنفيذية لنظامي القضاء وديوان المظالم .


أما القضاء الجمركي فهو مما لا يدخل - قطعاً - تحت ولاية القضاء التجاري ، بل أقرب ما يكون إليه القضاء الجزائي باعتبار النظر في جرائم التهريب والشروع فيها .. أو القضاء الإداري في حال كون الإدارة الجمركية طرفاً في المنازعة الجمركية .

طباعة التعليق

إرسال التعليق
إرسال المقالة والتعليقات إلى صديق
التعليقات متاحة للزوار التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع