نشرت في منتدى المركز

فقهيات منذ بضع سنوات صدرت الفتوى من اللجنة الدائمة لللإفتاء بشأن مسلسل ( طاش ما طاش ) بعد مضي نحو سبع سنين على ابتداء عرضه عقب الإفطار من كل يوم من أيام شهر رمضان المبارك ، وكانت أسباب صدور تلك الفتوى موجودة منذ الحلقات الأولى ، فقلت لمن حولي : هل اللجنة لا تعلم بهذا المسلسل طيلة هذه المدة ، أم أنها تنتظر من يستفتيها في حكمه ، وكأن بيان الحكم الشرعي لا يكون ابتداء من اللجنة ، بل لابد من محرك يتقدم إليها بخطاب يقيد في الوارد بالرقم والتاريخ ؛ لتستند اللجنة إليه في جوابها .


ومنذ أسابيع قلائل صدرت الفتوى من اللجنة الموقرة بشأن عمل النساء في نقاط البيع ( الكاشيرات ) في المراكز التجارية الكبرى ، وكان المجتمع يخوض في هذه النازلة منذ عدة شهور دون تدخل من اللجنة لبيان الحكم الشرعي في هذا الأمر ، وشهدت الصحافة جدلاً طويلاً وتراشقاً حاداً بين المؤيدين والمعارضين ، ثم صدرت الفتوى بناء على استفتاء ورد إلى اللجنة قبل خمسة أيام من صدور الفتوى .


وهنا استدراكات :
1/ لاشك أن صدور الفتوى جواباً على سؤال خلال خمسة أيام خير من بيان الحكم في مسألة ظهرت قبل سبعة أشهر ، وإن كانت الخمسة أيام كثيرة بالنسبة لمثل هذا الجواب .


2/ جواب اللجنة الموقرة لا يحمل في طياته تحليلاً ولا استبياناً ولا إحصاءً ، بل تعليلاً عاماً نجده في كثير من الفتاوى المماثلة .


3/ أحالت اللجنة في فتواها إلى موضوعها بعبارة ( وما ذكر في السؤال يعرضها للفتنة ويفتن بها الرجال فهو عمل محرم شرعاً ، وتوظيف الشركات لها في هذه الأعمال تعاون معها على المحرم ، فهو محرم أيضاً ) ، ولست أعلم سبب تجنب اللجنة ذكر موضوع الحكم قبل بيان تحريمه الشرعي ، فمن يقرأ جواب اللجنة يجد أن عليه الاطلاع على السؤال أولاً ، وهذا قصور في البيان ، واستحياء لا مبرر له ، وكي لا يقال : إن السؤال مذكور في الفتوى . أقول : إن ذكره في الفتوى لا يغني عن إعادته في مثل هذه الفتاوى التي تمس أمراً من أمور المجتمع الارتكازية ، والذي بإجازته : ينتقل المجتمع إلى فضاءات غير المتعارف عليها ، وبتحريمه : يتوقف سيل المعارك الكلامية ، وتخمد نيران الهيجان الشعبي ، فما المانع من أن تنص الفتوى على سبب الحكم هكذا ( وعمل المرأة محاسبة ( كاشيرة ) يعرضها إلى .. .. ) الخ .


4/ من يقرأ السؤال يجد أن السائل أراد جواباً واحداً من اللجنة ، ولم يدع للجنة الموقرة مجالاً لتسبب هي الحكم الذي ستقرره في المسألة ، بل ألقى سؤاله ، وبرر لما يريده من جواب ؛ حتى لا تخرج اللجنة عن الجواب الذي يريده كما قدَّره هو ، وحصل ما يريده فعلاً ، لا أقول : إن ذلك قصور من اللجنة ، ولكنه موافقة بدهية لجواب سؤال مثل ذلك السؤال المصنوع .


5/ من يسبر كثيراً من الفتاوى يجد أن جوابها لا يخرج عما يريده السائل ، وكأن السائل ليس جاهلاً بالجواب حتى يحتاج لفتوى ، بل هو عالم بالجواب ، وإنما يريد فتوى تتناسب مع ما يضمره من جواب ؛ ليتكئ على الفتوى ، أو : ليورط من أفتاه في عواقب تلك الفتوى .


6/ ظهر في بعض الاستفتاءات : أن ما يذكره السائل من إضافات في استفتائه مقصود منه ؛ لحرف الجواب إلى ما يريده المستفتي ، أو : لضمان صدور الفتوى بما يشتهي ، وتبين : أن خطأ تلك الفتاوى لم يكن لقصور من المفتين ، بل لعدم صحة ما أضافه المستفتي في سؤاله .


7/ أولئك المستفتون لا يمكنهم التأثير على العامة في موضوعات استفتاءاتهم ؛ خصوصاً : بعد قصر الفتوى على المؤسسة الرسمية في الدولة ، ولذلك : يلجأون إلى الاستفتاءات الموجهة سلفاً نحو الجواب المطلوب ، ولو أدركت اللجنة الموقرة ذلك : لمنعت اشتمال الأسئلة على ما يدعو لتعين الجواب المراد سلفاً من المستفتين .


8/ عنصر المبادرة يكاد يكون مفقوداً في مواكبة اللجنة الفاضلة للأحداث الطارئة ، فالحدث يظهر ويشيع وتتفاوت فيه الأحكام ، وتختلط فيه الأمور ، ويتصارع الناس ، ويعادون ويوالون في الحكم قبل أن تتحرك اللجنة الموقرة لقطع قول كل خطيب ، حينها ينصب المخالفون العداء للجنة ، ولمن وافقتهم فتواها ، وتبدأ الشماتة من الآخرين بمن دحرتهم الفتوى ، فينشق المجتمع انشقاقاً بغيضاً تظهر آثاره على السواد الأعظم من مجتمعنا الذي يشكل فيه الشباب أكثر من النصف .


9/ لقد كتبت بشأن التخصص في الفتوى قبل أكثر من خمس سنين http://www.cojss.com/article.php?a=74 ، وكتبت بشأن الاحتساب على المفتين ومراقبتهم ومحاسبتهم قبل أكثر من سنتين http://www.cojss.com/article.php?a=208 ، وكتبت بشأن قصر الفتوى على المؤسسة الرسمية قبل صدور الأمر الملكي بأسبوعين http://www.cojss.com/article.php?a=293 ، ورحبت كثيراً بصدور الأمر الملكي الكريم ، وكتبت بشأن آلية تنفيذه حال صدوره http://www.cojss.com/article.php?a=296 ، وأرى لزاماً عليَّ أن أنبه إلى أن تباطؤ اللجنة في حسم الأمر من أمر العامة ليس محمود العواقب ، ولا يوثق الروابط بين فئات المجتمع ، بل يساعد على التشتت والتفتت والتشرذم والإقصاء ، ولا علاج لذلك إلا بمبادرة اللجنة لبيان الحكم الشرعي في المسائل الطارئة قبل أن يخوض فيها أهل الأهواء وأنصاف المتعلمين والرويبضات من غيرهم .


10/ يحسن باللجنة الموقرة أن تتخذ متحدثاً رسمياً باسمها ، يوثق علاقة اللجنة بالإعلام ، ويطمئن الناس إلى ما يحتاجون إليه من فتاوى : بأنها قيد البحث من قبل اللجنة ؛ لتزداد ثقة الناس بمؤسسات الفتوى ، وليمنع ذلك من الخوض في تلك المسائل ممن لا شأن لهم بها . والله أعلم

الفقير إلى عفو الودود ناصر بن زيد بن داود

عدد التعليقات : 2 | عدد القراء : 3904 | تأريخ النشر : الأربعاء 25 ذو الحجة 1431هـ الموافق 1 ديسمبر 2010م

طباعة المقال

إرسال المقالة
اللجنة الدائمة للإفتاء والحضور الاجتماعي منذ بضع سنوات صدرت الفتوى من اللجنة الدائمة لللإفتاء بشأن مسلسل ( طاش ما طاش ) بعد مضي نحو سبع سنين على ابتداء عرضه عقب الإفطار من كل يوم من أيام شهر رمضان المبارك ، وكانت أسباب صدور تلك الفتوى موجودة منذ الحلقات الأولى ، فقلت لمن حولي : هل اللجنة لا تعلم بهذا المسلسل طيلة هذه المدة ، أم أنها تنتظر من يستفتيها في حكمه ، وكأن بيان الحكم الشرعي لا يكون ابتداء من اللجنة ، بل لابد من محرك يتقدم إليها بخطاب يقيد في الوارد بالرقم والتاريخ ؛ لتستند اللجنة إليه في جوابها . ومنذ أسابيع قلائل صدرت الفتوى من اللجنة الموقرة بشأن عمل النساء في نقاط البيع ( الكاشيرات ) في المراكز التجارية الكبرى ، وكان المجتمع يخوض في هذه النازلة منذ عدة شهور دون تدخل من اللجنة لبيان الحكم الشرعي في هذا الأمر ، وشهدت الصحافة جدلا طويلا وتراشقا حادا بين المؤيدين والمعارضين ، ثم صدرت الفتوى بناء على استفتاء ورد إلى اللجنة قبل خمسة أيام من صدور الفتوى . وهنا استدراكات : 1/ لاشك أن صدور الفتوى جوابا على سؤال خلال خمسة أيام خير من بيان الحكم في مسألة ظهرت قبل سبعة أشهر ، وإن كانت الخمسة أيام كثيرة بالنسبة لمثل هذا الجواب . 2/ جواب اللجنة الموقرة لا يحمل في طياته تحليلا ولا استبيانا ولا إحصاء ، بل تعليلا عاما نجده في كثير من الفتاوى المماثلة . 3/ أحالت اللجنة في فتواها إلى موضوعها بعبارة ( وما ذكر في السؤال يعرضها للفتنة ويفتن بها الرجال فهو عمل محرم شرعا ، وتوظيف الشركات لها في هذه الأعمال تعاون معها على المحرم ، فهو محرم أيضا ) ، ولست أعلم سبب تجنب اللجنة ذكر موضوع الحكم قبل بيان تحريمه الشرعي ، فمن يقرأ جواب اللجنة يجد أن عليه الاطلاع على السؤال أولا ، وهذا قصور في البيان ، واستحياء لا مبرر له ، وكي لا يقال : إن السؤال مذكور في الفتوى . أقول : إن ذكره في الفتوى لا يغني عن إعادته في مثل هذه الفتاوى التي تمس أمرا من أمور المجتمع الارتكازية ، والذي بإجازته : ينتقل المجتمع إلى فضاءات غير المتعارف عليها ، وبتحريمه : يتوقف سيل المعارك الكلامية ، وتخمد نيران الهيجان الشعبي ، فما المانع من أن تنص الفتوى على سبب الحكم هكذا ( وعمل المرأة محاسبة ( كاشيرة ) يعرضها إلى .. .. ) الخ . 4/ من يقرأ السؤال يجد أن السائل أراد جوابا واحدا من اللجنة ، ولم يدع للجنة الموقرة مجالا لتسبب هي الحكم الذي ستقرره في المسألة ، بل ألقى سؤاله ، وبرر لما يريده من جواب ؛ حتى لا تخرج اللجنة عن الجواب الذي يريده كما قدره هو ، وحصل ما يريده فعلا ، لا أقول : إن ذلك قصور من اللجنة ، ولكنه موافقة بدهية لجواب سؤال مثل ذلك السؤال المصنوع . 5/ من يسبر كثيرا من الفتاوى يجد أن جوابها لا يخرج عما يريده السائل ، وكأن السائل ليس جاهلا بالجواب حتى يحتاج لفتوى ، بل هو عالم بالجواب ، وإنما يريد فتوى تتناسب مع ما يضمره من جواب ؛ ليتكئ على الفتوى ، أو : ليورط من أفتاه في عواقب تلك الفتوى . 6/ ظهر في بعض الاستفتاءات : أن ما يذكره السائل من إضافات في استفتائه مقصود منه ؛ لحرف الجواب إلى ما يريده المستفتي ، أو : لضمان صدور الفتوى بما يشتهي ، وتبين : أن خطأ تلك الفتاوى لم يكن لقصور من المفتين ، بل لعدم صحة ما أضافه المستفتي في سؤاله . 7/ أولئك المستفتون لا يمكنهم التأثير على العامة في موضوعات استفتاءاتهم ؛ خصوصا : بعد قصر الفتوى على المؤسسة الرسمية في الدولة ، ولذلك : يلجأون إلى الاستفتاءات الموجهة سلفا نحو الجواب المطلوب ، ولو أدركت اللجنة الموقرة ذلك : لمنعت اشتمال الأسئلة على ما يدعو لتعين الجواب المراد سلفا من المستفتين . 8/ عنصر المبادرة يكاد يكون مفقودا في مواكبة اللجنة الفاضلة للأحداث الطارئة ، فالحدث يظهر ويشيع وتتفاوت فيه الأحكام ، وتختلط فيه الأمور ، ويتصارع الناس ، ويعادون ويوالون في الحكم قبل أن تتحرك اللجنة الموقرة لقطع قول كل خطيب ، حينها ينصب المخالفون العداء للجنة ، ولمن وافقتهم فتواها ، وتبدأ الشماتة من الآخرين بمن دحرتهم الفتوى ، فينشق المجتمع انشقاقا بغيضا تظهر آثاره على السواد الأعظم من مجتمعنا الذي يشكل فيه الشباب أكثر من النصف . 9/ لقد كتبت بشأن التخصص في الفتوى قبل أكثر من خمس سنين http://www.cojss.com/article.php?a=74 ، وكتبت بشأن الاحتساب على المفتين ومراقبتهم ومحاسبتهم قبل أكثر من سنتين http://www.cojss.com/article.php?a=208 ، وكتبت بشأن قصر الفتوى على المؤسسة الرسمية قبل صدور الأمر الملكي بأسبوعين http://www.cojss.com/article.php?a=293 ، ورحبت كثيرا بصدور الأمر الملكي الكريم ، وكتبت بشأن آلية تنفيذه حال صدوره http://www.cojss.com/article.php?a=296 ، وأرى لزاما علي أن أنبه إلى أن تباطؤ اللجنة في حسم الأمر من أمر العامة ليس محمود العواقب ، ولا يوثق الروابط بين فئات المجتمع ، بل يساعد على التشتت والتفتت والتشرذم والإقصاء ، ولا علاج لذلك إلا بمبادرة اللجنة لبيان الحكم الشرعي في المسائل الطارئة قبل أن يخوض فيها أهل الأهواء وأنصاف المتعلمين والرويبضات من غيرهم . 10/ يحسن باللجنة الموقرة أن تتخذ متحدثا رسميا باسمها ، يوثق علاقة اللجنة بالإعلام ، ويطمئن الناس إلى ما يحتاجون إليه من فتاوى : بأنها قيد البحث من قبل اللجنة ؛ لتزداد ثقة الناس بمؤسسات الفتوى ، وليمنع ذلك من الخوض في تلك المسائل ممن لا شأن لهم بها . والله أعلم
(1) - عنوان التعليق : مسئولية المفتي

تأريخ النشر: الخميس 1 صفر 1432هـ الموافق 6 يناير 2011مسيحية

نص التعليق

طباعة التعليق

إرسال التعليق
(2) - عنوان التعليق : إعادة الفتاوى

تأريخ النشر: الجمعة 30 صفر 1432هـ الموافق 4 فبراير 2011مسيحية

نص التعليق

طباعة التعليق

إرسال التعليق
إرسال المقالة والتعليقات إلى صديق
التعليقات متاحة للزوار التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع