نشرت في صحيفة الوطن

قضائيات سبق أن كتبت عن لزوم التقنين في بلادنا السعودية أكثر من عشر مقالات منذ عام 1426، ولن أكرر ما قلته هناك، بل سأقتصر على التعليق على مشروع مدونة الأحكام القضائية التي توشك على الصدور.
أحيي كل من شارك في إنجاز هذه المدونة التي شملت جميع التخصصات القضائية، وأخص بالشكر كل من دققها بعد تحضيرها من كبار العلماء والفقهاء.
يدور حديث خلف الستار عن هذه المدونة، وهل هي مُعلِمة أم مُلزِمة؟.
فإن كانت مُعلِمة فقط: فوجودها كعدمها، ولن تعدو أن تكون كتاباً فقهياً؛ كسائر الكتب التي غصت بها المكتبات الخاصة والعامة.
وحتى تكون مُلزِمة وعاجلة: يجب أن تكون أداة صدورها (الأمر الملكي)؛ الذي يرفع عنها قيود العرض على أي جهة استشارية؛ سواء: هيئة كبار العلماء، أو مجلس الشورى.
والسبب: أن المدونة لم تسلم من محاولات العرقلة منذ إنشائها، ولن تسلم حتى انتهاء تحضيرها، بعض المعوقين: يطلب تأجيل إصدارها، وبعضهم: يطلب تأجيل الإلزام بها، وبعضهم: يقترح تقييدها بمذهب معين.
غير أن الأوامر الملكية الكريمة الأخيرة كانت بالمرصاد لأصحاب تلك العقبات؛ بالتأكيد السامي الكريم على لزوم الانتهاء منها خلال ما تبقى من العام الجاري.
ولا أظن أصحاب تلك المحاولات المعيقة سيفتُرُون عن تجديد محاولاتهم، واقتناص الأحداث المضطربة في ممارسة الاصطياد في المياه العكرة.
إن المدونة القضائية السعودية ستكون - بدون شكٍ - موضع احتفاء من المحامين والمستشارين القانونيين في الشركات والمؤسسات العامة والخاصة.
وممن سيحتفي بالمدونة - لاحقاً - أولئك الذين عارضوها وما فتئوا عن ملاحقتها وإلقاء العقبات في طريقها، ولا أستبعد أن يدَّعوا أنهم كانوا هم الذين وراءها بالاقتراح والتأييد والإعداد والإجازة.
إن المدونة القضائية السعودية ذات وصفين يحسن التفريق بينهما؛ لإدراك محاسنها، وتنزيهها من عيوب ألحقت بها:
الوصف الأول: أنها أصيلة المنبع؛ فاستقاء أحكامها مأخوذ من:
1/ نصوص الكتاب والسنة.
2/ أقوال أهل العلم المعتبرين في المذاهب الأربعة.
3/ السوابق القضائية في المحاكم السعودية.
4/ الأنظمة واللوائح المعتمدة في النظام السعودي.
فقد نص الأمر الملكي الكريم ذو الرقم أ/20 المؤرخ في 7/2/1436 على الآتي [التقيد التام بنصوص وقواعد الشرع الحنيف، وأن تسلك المنهج العلمي في الترجيح بين أقوال أهل العلم، وألا تذكر أية مادة في مشروع مدونة الأحكام القضائية في المواضيع الشرعية إلا ولها ما يؤيدها من نصوص الشريعة، وأقوال المحققين من أهل العلم].
الوصف الثاني: أنها وضعية المبنى؛ لأنها مؤلفة على هيئة كتاب كغيره من الكتب الفقهية، وبهذا يمكن مراجعة مضامينه؛ سواء بالجملة، أو لبعض مواده.
جاء في الأمر الملكي النص على إعداد مشروع مدونة الأحكام القضائية في الموضوعات الشرعية، على هيئة مواد على أبواب الفقه.
وهذا الوصف لا يعيب المدونة، بل هو من المزايا التي أنعم الله بها؛ فمتى ظهر للقضاة عند التطبيق لزوم قيد في حكم، أو زيادة في مقدار، أو إنقاص منه، فيمكن ذلك بنفس الآلية التي صدر بها أصل المدونة.
إن الوصف الأول يباهي به السعودي غيره؛ من حيث أن بلاده هي البلد الإسلامي الأوحد في تحكيم الشريعة في جميع مناحي الحياة.
والوصف الثاني يباهي به أهل الاختصاص أقرانهم من حيث مرونة القانون السعودي وقبوله التعديل والإلغاء والزيادة والنقصان بحسب الأحوال التي تستدعي ذلك شرعاً.
إن من فضل الله تعالى أن قام بالتحضير للمدونة نخبة رائدة من القضاة والباحثين والأكاديميين السعوديين الثقات في تخصصاتهم وتوجهاتهم وإنجازاتهم.
ومن فضل الله تعالى أن أشرف على المدونة نخبة رائعة من كبار العلماء والفقهاء والقضاة السعوديين.
إن روح التنافس بين أعضاء اللجنة التحضيرية في تسريع إنجاز المدونة كان منقبة لأولئك الأفاضل، فقد بذلوا جهداً فريداً وعطاءً سديداً لا يمكن لغيرهم في مثل الوقت الوجيز المحدد لهم في الأمر الكريم.
كما أن الحماس الفائق بين أعضاء اللجنة الشرعية المختارة من المقام الكريم، وعددهم 15 عضواً كان ملحوظاً ظاهراً في تدقيق مواد المدونة، وتطعيمها بما يراه هؤلاء النخبة لازماً أو مناسباً يحسب الصلاحيات الممنوحة لهم.
غفر الله لفقيدنا الملك عبدالله الذي أمر بإعداد المدونة، ووفق الله مليكنا خادم الحرمين الشريفين سلمان بن عبدالعزيز، وجزى الله خيراً كل من قام على المدونة تحضيراً وإمداداً، أو تدقيقاً وإعداداً.

الفقير إلى عفو الودود ناصر بن زيد بن داود

ليست هناك تعليقات | عدد القراء : 860 | تأريخ النشر : الأحد 26 شوال 1437هـ الموافق 31 يوليو 2016م

طباعة المقال

إرسال المقالة
((مدونة الأحكام القضائية)) سبق أن كتبت عن لزوم التقنين في بلادنا السعودية أكثر من عشر مقالات منذ عام 1426، ولن أكرر ما قلته هناك، بل سأقتصر على التعليق على مشروع مدونة الأحكام القضائية التي توشك على الصدور. أحيي كل من شارك في إنجاز هذه المدونة التي شملت جميع التخصصات القضائية، وأخص بالشكر كل من دققها بعد تحضيرها من كبار العلماء والفقهاء. يدور حديث خلف الستار عن هذه المدونة، وهل هي معلمة أم ملزمة؟. فإن كانت معلمة فقط: فوجودها كعدمها، ولن تعدو أن تكون كتابا فقهيا؛ كسائر الكتب التي غصت بها المكتبات الخاصة والعامة. وحتى تكون ملزمة وعاجلة: يجب أن تكون أداة صدورها (الأمر الملكي)؛ الذي يرفع عنها قيود العرض على أي جهة استشارية؛ سواء: هيئة كبار العلماء، أو مجلس الشورى. والسبب: أن المدونة لم تسلم من محاولات العرقلة منذ إنشائها، ولن تسلم حتى انتهاء تحضيرها، بعض المعوقين: يطلب تأجيل إصدارها، وبعضهم: يطلب تأجيل الإلزام بها، وبعضهم: يقترح تقييدها بمذهب معين. غير أن الأوامر الملكية الكريمة الأخيرة كانت بالمرصاد لأصحاب تلك العقبات؛ بالتأكيد السامي الكريم على لزوم الانتهاء منها خلال ما تبقى من العام الجاري. ولا أظن أصحاب تلك المحاولات المعيقة سيفترون عن تجديد محاولاتهم، واقتناص الأحداث المضطربة في ممارسة الاصطياد في المياه العكرة. إن المدونة القضائية السعودية ستكون - بدون شك - موضع احتفاء من المحامين والمستشارين القانونيين في الشركات والمؤسسات العامة والخاصة. وممن سيحتفي بالمدونة - لاحقا - أولئك الذين عارضوها وما فتئوا عن ملاحقتها وإلقاء العقبات في طريقها، ولا أستبعد أن يدعوا أنهم كانوا هم الذين وراءها بالاقتراح والتأييد والإعداد والإجازة. إن المدونة القضائية السعودية ذات وصفين يحسن التفريق بينهما؛ لإدراك محاسنها، وتنزيهها من عيوب ألحقت بها: الوصف الأول: أنها أصيلة المنبع؛ فاستقاء أحكامها مأخوذ من: 1/ نصوص الكتاب والسنة. 2/ أقوال أهل العلم المعتبرين في المذاهب الأربعة. 3/ السوابق القضائية في المحاكم السعودية. 4/ الأنظمة واللوائح المعتمدة في النظام السعودي. فقد نص الأمر الملكي الكريم ذو الرقم أ/20 المؤرخ في 7/2/1436 على الآتي [التقيد التام بنصوص وقواعد الشرع الحنيف، وأن تسلك المنهج العلمي في الترجيح بين أقوال أهل العلم، وألا تذكر أية مادة في مشروع مدونة الأحكام القضائية في المواضيع الشرعية إلا ولها ما يؤيدها من نصوص الشريعة، وأقوال المحققين من أهل العلم]. الوصف الثاني: أنها وضعية المبنى؛ لأنها مؤلفة على هيئة كتاب كغيره من الكتب الفقهية، وبهذا يمكن مراجعة مضامينه؛ سواء بالجملة، أو لبعض مواده. جاء في الأمر الملكي النص على إعداد مشروع مدونة الأحكام القضائية في الموضوعات الشرعية، على هيئة مواد على أبواب الفقه. وهذا الوصف لا يعيب المدونة، بل هو من المزايا التي أنعم الله بها؛ فمتى ظهر للقضاة عند التطبيق لزوم قيد في حكم، أو زيادة في مقدار، أو إنقاص منه، فيمكن ذلك بنفس الآلية التي صدر بها أصل المدونة. إن الوصف الأول يباهي به السعودي غيره؛ من حيث أن بلاده هي البلد الإسلامي الأوحد في تحكيم الشريعة في جميع مناحي الحياة. والوصف الثاني يباهي به أهل الاختصاص أقرانهم من حيث مرونة القانون السعودي وقبوله التعديل والإلغاء والزيادة والنقصان بحسب الأحوال التي تستدعي ذلك شرعا. إن من فضل الله تعالى أن قام بالتحضير للمدونة نخبة رائدة من القضاة والباحثين والأكاديميين السعوديين الثقات في تخصصاتهم وتوجهاتهم وإنجازاتهم. ومن فضل الله تعالى أن أشرف على المدونة نخبة رائعة من كبار العلماء والفقهاء والقضاة السعوديين. إن روح التنافس بين أعضاء اللجنة التحضيرية في تسريع إنجاز المدونة كان منقبة لأولئك الأفاضل، فقد بذلوا جهدا فريدا وعطاء سديدا لا يمكن لغيرهم في مثل الوقت الوجيز المحدد لهم في الأمر الكريم. كما أن الحماس الفائق بين أعضاء اللجنة الشرعية المختارة من المقام الكريم، وعددهم 15 عضوا كان ملحوظا ظاهرا في تدقيق مواد المدونة، وتطعيمها بما يراه هؤلاء النخبة لازما أو مناسبا يحسب الصلاحيات الممنوحة لهم. غفر الله لفقيدنا الملك عبدالله الذي أمر بإعداد المدونة، ووفق الله مليكنا خادم الحرمين الشريفين سلمان بن عبدالعزيز، وجزى الله خيرا كل من قام على المدونة تحضيرا وإمدادا، أو تدقيقا وإعدادا.
التعليقات متاحة للزوار التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع