نشرت في صحيفة الوطن

قضائيات معاهد التدريب القضائي موجودة في عدد من الدول العربية والأوروبية ، وهي تتميز عن المعاهد القضائية التابعة للجامعات بأشياء كثيرة ؛ منها :-

1/ أنها تابعة للمؤسسة القضائية ، وتحت إشرافها المباشر إدارياً ، ومالياً ، وفنياً .

2/ أن جميع كوادرها التدريبية والتدريسية من القضاة المتميزين في أعمالهم .

3/ أن فرص الانتساب لكوادر هذه المعاهد مفتوحة لكل متميز في عمله من القضاة ؛ لنقل خبراته وعلومه إلى من يحتاجها من الملازمين القضائيين ومبتدئي القضاة .

4/ أن الدراسة فيها على هيئة دورات ، تبدأ من ثلاثة أيام ، وتنتهي باثنين وثلاثين شهراً .

5/ أن القضاة العاملين في المعهد لا ينفكون عن أعمالهم القضائية البحتة ، فبعضهم : يكون عمله فيها خارج وقت الدوام الرسمي ، وآخرون : يتفرغون جزئياً لأعمال المعهد .

6/ اضطلاع هذه المعاهد باستضافة كبار القضاة من داخل وخارج البلاد ، والتهيئة للاستفادة منهم .

إن هذه الميزات أتاحت للقيادات القضائية في بلادهم التحكم في برامج المعاهد ، وتحديد الأنشطة التطويرية دون تعقيدات التوافقات مع معاهد الجامعات ، كما يسرت على القضاة المستهدفين بهذه الأنشطة التحاقهم بها بحسب ظروف كلٍ منهم ، كما مكنت القيادة من اختيار أشخاص القائمين على التدريب والتدريس في المعهد من كبار القضاة في الداخل والخارج .

لقد تعدت هذه المعاهد كل هذه الفوائد بأن جعلت أنشطتها هدفاً للقضاة من خارج البلاد ، فاستقبلت المنح الدراسية التي تنعم بها دولهم على من تراه من قضاة الدول الشقيقة والصديقة .

بل إن أنشطة بعض هذه المعاهد وصلت في تطورها إلى أن صارت غاية يطلبها كل محتاج لها من قضاة العالم ، مما حدا بإدارات تلك المعاهد إلى توسيع دوائر تخصصاتها القضائية ؛ لتشمل الراغبين في الالتحاق بها من غير القضاة ؛ كالمحامين والمستشارين والباحثين وطلاب الحقوق .

كل هذا بعدما ظهر للعيان ما أنتجته تلك المعاهد المتخصصة من خدمات قضائية متميزة ، وما لمسه المنتسبون إليها من فوائد تعدى أثرها إلى أعمالهم ومن يستفيد منها .

ولا يفوتني أن أنوه بالتطور الهائل الذي وصل إليه أحد معاهد التدريب القضائي في إحدى الدول الأوروبية ، فأوصله إلى أن يفتتح له فروعاً ؛ ليواكب الحاجة الماسة لخدماته من داخل تلك الدولة وخارجها ، وإننا إذ نستشهد بتلك الحالات انطلاقاً مما جاء في كتاب الله جل ثناؤه حيث قال { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } الآية .

إننا بأمس الحاجة لإنشاء معهد التدريب القضائي السعودي التابع للمؤسسة القضائية ؛ لأن ما سيثمر عنه سيفوق كثيراً ما ينتجه التعاون القائم مع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، ولو لم يكن من عيبٍ في هذا التعاون الضرورة إلا أن أغلب كوادر الجامعة هم من الأكاديميين غير الممارسين للعمل القضائي لكفاه .

إن الملازم القضائي والقاضي المبتدئ إنما يحتاج لقاضٍ يقرن بين النظرية والتطبيق ، وهذا هو ما أدركتُ قدر الحاجة إليه من المعنيين بالقضاء من غير القضاة خلال تدريسي في قسم القانون من : كلية الفيصل للدراسات العليا .

لقد شهدت الحرص الكبير من طلبة مرحلة الماجستير - من الجنسين - على معرفة المواد التي سيدرسها من له خبرة قضائية ؛ ليسجلوا فيها قبل قفل باب التسجيل عليهم ، بل إن بعضهم قام بحذف مواد سبق له تسجيلها ؛ رغبة في المادة التي يؤمل الاستفادة من أستاذها العامل في مجال القضاء .

وإذا كان هذا هو حال طالب الماجستير من المحامين والمستشارين والمحققين ، فكيف بحال القاضي المبتدئ والملازم القضائي !!!.

وفي المقابل : الملازمون القضائيون وكذا بعض القضاة الذين التحقوا ببرنامج الدكتوراه في الجامعة لا يزال حديثهم عن الفرق الشاسع في توصيل المعلومة بين الأستاذ القاضي والأستاذ الأكاديمي .

إن هؤلاء الطلبة يشهدون بتميز الأستاذ الأكاديمي في تشقيق المسائل ، والإيغال في سبر وتقسيم التفريعات والأوجه والاحتمالات ، والإحاطة بأقوال علماء المذاهب الموافقة للمشهور من مذاهبهم أو المخرجة على روايات الإمام .

أما ربط المعلومة بتطبيقاتها فبقي مجالاً لا يجول فيه ولا يصول إلا من له صلة بالقضاء ؛ خصوصاً : رجاله العاملين فيه زمناً ليس بالقليل ، هذا ما يحكيه الدارسون الذين ما انفكوا عن الحديث عن تصويباتهم أخطاء الأساتذة الأكاديميين الذين تولوا تدريسهم في الجامعة .

وهذا أمر ليس بالغريب ؛ فكل علم لا يتقنه من لم يمارسه ؛ فالطب والصيدلة والهندسة والمحاسبة لا يبدع فيها من ليس بطبيب أو صيدلي أو مهندس أو محاسب ، وكذا سائر العلوم التطبيقية .

وإن طبيعة القضايا المعروضة على المحاكم لا تكون على نسق واحد ولا ذات طبيعة مستقرة ، بل يتداخل فيها كثير من الفروع تتجاذب بعضها بعضاً على هيئة أحداث لكلٍ منها حكم مستقل يعلمه كل فقيه ، غير أن الذي يتقن الموازنة بين تلك الفروع ، وما يتقدم منها على غيره ، وما ينفرد بالحكم منها على غيره ، كل ذلك لا يعلمه إلا رجل القضاء الممارس ، وهذا هو الذي ينبغي التنبه له من قادة المؤسسة القضائية ؛ حتى لا يُسلموا قضاة المستقبل إلى غير الأقدر على نفعهم وتبصيرهم .

إنني - منذ أكثر من ست سنين - وأنا أستحث المؤسسة القضائية على إصلاح القضاء والرقي بخدماته ، والإمساك بزمامه للسير به إلى غايات النبل في ميادين التنافس الأممي ، ولن أزال كذلك ، ولن أَمَلَّ مما سخَّرت قلمي لأجله ؛ بالنداء تارة ، وبالحثِّ تارة ، وبالحضِّ أخرى ، وعند الصباح يحمد القوم السُّرى .


http://www.cojss.com/vb/showthread.php?9455

الفقير إلى عفو الودود ناصر بن زيد بن داود

ليست هناك تعليقات | عدد القراء : 3151 | تأريخ النشر : السبت 12 ربيع الأول 1433هـ الموافق 4 فبراير 2012م

طباعة المقال

إرسال المقالة
(( معهد التدريب القضائي )) معاهد التدريب القضائي موجودة في عدد من الدول العربية والأوروبية ، وهي تتميز عن المعاهد القضائية التابعة للجامعات بأشياء كثيرة ؛ منها :- 1/ أنها تابعة للمؤسسة القضائية ، وتحت إشرافها المباشر إداريا ، وماليا ، وفنيا . 2/ أن جميع كوادرها التدريبية والتدريسية من القضاة المتميزين في أعمالهم . 3/ أن فرص الانتساب لكوادر هذه المعاهد مفتوحة لكل متميز في عمله من القضاة ؛ لنقل خبراته وعلومه إلى من يحتاجها من الملازمين القضائيين ومبتدئي القضاة . 4/ أن الدراسة فيها على هيئة دورات ، تبدأ من ثلاثة أيام ، وتنتهي باثنين وثلاثين شهرا . 5/ أن القضاة العاملين في المعهد لا ينفكون عن أعمالهم القضائية البحتة ، فبعضهم : يكون عمله فيها خارج وقت الدوام الرسمي ، وآخرون : يتفرغون جزئيا لأعمال المعهد . 6/ اضطلاع هذه المعاهد باستضافة كبار القضاة من داخل وخارج البلاد ، والتهيئة للاستفادة منهم . إن هذه الميزات أتاحت للقيادات القضائية في بلادهم التحكم في برامج المعاهد ، وتحديد الأنشطة التطويرية دون تعقيدات التوافقات مع معاهد الجامعات ، كما يسرت على القضاة المستهدفين بهذه الأنشطة التحاقهم بها بحسب ظروف كل منهم ، كما مكنت القيادة من اختيار أشخاص القائمين على التدريب والتدريس في المعهد من كبار القضاة في الداخل والخارج . لقد تعدت هذه المعاهد كل هذه الفوائد بأن جعلت أنشطتها هدفا للقضاة من خارج البلاد ، فاستقبلت المنح الدراسية التي تنعم بها دولهم على من تراه من قضاة الدول الشقيقة والصديقة . بل إن أنشطة بعض هذه المعاهد وصلت في تطورها إلى أن صارت غاية يطلبها كل محتاج لها من قضاة العالم ، مما حدا بإدارات تلك المعاهد إلى توسيع دوائر تخصصاتها القضائية ؛ لتشمل الراغبين في الالتحاق بها من غير القضاة ؛ كالمحامين والمستشارين والباحثين وطلاب الحقوق . كل هذا بعدما ظهر للعيان ما أنتجته تلك المعاهد المتخصصة من خدمات قضائية متميزة ، وما لمسه المنتسبون إليها من فوائد تعدى أثرها إلى أعمالهم ومن يستفيد منها . ولا يفوتني أن أنوه بالتطور الهائل الذي وصل إليه أحد معاهد التدريب القضائي في إحدى الدول الأوروبية ، فأوصله إلى أن يفتتح له فروعا ؛ ليواكب الحاجة الماسة لخدماته من داخل تلك الدولة وخارجها ، وإننا إذ نستشهد بتلك الحالات انطلاقا مما جاء في كتاب الله جل ثناؤه حيث قال { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا } الآية . إننا بأمس الحاجة لإنشاء معهد التدريب القضائي السعودي التابع للمؤسسة القضائية ؛ لأن ما سيثمر عنه سيفوق كثيرا ما ينتجه التعاون القائم مع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، ولو لم يكن من عيب في هذا التعاون الضرورة إلا أن أغلب كوادر الجامعة هم من الأكاديميين غير الممارسين للعمل القضائي لكفاه . إن الملازم القضائي والقاضي المبتدئ إنما يحتاج لقاض يقرن بين النظرية والتطبيق ، وهذا هو ما أدركت قدر الحاجة إليه من المعنيين بالقضاء من غير القضاة خلال تدريسي في قسم القانون من : كلية الفيصل للدراسات العليا . لقد شهدت الحرص الكبير من طلبة مرحلة الماجستير - من الجنسين - على معرفة المواد التي سيدرسها من له خبرة قضائية ؛ ليسجلوا فيها قبل قفل باب التسجيل عليهم ، بل إن بعضهم قام بحذف مواد سبق له تسجيلها ؛ رغبة في المادة التي يؤمل الاستفادة من أستاذها العامل في مجال القضاء . وإذا كان هذا هو حال طالب الماجستير من المحامين والمستشارين والمحققين ، فكيف بحال القاضي المبتدئ والملازم القضائي !!!. وفي المقابل : الملازمون القضائيون وكذا بعض القضاة الذين التحقوا ببرنامج الدكتوراه في الجامعة لا يزال حديثهم عن الفرق الشاسع في توصيل المعلومة بين الأستاذ القاضي والأستاذ الأكاديمي . إن هؤلاء الطلبة يشهدون بتميز الأستاذ الأكاديمي في تشقيق المسائل ، والإيغال في سبر وتقسيم التفريعات والأوجه والاحتمالات ، والإحاطة بأقوال علماء المذاهب الموافقة للمشهور من مذاهبهم أو المخرجة على روايات الإمام . أما ربط المعلومة بتطبيقاتها فبقي مجالا لا يجول فيه ولا يصول إلا من له صلة بالقضاء ؛ خصوصا : رجاله العاملين فيه زمنا ليس بالقليل ، هذا ما يحكيه الدارسون الذين ما انفكوا عن الحديث عن تصويباتهم أخطاء الأساتذة الأكاديميين الذين تولوا تدريسهم في الجامعة . وهذا أمر ليس بالغريب ؛ فكل علم لا يتقنه من لم يمارسه ؛ فالطب والصيدلة والهندسة والمحاسبة لا يبدع فيها من ليس بطبيب أو صيدلي أو مهندس أو محاسب ، وكذا سائر العلوم التطبيقية . وإن طبيعة القضايا المعروضة على المحاكم لا تكون على نسق واحد ولا ذات طبيعة مستقرة ، بل يتداخل فيها كثير من الفروع تتجاذب بعضها بعضا على هيئة أحداث لكل منها حكم مستقل يعلمه كل فقيه ، غير أن الذي يتقن الموازنة بين تلك الفروع ، وما يتقدم منها على غيره ، وما ينفرد بالحكم منها على غيره ، كل ذلك لا يعلمه إلا رجل القضاء الممارس ، وهذا هو الذي ينبغي التنبه له من قادة المؤسسة القضائية ؛ حتى لا يسلموا قضاة المستقبل إلى غير الأقدر على نفعهم وتبصيرهم . إنني - منذ أكثر من ست سنين - وأنا أستحث المؤسسة القضائية على إصلاح القضاء والرقي بخدماته ، والإمساك بزمامه للسير به إلى غايات النبل في ميادين التنافس الأممي ، ولن أزال كذلك ، ولن أمل مما سخرت قلمي لأجله ؛ بالنداء تارة ، وبالحث تارة ، وبالحض أخرى ، وعند الصباح يحمد القوم السرى . http://www.cojss.com/vb/showthread.php?9455
التعليقات متاحة للزوار التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع