نشرت في صحيفة الوطن العدد 3860

قضائيات عندما يخرج أحد الأبناء أو الإخوان أو الأتباع عن حدود ما أدبتَه عليه وعهدتَه منه وحددتَه له: فمن الطبيعي أن يكون الموقف من هذا الخروج الشاذ فورياً وناصحاً وأميناً.

- فالتريث والتباطؤ عن البيان مخلٌ ومغرٍ باستمراء الخطأ.
- والغش والإغراء باستدامة الزلل غير متصوَّر من مُحِبٍ نحو محبوبه.
- والخيانة لا تكون إلا من غادرٍ خبيث.


= وأشفق الناس بمن تحت أيديهم ثلاثة؛ هم: الآباء بأبنائهم بما فطرهم الله عليه، والرؤساء بأتباعهم بحكم المصلحة المتبادلة بينهم، والعلماء بطلابهم بما يرجونه من ثواب أخروي على ما يصنعون.

- وعندما يكون الرئيس عالماً من العلماء يجتمع لأتباعه من دواعي شفقته ما يتمناه القائد العالم في الدنيا من أشخاص متبوعيه، وما يرجوه في الآخرة من ثواب أعمالهم؛ فتظهر آثار شفقته ومحبته وغيرته عليهم أوضح ما تكون، وتحيط بجميع أمورهم، فلا تكاد تترك أمراً من شؤونهم إلا وأشرفت عليه؛ كما لو كان ذلك من أمر أولئك القادة أنفسهم.

- وقضاة بلادنا ينعمون - من فضل الله - بقادة لهم من علمائهم، فكان حقاً لهم على قادتهم أن ينعموا بحقوقهم عليهم، ومنها: حق النصح لهم وإرشادهم في كل ما يحتاجون إليه؛ مما قد يخفى عليهم، أو يفوت عليهم، أو يُستدرجوا إليه مما لا يسوغ منهم ولا يُرتضى لهم؛ خصوصاً: إذا تعارض ذلك مع مبادئ عملهم القضائي.


= والحيادية والاستقلال من أهم مبادئ القضاء التي يلزم القاضي معرفتها والإحاطة بجوانبها وعدم تخطيها وانتهاك حماها، ومتى خفيت عليه، أو شذ بتخطي حدودها: لزم رؤساءَه منعُهُ قبل ردعه.
- وَمِن تحيُّز القاضي المنافي لحياديته: الانخراطُ في حزبٍ سياسيٍ، أو في توجهٍ فكريٍ؛ يُوالي فيه مَن على شاكلته، ويُعادي منه مَن يُخالفه، ويدعو بدعوته، ويأتمر بأمره.
- ومن ذلك: ما يظهر بين الحين والحين من انخراط بعض القضاة ضمن مجموعات من المخدوعين والغوغاء والمجاهيل فيما يسمى: بيانات العلماء، ومذكرات النصيحة.
- ولو لم يكن من سببٍ لتجنب تلك الأعمال إلا أنها تنافي حيادية القضاء؛ باستعجال بيان الرأي قبل النظر التام والدقيق في المسألة: لكفاها، فكيف بها!، وهي تنافي استقلال القاضي؛ الذي لا يتحقق له بمثل هذه التبعية الفجَّة والانقياد الممجوج لجماعةٍ من ذوي الأهداف السياسية؛ التي لا تنطلي إلا على غبيٍ أو طامع.


= ومع مخالفة هذا التوجُّه الأرعن لحيادية القاضي واستقلال القضاء، فإن فيه مخالفةً صريحةً لنظامٍ التزم به جميع موظفي الدولة - بمن فيهم القضاة - قبل الالتحاق بالوظيفة العامة.
- فقد تضمنت اللائحةَ التنفيذيةَ للمادةِ (11) من نظام الخدمة المدنية وفي الفقرة (11/1) ما نصه: ((يُحْظَرُ على الموظفِ توجيهُ النقدِ أو اللومِ إلى الحكومةِ بِأَيَّةِ وسيلةٍ من وسائلِ الإعلامِ المحليةِ أو الخارجيةِ)) انتهى
- وتوقيعُ القاضي على خطاباتِ الإنكارِ الجماعيِّ، أو ما يُسَمَّى: (مذكراتُ النصيحةِ)، أو (بيانُ العلماءِ)، مما يُنشر في شبكةِ الإنترنت: مما يُلْحَقُ بمضمونِ هذه الفقرةِ.
- وَذلكَ العملُ لا يليقُ بالقاضي العادل؛ الذي لا يُقَرِرُ حُكماً في قضيةٍ حتى يسمعَ من طرفيها؛ مما هو داخلُ اختصاصِهِ، فكيف بتلك القضايا الحِسْبِيَّةِ!؛ التي يُرادُ منه أن يُقَرِّرَ حيالها حُكماً: أنها معروفٌ أو منكرٌ، سواءٌ كان ذلك: حقاً أو باطلاً، في وقتٍ هي خارجُ اختصاصه من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى: يُمكِنُهُ بَحْـثُها مع مَرجِعِهِ بطريقةٍ نظاميةٍ ومقبولة.
- وَلو تَنَبَّه القاضي للقصد من زجه في تلك المجموعات لارتدع عن الانجرار مع من يستغفله؛ فالقوم لا يُريدون توقيعَه مُجَرَّداً عن ذِكْرِ مُسَمَّى وظيفتِهِ؛ الذي هو المقصودُ الأصلُ من إشراكه في زُمرة المُوَقِّعِين، ولو أنه أَبَى التوقيعَ على تلك الصحائفِ إلا باسمه المجردِ عن مُسَمَّى وظيفته لَوَلَّوا عنه مُدبرين؛ إذ: أيُّ قيمةٍ لِتَوقِيعِهِ - حينئذٍ - عندهم .
- وما علم القاضي أنَّ ذكر وظيفته - ضمن موقعي تلك البيانات - فيه إحراجٌ للدولة التي يتربع القضاء والقضاة على سُدَّتِها؛ وأنَّ أيَّ خللٍ أو زللٍ يلحق بالدولة فهو لاحقٌ - لا محالة - بجميع سلطات الدولة ومن ينتسب إليها، وأنَّ مثل ذلك لا يفعله غير الحمقى والمغفلين.


= أما طلب الإصلاح - من مقام الولاية العظمى - فلها طرقها ووسائلها؛ التي تبرأ بها الذِّمم، ولا تخرج عن حدود العقل ولا الأدب ولا النظام، وهي لا تخفى على مثل القضاة وقادة القضاء.
- كما أنَّ لها منابرها المتاحة بإذن الدولة - وفقها الله - وتحت سمعها وبصرها.
- ولها أساليبها التي يعلمها نواب ولي الأمر في جميع القطاعات دون استثناء.


= ومثل هذه الأفعال وهذه البيانات المتشنجة - من مثل هؤلاء المغرورين - ليست من مسالك النجاة، بل هي مما قال الشاعر:

ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها = إن السفينة لا تجري على اليبس


= لقد نبهت على هذا الأمر قبل خمس سنين في موضوعٍ نشرته في (مجلة اليمامة) وفي (صحيفة اليوم) تحت هذا الرابط: http://www.cojss.com/article.php?a=31
- وأعادت نشر مضمونه صحيفة عكاظ قبل أكثر من ثمانية أشهر على هذا الرابط:
http://www.okaz.com.sa/new/Issues/20100708/Con20100708360400.htm
- وأكدتُ عليه قبل سبعة أشهر ضمن مقالةٍ كتبتها بعنوان (آلية تنفيذ الأمر الملكي بتحصين الفتوى) على هذا الرابط: http://www.cojss.com/vb/showthread.php?t=2887


= ومع تكرار التنبيه - على هذا الأمر الجلل - غير أن المؤسسة القضائية لم تستشعر أهمية ضبط ذلك الجموح من بعض أفراد القضاة؛ خصوصاً: في فترات الأزمات التي يخُشى فيها من إيقاظ الفتنة النائمة.


= ومع حرص المجلس الأعلى للقضاء على المطالبة باستقلال السلطة القضائية مالياً وإدارياً؛ غير أنه لم يقدر على تحقيق استقلاله من الداخل؛ فلا نزال نرى افتقاد القضاة لِسَرَاتهم وأهلِ الرأيِ منهم، في الوقت الذي نرى انقيادَ بعضهم - انقياد الأنعام - لأشرارٍ من حيث يعلمون ولا يعلمون.


= ولقد مررنا مؤخراً بتجربة عصيبة أظهرت - بحمد الله - التحام الشعب بجميع فئاته مع القيادة العليا للدولة التحاماً أحرج الكثير ممن يزايدون على ولائهم قولاً لا فعلاً.
- بل إن الحكومة - أيدها الله - تلقت هذا الموقف الشعبي بغبطةٍ وسرورٍ وعرفانٍ، ولم يُخفِ قادتها التعبيرَ عن فخرها به، واعتزازها بظهوره، واعتدادها بانضواء المجتمع السعودي بجميع أطيافه تحت مظلة حكومته المغتبطة به.
- ومع سرورنا واعتزازنا بتلاحمنا مع قيادتنا إلا أننا لا ننفك عن الشعور بالامتعاض والخجل من ظهور بعض الأسماء الشاذة من قضاة المملكة ضمن بيانات فئامٍ من المرجفين؛ يتربصون بمجتمعنا الدوائر، ويُوضِعون خلالنا يبغون لنا الفتنة.
- وأبلغ من استحيائنا - مما فعله هؤلاء المخدوعون - دهشتنا من موقف المجلس الموقر منهم؛ فلم نسمع أنهم طُلبوا للمساءلة، ولا دُعوا للتحقيق، ولا اتُخِذَ - بشأنهم وشأن من تُحدِّثه نفسه بمثل فعلهم - أي إجراء.


= وهذا الموقف السلبي من المجلس الموقر لا يعدو واحدة من ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون الأمر الذي ابتدر إليه أولئك القضاة المغرَّر بهم هو تعبيرٌ عن مراد رؤسائهم؛ غير أن السياسة تقتضي أن يكون هؤلاء الصِّغار طلائعَ لجس النبض الرسمي والشعبي تجاه هذه المبادرات السوأة.
- وحاشا القيادة القضائية من ذلك؛ لأن هذا العمل من أخوات (الخيانة العظمى) التي تعرضتُ لأنواعها على هذا الرابط : http://www.cojss.com/article.php?a=195


الثانية : أن يكون حال المجلس مع مثل هذه التصرفات الرعناء من باب: لم آمر بها، ولم تسؤني.
- وتلك التي لا نرضاها لهم قبل أن لا نرضاها منهم، ولا إخال المجلس الموقر كذلك. والله أعلم
- ويكفي أن مثل هذا التخلُّق الآثم لا شبه له في كتاب الله العزيز إلا ما جاء في قوله جلت عظمته { الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا }.
- وفي كلا الحالين: لابد من استيقاظهم أو إيقاظهم من سباتهم وغفلتهم؛ فالأمر أخطر مما يظنون، وأسوأ مما يتوقعون.


الحال الثالثة: أن لا يرتضي المجلس الموقر تلك التجاوزات، لا ظاهراً ولا باطناً؛ غير أنَّ الحسَّ الإداريَّ والسياسيَّ مفقود، بسبب استشعار القيادة القضائية أن علاقتها بالسلطة التنفيذية تنتهي بنهاية دوام كل يوم؛ أشبه: عمال المصانع ومستخدمي الدوائر الخاصة والعامة.
- وهذا ما لا نريده من قيادتنا القضائية التي تشرف على السلطة الأولى من سلطات الدولة، فغياب المجلس - والحالة هذه - ضياعٌ لجميع أفراده ومؤسساته، وفوضى مؤذنةٌ بخرابٍ ودمارٍ وشرٍ مستطير.


= وفي الختام : ينبغي على المجلس الموقر تحديد موقفه من تصرفات أفراده، وبيان سياسته نحوهم بما يقطع شر الاغترار بهم من عامة الناس ، وبما يحدد اتجاه الولاء منهم ومن أفرادهم نحو مستقبل الأمة ونظامها الحاكم ، وصدق العلي الكبير { فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ }. والله الموفق


نشر مختصراً في صحيفة الوطن :
http://www.alwatan.com.sa/Articles/Detail.aspx?ArticleID=5377

الفقير إلى عفو الودود ناصر بن زيد بن داود

عدد التعليقات : 1 | عدد القراء : 2349 | تأريخ النشر : الأحد 22 جمادى الأولى 1432هـ الموافق 24 أبريل 2011م

طباعة المقال

إرسال المقالة
أيها المجلس!، إلى أي فسطاط أنتم صائرون؟. عندما يخرج أحد الأبناء أو الإخوان أو الأتباع عن حدود ما أدبته عليه وعهدته منه وحددته له: فمن الطبيعي أن يكون الموقف من هذا الخروج الشاذ فوريا وناصحا وأمينا. - فالتريث والتباطؤ عن البيان مخل ومغر باستمراء الخطأ. - والغش والإغراء باستدامة الزلل غير متصور من محب نحو محبوبه. - والخيانة لا تكون إلا من غادر خبيث. = وأشفق الناس بمن تحت أيديهم ثلاثة؛ هم: الآباء بأبنائهم بما فطرهم الله عليه، والرؤساء بأتباعهم بحكم المصلحة المتبادلة بينهم، والعلماء بطلابهم بما يرجونه من ثواب أخروي على ما يصنعون. - وعندما يكون الرئيس عالما من العلماء يجتمع لأتباعه من دواعي شفقته ما يتمناه القائد العالم في الدنيا من أشخاص متبوعيه، وما يرجوه في الآخرة من ثواب أعمالهم؛ فتظهر آثار شفقته ومحبته وغيرته عليهم أوضح ما تكون، وتحيط بجميع أمورهم، فلا تكاد تترك أمرا من شؤونهم إلا وأشرفت عليه؛ كما لو كان ذلك من أمر أولئك القادة أنفسهم. - وقضاة بلادنا ينعمون - من فضل الله - بقادة لهم من علمائهم، فكان حقا لهم على قادتهم أن ينعموا بحقوقهم عليهم، ومنها: حق النصح لهم وإرشادهم في كل ما يحتاجون إليه؛ مما قد يخفى عليهم، أو يفوت عليهم، أو يستدرجوا إليه مما لا يسوغ منهم ولا يرتضى لهم؛ خصوصا: إذا تعارض ذلك مع مبادئ عملهم القضائي. = والحيادية والاستقلال من أهم مبادئ القضاء التي يلزم القاضي معرفتها والإحاطة بجوانبها وعدم تخطيها وانتهاك حماها، ومتى خفيت عليه، أو شذ بتخطي حدودها: لزم رؤساءه منعه قبل ردعه. - ومن تحيز القاضي المنافي لحياديته: الانخراط في حزب سياسي، أو في توجه فكري؛ يوالي فيه من على شاكلته، ويعادي منه من يخالفه، ويدعو بدعوته، ويأتمر بأمره. - ومن ذلك: ما يظهر بين الحين والحين من انخراط بعض القضاة ضمن مجموعات من المخدوعين والغوغاء والمجاهيل فيما يسمى: بيانات العلماء، ومذكرات النصيحة. - ولو لم يكن من سبب لتجنب تلك الأعمال إلا أنها تنافي حيادية القضاء؛ باستعجال بيان الرأي قبل النظر التام والدقيق في المسألة: لكفاها، فكيف بها!، وهي تنافي استقلال القاضي؛ الذي لا يتحقق له بمثل هذه التبعية الفجة والانقياد الممجوج لجماعة من ذوي الأهداف السياسية؛ التي لا تنطلي إلا على غبي أو طامع. = ومع مخالفة هذا التوجه الأرعن لحيادية القاضي واستقلال القضاء، فإن فيه مخالفة صريحة لنظام التزم به جميع موظفي الدولة - بمن فيهم القضاة - قبل الالتحاق بالوظيفة العامة. - فقد تضمنت اللائحة التنفيذية للمادة (11) من نظام الخدمة المدنية وفي الفقرة (11/1) ما نصه: ((يحظر على الموظف توجيه النقد أو اللوم إلى الحكومة بأية وسيلة من وسائل الإعلام المحلية أو الخارجية)) انتهى - وتوقيع القاضي على خطابات الإنكار الجماعي، أو ما يسمى: (مذكرات النصيحة)، أو (بيان العلماء)، مما ينشر في شبكة الإنترنت: مما يلحق بمضمون هذه الفقرة. - وذلك العمل لا يليق بالقاضي العادل؛ الذي لا يقرر حكما في قضية حتى يسمع من طرفيها؛ مما هو داخل اختصاصه، فكيف بتلك القضايا الحسبية!؛ التي يراد منه أن يقرر حيالها حكما: أنها معروف أو منكر، سواء كان ذلك: حقا أو باطلا، في وقت هي خارج اختصاصه من جهة، ومن جهة أخرى: يمكنه بحـثها مع مرجعه بطريقة نظامية ومقبولة. - ولو تنبه القاضي للقصد من زجه في تلك المجموعات لارتدع عن الانجرار مع من يستغفله؛ فالقوم لا يريدون توقيعه مجردا عن ذكر مسمى وظيفته؛ الذي هو المقصود الأصل من إشراكه في زمرة الموقعين، ولو أنه أبى التوقيع على تلك الصحائف إلا باسمه المجرد عن مسمى وظيفته لولوا عنه مدبرين؛ إذ: أي قيمة لتوقيعه - حينئذ - عندهم . - وما علم القاضي أن ذكر وظيفته - ضمن موقعي تلك البيانات - فيه إحراج للدولة التي يتربع القضاء والقضاة على سدتها؛ وأن أي خلل أو زلل يلحق بالدولة فهو لاحق - لا محالة - بجميع سلطات الدولة ومن ينتسب إليها، وأن مثل ذلك لا يفعله غير الحمقى والمغفلين. = أما طلب الإصلاح - من مقام الولاية العظمى - فلها طرقها ووسائلها؛ التي تبرأ بها الذمم، ولا تخرج عن حدود العقل ولا الأدب ولا النظام، وهي لا تخفى على مثل القضاة وقادة القضاء. - كما أن لها منابرها المتاحة بإذن الدولة - وفقها الله - وتحت سمعها وبصرها. - ولها أساليبها التي يعلمها نواب ولي الأمر في جميع القطاعات دون استثناء. = ومثل هذه الأفعال وهذه البيانات المتشنجة - من مثل هؤلاء المغرورين - ليست من مسالك النجاة، بل هي مما قال الشاعر: ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها = إن السفينة لا تجري على اليبس = لقد نبهت على هذا الأمر قبل خمس سنين في موضوع نشرته في (مجلة اليمامة) وفي (صحيفة اليوم) تحت هذا الرابط: http://www.cojss.com/article.php?a=31 - وأعادت نشر مضمونه صحيفة عكاظ قبل أكثر من ثمانية أشهر على هذا الرابط: http://www.okaz.com.sa/new/Issues/20100708/Con20100708360400.htm - وأكدت عليه قبل سبعة أشهر ضمن مقالة كتبتها بعنوان (آلية تنفيذ الأمر الملكي بتحصين الفتوى) على هذا الرابط: http://www.cojss.com/vb/showthread.php?t=2887 = ومع تكرار التنبيه - على هذا الأمر الجلل - غير أن المؤسسة القضائية لم تستشعر أهمية ضبط ذلك الجموح من بعض أفراد القضاة؛ خصوصا: في فترات الأزمات التي يخشى فيها من إيقاظ الفتنة النائمة. = ومع حرص المجلس الأعلى للقضاء على المطالبة باستقلال السلطة القضائية ماليا وإداريا؛ غير أنه لم يقدر على تحقيق استقلاله من الداخل؛ فلا نزال نرى افتقاد القضاة لسراتهم وأهل الرأي منهم، في الوقت الذي نرى انقياد بعضهم - انقياد الأنعام - لأشرار من حيث يعلمون ولا يعلمون. = ولقد مررنا مؤخرا بتجربة عصيبة أظهرت - بحمد الله - التحام الشعب بجميع فئاته مع القيادة العليا للدولة التحاما أحرج الكثير ممن يزايدون على ولائهم قولا لا فعلا. - بل إن الحكومة - أيدها الله - تلقت هذا الموقف الشعبي بغبطة وسرور وعرفان، ولم يخف قادتها التعبير عن فخرها به، واعتزازها بظهوره، واعتدادها بانضواء المجتمع السعودي بجميع أطيافه تحت مظلة حكومته المغتبطة به. - ومع سرورنا واعتزازنا بتلاحمنا مع قيادتنا إلا أننا لا ننفك عن الشعور بالامتعاض والخجل من ظهور بعض الأسماء الشاذة من قضاة المملكة ضمن بيانات فئام من المرجفين؛ يتربصون بمجتمعنا الدوائر، ويوضعون خلالنا يبغون لنا الفتنة. - وأبلغ من استحيائنا - مما فعله هؤلاء المخدوعون - دهشتنا من موقف المجلس الموقر منهم؛ فلم نسمع أنهم طلبوا للمساءلة، ولا دعوا للتحقيق، ولا اتخذ - بشأنهم وشأن من تحدثه نفسه بمثل فعلهم - أي إجراء. = وهذا الموقف السلبي من المجلس الموقر لا يعدو واحدة من ثلاث حالات: الأولى: أن يكون الأمر الذي ابتدر إليه أولئك القضاة المغرر بهم هو تعبير عن مراد رؤسائهم؛ غير أن السياسة تقتضي أن يكون هؤلاء الصغار طلائع لجس النبض الرسمي والشعبي تجاه هذه المبادرات السوأة. - وحاشا القيادة القضائية من ذلك؛ لأن هذا العمل من أخوات (الخيانة العظمى) التي تعرضت لأنواعها على هذا الرابط : http://www.cojss.com/article.php?a=195 الثانية : أن يكون حال المجلس مع مثل هذه التصرفات الرعناء من باب: لم آمر بها، ولم تسؤني. - وتلك التي لا نرضاها لهم قبل أن لا نرضاها منهم، ولا إخال المجلس الموقر كذلك. والله أعلم - ويكفي أن مثل هذا التخلق الآثم لا شبه له في كتاب الله العزيز إلا ما جاء في قوله جلت عظمته { الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا }. - وفي كلا الحالين: لابد من استيقاظهم أو إيقاظهم من سباتهم وغفلتهم؛ فالأمر أخطر مما يظنون، وأسوأ مما يتوقعون. الحال الثالثة: أن لا يرتضي المجلس الموقر تلك التجاوزات، لا ظاهرا ولا باطنا؛ غير أن الحس الإداري والسياسي مفقود، بسبب استشعار القيادة القضائية أن علاقتها بالسلطة التنفيذية تنتهي بنهاية دوام كل يوم؛ أشبه: عمال المصانع ومستخدمي الدوائر الخاصة والعامة. - وهذا ما لا نريده من قيادتنا القضائية التي تشرف على السلطة الأولى من سلطات الدولة، فغياب المجلس - والحالة هذه - ضياع لجميع أفراده ومؤسساته، وفوضى مؤذنة بخراب ودمار وشر مستطير. = وفي الختام : ينبغي على المجلس الموقر تحديد موقفه من تصرفات أفراده، وبيان سياسته نحوهم بما يقطع شر الاغترار بهم من عامة الناس ، وبما يحدد اتجاه الولاء منهم ومن أفرادهم نحو مستقبل الأمة ونظامها الحاكم ، وصدق العلي الكبير { فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون }. والله الموفق نشر مختصرا في صحيفة الوطن : http://www.alwatan.com.sa/Articles/Detail.aspx?ArticleID=5377
(1) - عنوان التعليق : القضاة دائما مع قيادتهم

تأريخ النشر: الاثنين 7 جمادى الآخرة 1432هـ الموافق 9 مايو 2011مسيحية

نص التعليق
(أما طلب الإصلاح - من مقام الولاية العظمى - فلها طرقها ووسائلها؛ التي تبرأ بها الذِّمم، ولا تخرج عن حدود العقل ولا الأدب ولا النظام، وهي لا تخفى على مثل القضاة وقادة القضاء.)
صحيح ما ذكرته من أن طلب الإصلاح له طرقه ووسائله,,, وقد يكون المجلس سلك هذه الطرق والوسائل التي ذكرت بغير علم منك أو منا.
وأما قضاتنا فهم بحمدلله يدا واحدة مع قائدهم وهم أقرب الناس إليه ولا أعتقد أن عاقلا من أهل هذا البلد سيعمم خطأ أحدهم على جميعهم.
ثم أرجو ألا تنسى شيخنا الفاضل أن رئيس المجلس هو عضو في هيئة كبار العلماء التي كان لها ذلك الموقف الذي نفتخر به جميعا وأصبح وساما نعتز به.
أسأل الله سبحانه أن يرزق ولي الأمر البطانة الصالحة التي تدله على الخير ولا تحجبه عن مسامعه إنه قريب مجيب.

طباعة التعليق

إرسال التعليق
إرسال المقالة والتعليقات إلى صديق
التعليقات متاحة للزوار التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع