نشرت في صحيفة الوطن

قضائيات من المفترض أن يكون القاضي كالثوب الأبيض نقياً من كل دنس، طاهراً من كل نجس؛ بقدر ما يمكن من مثله في مثل زمانه ومكانه؛ فالعدالة تختلف باختلاف الزمان والمكان، وما يطلب من القضاة هو أعلى درجاتها، ولذلك تعددت الاحتياطات في حقهم من فقهاء الشريعة والقانون.
ومن ذلك: ما حواه مقال الأسبوع الماضي بعنوان: وفرقوا بينهم في المجامع. بشأن المنع من دمج القضاة والمحامين في جمعية واحدة مهما كان السبب؛ لأن مثل هذا الإجراء يؤدي إلى مؤاكلة كل منهما الآخر ومساكنته في الفنادق عند تمثيل الجمعية في المؤتمرات والندوات.
وأوضحت سند ذلك من النظام السعودي، وأن وقائع تأثير هذه المجامع ظاهر على أولئك الذين يحرصون على الخلطة من الطرفين المعنيين بالتفريق.
والمؤاكلة والمساكنة لا يلزم تأكدهما لتحقيق المنع؛ بل يكفي مظنة حصولهما منهما؛ لقاعدة: ما قرب من الشيء فله مثل حكمه. وقاعدة: غلبة الظن عند تعذر اليقين يقين.

وبنظرة على البحوث والكتابات العربية حول علاقة القاضي بالمحامي نجد أن: القضاة ينؤون بأنفسهم وبأعراضهم من الخلطة بالمحامين.
كما نجد أن: المحامين يشكون من سوء علاقة القضاة بهم، وينحون باللائمة في ذلك على القضاة.
وهذا السلوك المتعالي غير مرحب به من القضاة تجاه إخوانهم المحامين المشاركين لهم في تطلب العدالة ولو في الظاهر؛ إلا أنه - من زاوية مضيئة - مؤشرٌ جليٌ على حياد أولئك القضاة ونأيهم بأنفسهم عن مواطن الشك؛ لأن علاقة المحامي بالقاضي مدعاة لذلك حتماً؛ خصوصاً: إذا كان المحامي ممن يرتاد محكمة القاضي الذي يخالطه، وممن يمكن أن يكون ناظراً لقضية من قضاياه يوماً ما.

وقد أدرك فقهاء الشريعة ذلك، وسبروا آثاره السيئة على القاضي وعلى خصم المحامي، فاستنتجوا أحد عشر سبباً لإيقاع الحكم بالمنع من خلطة المحامي بالقاضي، ولتجويز رد القاضي عن النظر في حال المخالفة؛ وهي على وجه الإجمال:
1/ إيذاء الخصم.
2/ جلب التهمة.
3/ كسر قلب الخصم الآخر.
4/ جرأة الخصم على صاحبه.
5/ سُوء الظَّنِّ.
6/ تُهْمَة الْمَيْلِ.
7/ ازدياد أحد الخصوم بِها قُوَّةً عَلَى الآخر.
8/ طمَعُ المحامي أَنْ يَمِيلَ القاضي بِالرِّشْوَةِ إلَيْهِ.
9/ خوف المحاباة.
10/ حملُ الخصم عَلَى تَرْكِ دَعْوَاهُ.
11/ مظنة لضَيَاع حَقِّ الخصم.

ومن سبر تلك العلاقات: لا تكاد تجد قاضياً يميل إلى مخالطة المحامين إلا وهو إما:
أ/ تواق للتعاون معهم شريكاً أو مستشاراً بأجر.
ب/ متطلع لخدماتهم التي لا يقدر عليها غيرهم بحكم علاقاتهم مع المتنفذين في أغلب القطاعات العامة والخاصة.
ج/ راغب في معرفة خفايا مهنتهم؛ لعزمه على الالتحاق بهم بعد ترك الوظيفة الحكومية. وهذا أحسن حالاته.

ولا تكاد تجد محامياً حريصاً على مخالطة القضاة إلا وهو إما:
1/ مستغل لتلك العلاقات في الدعاية لنفسه؛ من حيث لا يعلم القاضي.
2/ مخطط للاستفادة من تلك العلاقات في قضاياه؛ ولو من باب الاستشارة المجانية.
3/ ساعٍ إلى إشراك القاضي في أجور القضية؛ بإغوائه وإغرائه.

ولم تكن العلاقة بين القاضي والمحامي حسنة إلى هذا الحد من التقارب الحاصل اليوم في بلادنا لولا موجة الاستقالات التي اجتاحت القضاة في السنوات الخمس الأخيرة.
هذه الموجة جعلت عشرات القضاة المستقيلين يتجهون إلى المحاماة، ويلتفتون إلى زملاء الأمس من القضاة لتحقيق مآربهم وتطلعاتهم إلى الفوز بأحكام قضايا موكليهم.

ولعلنا نختم بوضع قواعد تمنع اختراق القضاء من العبث من الطرفين المخالفين:
القاعدة الأولى: إذا رفعت القضية الموجبة للرد أمام القاضي - وهو يعلمها - فعليه تقرير ذلك في الجلسة الأولى أمام الخصوم، وترك خيار الرد مفتوحاً لخصم المحامي المخالط حتى قفل باب المرافعة. (م/98 مرافعات).
القاعدة الثانية: إذا طلب خصم المحامي من القاضي التنحي لسببٍ موجبٍ للرد - وهو يعلمه - فعليه الاستجابة للطلب على الفور، وقبل البت في طلب الرد من رئيس المحكمة أو من محكمة الاستئناف بحسب المادة/100 من نظام المرافعات الشرعية.
القاعدة الثالثة: تفرض على القاضي غرامة ربع مرتبه الشهري عن كل حالةٍ موجبةٍ للرد يعلمها ولم يبينها؛ كما في القاعدة الأولى، وكذا عن كل حالةٍ موجبةٍ للرد تثبت في حقه بعد نفيه لها؛ كما في القاعدة الثانية.
القاعدة الرابعة: تفرض على الخصم طالب الرد غرامة 5 آلاف ريال عن كل حالة طلب ردٍ لا تصح.
القاعدة الخامسة: تفرض على المحامي غرامة 5 آلاف ريال عن كل حالةٍ موجبةٍ لرد القاضي بسببٍ يعلمه ويخفيه؛ متى أثبته الخصم قبل قفل باب المرافعة.
القاعدة السادسة: فرض الغرامة على المخالفين من القضاة والمحامين لا يمنع من المحاكمة التأديبية عند تكرار المخالفة، بحسب المادة/60 مرافعات، والمادة/30 محاماة.

إن اعتماد هذه القواعد سيجعل القاضي والمحامي في غنىً عن المخالفات، وفي حلٍ من المجاملات، وعلى حذرٍ من التجاوزات.

إن الاحتياطات النظامية لا تعني الشك في شخص القاضي ولا المحامي بقدر ما تكون عوناً لهما على الابتعاد عن مواطن الريب وجالبات الظنون؛ كما قال الخليفة الراشد ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، ولكي يكون ثوب القاضي أبيض رمزاً لصفائه ونُقِيِّه، وليكون ثوب المحامي أسود رمزاً لسؤدده ورُقِيِّه.

الفقير إلى عفو الودود ناصر بن زيد بن داود

ليست هناك تعليقات | عدد القراء : 493 | تأريخ النشر : الأحد 4 جمادى الآخرة 1437هـ الموافق 13 مارس 2016م

طباعة المقال

إرسال المقالة
ثوب القاضي الأبيض من المفترض أن يكون القاضي كالثوب الأبيض نقيا من كل دنس، طاهرا من كل نجس؛ بقدر ما يمكن من مثله في مثل زمانه ومكانه؛ فالعدالة تختلف باختلاف الزمان والمكان، وما يطلب من القضاة هو أعلى درجاتها، ولذلك تعددت الاحتياطات في حقهم من فقهاء الشريعة والقانون. ومن ذلك: ما حواه مقال الأسبوع الماضي بعنوان: وفرقوا بينهم في المجامع. بشأن المنع من دمج القضاة والمحامين في جمعية واحدة مهما كان السبب؛ لأن مثل هذا الإجراء يؤدي إلى مؤاكلة كل منهما الآخر ومساكنته في الفنادق عند تمثيل الجمعية في المؤتمرات والندوات. وأوضحت سند ذلك من النظام السعودي، وأن وقائع تأثير هذه المجامع ظاهر على أولئك الذين يحرصون على الخلطة من الطرفين المعنيين بالتفريق. والمؤاكلة والمساكنة لا يلزم تأكدهما لتحقيق المنع؛ بل يكفي مظنة حصولهما منهما؛ لقاعدة: ما قرب من الشيء فله مثل حكمه. وقاعدة: غلبة الظن عند تعذر اليقين يقين. وبنظرة على البحوث والكتابات العربية حول علاقة القاضي بالمحامي نجد أن: القضاة ينؤون بأنفسهم وبأعراضهم من الخلطة بالمحامين. كما نجد أن: المحامين يشكون من سوء علاقة القضاة بهم، وينحون باللائمة في ذلك على القضاة. وهذا السلوك المتعالي غير مرحب به من القضاة تجاه إخوانهم المحامين المشاركين لهم في تطلب العدالة ولو في الظاهر؛ إلا أنه - من زاوية مضيئة - مؤشر جلي على حياد أولئك القضاة ونأيهم بأنفسهم عن مواطن الشك؛ لأن علاقة المحامي بالقاضي مدعاة لذلك حتما؛ خصوصا: إذا كان المحامي ممن يرتاد محكمة القاضي الذي يخالطه، وممن يمكن أن يكون ناظرا لقضية من قضاياه يوما ما. وقد أدرك فقهاء الشريعة ذلك، وسبروا آثاره السيئة على القاضي وعلى خصم المحامي، فاستنتجوا أحد عشر سببا لإيقاع الحكم بالمنع من خلطة المحامي بالقاضي، ولتجويز رد القاضي عن النظر في حال المخالفة؛ وهي على وجه الإجمال: 1/ إيذاء الخصم. 2/ جلب التهمة. 3/ كسر قلب الخصم الآخر. 4/ جرأة الخصم على صاحبه. 5/ سوء الظن. 6/ تهمة الميل. 7/ ازدياد أحد الخصوم بها قوة على الآخر. 8/ طمع المحامي أن يميل القاضي بالرشوة إليه. 9/ خوف المحاباة. 10/ حمل الخصم على ترك دعواه. 11/ مظنة لضياع حق الخصم. ومن سبر تلك العلاقات: لا تكاد تجد قاضيا يميل إلى مخالطة المحامين إلا وهو إما: أ/ تواق للتعاون معهم شريكا أو مستشارا بأجر. ب/ متطلع لخدماتهم التي لا يقدر عليها غيرهم بحكم علاقاتهم مع المتنفذين في أغلب القطاعات العامة والخاصة. ج/ راغب في معرفة خفايا مهنتهم؛ لعزمه على الالتحاق بهم بعد ترك الوظيفة الحكومية. وهذا أحسن حالاته. ولا تكاد تجد محاميا حريصا على مخالطة القضاة إلا وهو إما: 1/ مستغل لتلك العلاقات في الدعاية لنفسه؛ من حيث لا يعلم القاضي. 2/ مخطط للاستفادة من تلك العلاقات في قضاياه؛ ولو من باب الاستشارة المجانية. 3/ ساع إلى إشراك القاضي في أجور القضية؛ بإغوائه وإغرائه. ولم تكن العلاقة بين القاضي والمحامي حسنة إلى هذا الحد من التقارب الحاصل اليوم في بلادنا لولا موجة الاستقالات التي اجتاحت القضاة في السنوات الخمس الأخيرة. هذه الموجة جعلت عشرات القضاة المستقيلين يتجهون إلى المحاماة، ويلتفتون إلى زملاء الأمس من القضاة لتحقيق مآربهم وتطلعاتهم إلى الفوز بأحكام قضايا موكليهم. ولعلنا نختم بوضع قواعد تمنع اختراق القضاء من العبث من الطرفين المخالفين: القاعدة الأولى: إذا رفعت القضية الموجبة للرد أمام القاضي - وهو يعلمها - فعليه تقرير ذلك في الجلسة الأولى أمام الخصوم، وترك خيار الرد مفتوحا لخصم المحامي المخالط حتى قفل باب المرافعة. (م/98 مرافعات). القاعدة الثانية: إذا طلب خصم المحامي من القاضي التنحي لسبب موجب للرد - وهو يعلمه - فعليه الاستجابة للطلب على الفور، وقبل البت في طلب الرد من رئيس المحكمة أو من محكمة الاستئناف بحسب المادة/100 من نظام المرافعات الشرعية. القاعدة الثالثة: تفرض على القاضي غرامة ربع مرتبه الشهري عن كل حالة موجبة للرد يعلمها ولم يبينها؛ كما في القاعدة الأولى، وكذا عن كل حالة موجبة للرد تثبت في حقه بعد نفيه لها؛ كما في القاعدة الثانية. القاعدة الرابعة: تفرض على الخصم طالب الرد غرامة 5 آلاف ريال عن كل حالة طلب رد لا تصح. القاعدة الخامسة: تفرض على المحامي غرامة 5 آلاف ريال عن كل حالة موجبة لرد القاضي بسبب يعلمه ويخفيه؛ متى أثبته الخصم قبل قفل باب المرافعة. القاعدة السادسة: فرض الغرامة على المخالفين من القضاة والمحامين لا يمنع من المحاكمة التأديبية عند تكرار المخالفة، بحسب المادة/60 مرافعات، والمادة/30 محاماة. إن اعتماد هذه القواعد سيجعل القاضي والمحامي في غنى عن المخالفات، وفي حل من المجاملات، وعلى حذر من التجاوزات. إن الاحتياطات النظامية لا تعني الشك في شخص القاضي ولا المحامي بقدر ما تكون عونا لهما على الابتعاد عن مواطن الريب وجالبات الظنون؛ كما قال الخليفة الراشد ذو النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، ولكي يكون ثوب القاضي أبيض رمزا لصفائه ونقيه، وليكون ثوب المحامي أسود رمزا لسؤدده ورقيه.
التعليقات متاحة للزوار التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع