نشرت في صحيفة الوطن

قضائيات من شروط القاضي لدى جميع الأمم: العقل. ولكنهم لا يقصدون بذلك العقل الذي يميزه عن المجنون؛ لأن هذا الشرط مطلوب في جميع الوظائف والأعمال بدون استثناء.

أما العقل الذي يطلب من القاضي فقد اتفق العلماء على معناه، وإن اختلفوا في تحديد ماهيته؛ إذ معناه عند مجموعهم: تحقيق كمال العقل في القاضي بتحقيق الآتي:
1/ عدم الغفلة أو الاندهاش.
2/ صدق الفراسة.
3/ دقة الفهم واستيفاء النظر.
4/ تحرِّي مسالك الحكمة.
5/ التروِّي وعدم العجلة بالنظر في العواقب.
6/ أصالة الرأي.
7/ إدراك الكليات.
8/ الحصافة.
9/ الحكمة بوضع الشيء في موضعه.
10/ التَيَقُّظ التام.
11/ الفطنة بجودة الفكر والذهن والقريحة.

والمقصود من كل ذلك: أن القضاء يحتاج عقلا في شاغليه زائدا عن العقل الذي يحتاجه عامة الناس المسمى بالعقل التكليفي. والعقل الذي يحتاجه القاضي عقل مكتسب يجعله متميزا في قراءاته وتحليلاته وتوقعاته، ومن ثم يوصله إلى الغاية التي يرجوها بحكم وظيفته قاضيا، وهي: الحكم بأخذ الحق ممن هو عليه؛ وإن بالغ في التملص والروغان، وإعطاء صاحب الحق حقه؛ وإن عجز عن البيان. كما أن العقل السائد لا يمنع من اختلال الرأي، ولا من استغفال صاحبه من المحتالين، بخلاف العقل القضائي، فيمنع عن القاضي الاختلال والاستغفال في مجال عمله، وإن كان لا يمنعه عنه في حياته الخاصة بسبب غلبة أوصاف أخرى عليه.

ومن أدلة وجود العقل القضائي في القاضي احتياج العقلاء لرأيه؛ خصوصا: من بني جنسه من القضاة، ومثل هذا الاحتياج لا يكون إلا بعد تجارب ناجحة من أولئك المستشيرين مع القاضي صاحب العقل القضائي.
وكثرة الاستشارات تحفز عقل المستشار وتفتح أبواب ملكاته، وتثري عقل المستشير بالخبرات التي يتلقاها ممن يستشيره؛ فهو يأخذ زبدة عقله وخلاصة تجاربه. وقد مر بي عدد من الزملاء لا يتوانون في طلب المشورة، ليس في غاياتها فقط، بل في تفاصيلها، ولما اشتد عودهم صاروا أساتذة لمن جاء بعدهم. كتب الله لنا ولهم الأجر.

ومن أدواء العقل القضائي: البلادة والاتكال على الآخرين في بحث المسائل وفحص الدلائل وترتيب الأفكار وصياغة العلل.
وقد طرأ عليّ بعضهم وليسوا بكثير من فضل الله، حتى إن أحدهم سأل عن مسألة فذكرت له مكان وجودها من الكتاب والباب، فقال لي: ألا تبحث لي عنها، وتُملي عليّ نَصَّها؟ فقلت له: ألا يكفيك أن حددت لك الكتاب والباب؟ يا هذا إني إذا طرأت عليّ مسألة في باب من أبواب الفقه أقرأ الباب بأكمله؛ ولو وجدت حاجتي قبل تمام القراءة، بل إني أتخذ القلم الرصاص للتأشير والتعليق على ما يشدني من أحكام، وقد أشير إلى مواقع بعضها بعلامة النجمة. فاعتذر بأنه مشغول ببعض الإصلاحات في مزرعته.
إن مثل هذه البلادة تخل بالعقل القضائي وتعيبه، وتعود سلبا على عمله ومراجعيه، وعلى معاونيه ومن يميز أحكامه من مشايخه.

ومن أدواء العقل القضائي: اهتمام القاضي بأعمال ليست من صميم عمله تحتاج منه جهدا بدنيا وعقليا يستنزف ما يحتاجه عمله الأساسي (القضاء)، مثل: التصدر لرئاسة الجمعيات الخيرية، والاجتهاد الزائد في الدعوة في المساجد، أو المبالغة في عقد المحاضرات، على حساب العمل القضائي، وهو نوع من الغفلة التي تعتري الصالحين.
وقد سمعت من أحدهم قوله: مكثت كذا وكذا سنة لا أصلي في المسجد الواحد غير فريضة واحدة. فلما سألته: لماذا؟ قال لي جذلا مسرورا: بسبب الدعوة إلى الله؛ حتى أنهي مساجد المنطقة كلها. فقلت له: أليس العمل في الشؤون الإسلامية خيرا لك من القضاء ما دمت بهذه الحيوية والنشاط؟ فقال: لا! وأنا قاض غير.

ومن أدواء العقل القضائي: الخفة والطيش، وترك الوقار، وعدم التمييز بين ما يليق وما لا يليق من مثلهم في الأماكن العامة، وكل هذا نوع من أنواع السذاجة ونقص العقل، وقد يعدُّ من الحمق والبله، وهي لا تصلح أوصافا لأوساط الناس، فكيف بها فيمن ينبغي أن يكونوا الغاية في العقل افتراضا.
وقد اشتهر قلة من القضاة بذلك حتى صاروا أشبه ما يكونون بالممثلين الفكاهيين (الكوميديين)، وحتى صارت النكتة تجذبهم وتصرفهم نحو المتحدث بها.

وأختم بنص نادر عن الفاروق، رضي الله عنه، ثم بقصة حصلت في عهده، ثم بنقل عن الإمام الماوردي -يرحمه الله- هو محور تعريف العقل القضائي.
1/ روي عن عمر -رضي الله عنه- قوله: لا يصلح أن يليَ أمور الناس إلا حصيف العقل، وافر العلم، قليل الغرَّة، بعيد الهمَّة.

2/ روى الشعبي أن كعب بن سور الأسدي كان جالسا عند عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فجاءت امرأة فقال: يا أمير المؤمنين، ما رأيت رجلا قط أفضل من زوجي، والله إنه ليبيت ليله قائما، ويظل نهاره صائما. فاستغفر لها وأثنى عليها، ثم قال لها: نعم الزوج زوجك. فجعلت تكرر هذا القول، ويكرر عليها الجواب، فقال كعب: يا أمير المؤمنين! هذه المرأة تشكو زوجها في مباعدته إياها عن فراشه. فقال له عمر: كما فهمتَ كلامها فاقض بينهما. قال: فإني أرى كأنها امرأة عليها ثلاث نسوة هي رابعتهن، فأقضي له ثلاثة أيام ولياليهن يتعبد فيها، ولها يوم وليلة. فأجازه عمر وأمضاه قاضيا في البصرة.

3/ إن مما أبدعه الإمام الماوردي الشافعي، رحمه الله، قوله: وَلَيْسَ يَكْتَفِي فِيهِ [القاضي] بِالْعَقْلِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّكْلِيفُ مِنْ عِلْمِهِ بِالْمُدْرَكَاتِ الضَّرُورِيَّةِ حَتَّى يَكُونَ صَحِيحَ الفكر والتَّمْيِيزِ جِيِّدَ الْفَطِنَةِ بَعِيدًا مِنَ السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ يَتَوَصَّلُ بِذَكَائِهِ إِلَى حَلِّ مَا أُشْكِلَ وَفَصْلِ مَا أُعْضِلَ.

الفقير إلى عفو الودود ناصر بن زيد بن داود

ليست هناك تعليقات | عدد القراء : 584 | تأريخ النشر : الأحد 11 جمادى الآخرة 1437هـ الموافق 20 مارس 2016م

طباعة المقال

إرسال المقالة
العقل القضائي من شروط القاضي لدى جميع الأمم: العقل. ولكنهم لا يقصدون بذلك العقل الذي يميزه عن المجنون؛ لأن هذا الشرط مطلوب في جميع الوظائف والأعمال بدون استثناء. أما العقل الذي يطلب من القاضي فقد اتفق العلماء على معناه، وإن اختلفوا في تحديد ماهيته؛ إذ معناه عند مجموعهم: تحقيق كمال العقل في القاضي بتحقيق الآتي: 1/ عدم الغفلة أو الاندهاش. 2/ صدق الفراسة. 3/ دقة الفهم واستيفاء النظر. 4/ تحري مسالك الحكمة. 5/ التروي وعدم العجلة بالنظر في العواقب. 6/ أصالة الرأي. 7/ إدراك الكليات. 8/ الحصافة. 9/ الحكمة بوضع الشيء في موضعه. 10/ التيقظ التام. 11/ الفطنة بجودة الفكر والذهن والقريحة. والمقصود من كل ذلك: أن القضاء يحتاج عقلا في شاغليه زائدا عن العقل الذي يحتاجه عامة الناس المسمى بالعقل التكليفي. والعقل الذي يحتاجه القاضي عقل مكتسب يجعله متميزا في قراءاته وتحليلاته وتوقعاته، ومن ثم يوصله إلى الغاية التي يرجوها بحكم وظيفته قاضيا، وهي: الحكم بأخذ الحق ممن هو عليه؛ وإن بالغ في التملص والروغان، وإعطاء صاحب الحق حقه؛ وإن عجز عن البيان. كما أن العقل السائد لا يمنع من اختلال الرأي، ولا من استغفال صاحبه من المحتالين، بخلاف العقل القضائي، فيمنع عن القاضي الاختلال والاستغفال في مجال عمله، وإن كان لا يمنعه عنه في حياته الخاصة بسبب غلبة أوصاف أخرى عليه. ومن أدلة وجود العقل القضائي في القاضي احتياج العقلاء لرأيه؛ خصوصا: من بني جنسه من القضاة، ومثل هذا الاحتياج لا يكون إلا بعد تجارب ناجحة من أولئك المستشيرين مع القاضي صاحب العقل القضائي. وكثرة الاستشارات تحفز عقل المستشار وتفتح أبواب ملكاته، وتثري عقل المستشير بالخبرات التي يتلقاها ممن يستشيره؛ فهو يأخذ زبدة عقله وخلاصة تجاربه. وقد مر بي عدد من الزملاء لا يتوانون في طلب المشورة، ليس في غاياتها فقط، بل في تفاصيلها، ولما اشتد عودهم صاروا أساتذة لمن جاء بعدهم. كتب الله لنا ولهم الأجر. ومن أدواء العقل القضائي: البلادة والاتكال على الآخرين في بحث المسائل وفحص الدلائل وترتيب الأفكار وصياغة العلل. وقد طرأ علي بعضهم وليسوا بكثير من فضل الله، حتى إن أحدهم سأل عن مسألة فذكرت له مكان وجودها من الكتاب والباب، فقال لي: ألا تبحث لي عنها، وتملي علي نصها؟ فقلت له: ألا يكفيك أن حددت لك الكتاب والباب؟ يا هذا إني إذا طرأت علي مسألة في باب من أبواب الفقه أقرأ الباب بأكمله؛ ولو وجدت حاجتي قبل تمام القراءة، بل إني أتخذ القلم الرصاص للتأشير والتعليق على ما يشدني من أحكام، وقد أشير إلى مواقع بعضها بعلامة النجمة. فاعتذر بأنه مشغول ببعض الإصلاحات في مزرعته. إن مثل هذه البلادة تخل بالعقل القضائي وتعيبه، وتعود سلبا على عمله ومراجعيه، وعلى معاونيه ومن يميز أحكامه من مشايخه. ومن أدواء العقل القضائي: اهتمام القاضي بأعمال ليست من صميم عمله تحتاج منه جهدا بدنيا وعقليا يستنزف ما يحتاجه عمله الأساسي (القضاء)، مثل: التصدر لرئاسة الجمعيات الخيرية، والاجتهاد الزائد في الدعوة في المساجد، أو المبالغة في عقد المحاضرات، على حساب العمل القضائي، وهو نوع من الغفلة التي تعتري الصالحين. وقد سمعت من أحدهم قوله: مكثت كذا وكذا سنة لا أصلي في المسجد الواحد غير فريضة واحدة. فلما سألته: لماذا؟ قال لي جذلا مسرورا: بسبب الدعوة إلى الله؛ حتى أنهي مساجد المنطقة كلها. فقلت له: أليس العمل في الشؤون الإسلامية خيرا لك من القضاء ما دمت بهذه الحيوية والنشاط؟ فقال: لا! وأنا قاض غير. ومن أدواء العقل القضائي: الخفة والطيش، وترك الوقار، وعدم التمييز بين ما يليق وما لا يليق من مثلهم في الأماكن العامة، وكل هذا نوع من أنواع السذاجة ونقص العقل، وقد يعد من الحمق والبله، وهي لا تصلح أوصافا لأوساط الناس، فكيف بها فيمن ينبغي أن يكونوا الغاية في العقل افتراضا. وقد اشتهر قلة من القضاة بذلك حتى صاروا أشبه ما يكونون بالممثلين الفكاهيين (الكوميديين)، وحتى صارت النكتة تجذبهم وتصرفهم نحو المتحدث بها. وأختم بنص نادر عن الفاروق، رضي الله عنه، ثم بقصة حصلت في عهده، ثم بنقل عن الإمام الماوردي -يرحمه الله- هو محور تعريف العقل القضائي. 1/ روي عن عمر -رضي الله عنه- قوله: لا يصلح أن يلي أمور الناس إلا حصيف العقل، وافر العلم، قليل الغرة، بعيد الهمة. 2/ روى الشعبي أن كعب بن سور الأسدي كان جالسا عند عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فجاءت امرأة فقال: يا أمير المؤمنين، ما رأيت رجلا قط أفضل من زوجي، والله إنه ليبيت ليله قائما، ويظل نهاره صائما. فاستغفر لها وأثنى عليها، ثم قال لها: نعم الزوج زوجك. فجعلت تكرر هذا القول، ويكرر عليها الجواب، فقال كعب: يا أمير المؤمنين! هذه المرأة تشكو زوجها في مباعدته إياها عن فراشه. فقال له عمر: كما فهمت كلامها فاقض بينهما. قال: فإني أرى كأنها امرأة عليها ثلاث نسوة هي رابعتهن، فأقضي له ثلاثة أيام ولياليهن يتعبد فيها، ولها يوم وليلة. فأجازه عمر وأمضاه قاضيا في البصرة. 3/ إن مما أبدعه الإمام الماوردي الشافعي، رحمه الله، قوله: وليس يكتفي فيه [القاضي] بالعقل الذي يتعلق به التكليف من علمه بالمدركات الضرورية حتى يكون صحيح الفكر والتمييز جيد الفطنة بعيدا من السهو والغفلة يتوصل بذكائه إلى حل ما أشكل وفصل ما أعضل.
التعليقات متاحة للزوار التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع