نشرت في مركز الدراسات القضائية التخصصي

نظاميات نعم !، سمعاً وطاعة لولي أمرنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود؛ فيما يأمرنا به وينهانا عنه، في عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكرهنا، وعلى أثرةٍ علينا، لا ننازعه الأمر؛ لأنه أهله ووليه.

هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا بايع الصحابة والتابعون خلفاء المسلمين في العصور المفضلة.

وهكذا نحن مع ملوكنا وولاة أمرنا لا ننفك عن السمع والطاعة لهم، مقرونة بالنصح لهم وقول الحق حيثما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم.

لا نخلع أبداً يداً من طاعة، ولا نعصيهم فيما لم يكن فيه كفراً بواحاً عندنا من الله فيه برهان؛ كما أمرنا نبينا عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم.

لا نبتغي بذلك باطلاً، ولا نجحد نعمة الله، بل نطلب طاعة الله وطاعة رسوله وولاة أمره، ونخشى من الفتن وعظائم الكروب من المخالفة، خصوصاً في زمنٍ يتخطف الناس فيه من حولنا؛ قال تعالى { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ}.

لم يكن لجهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجود في التاريخ الإسلامي بهذا المسمى، وكان القائم بعملها ما يسمى ذلك الوقت والي الحسبة، وكانت هيبة السلطان تحجز الناس عن المنكرات، وصلاح العلماء ينشر الفضيلة بين الناس.

فلا تظهر المنكرات إلا مع ضعف السلطة، ولا تضمحل الفضائل إلا بفساد العلماء، وولاية الحسبة ما هي إلا جهاز من أجهزة الحكومة، تفرض هيبتها به على العامة، وتبلغ عبره لزوم التحلي بالآداب والأخلاق الإسلامية.

وسواء كان الجهاز بمسمى الحسبة، أو الهيئة، وسواء كان القائمون عليه من طلبة العلم (المدنيين)، أو من الجند (العسكريين)، أو من كليهما، فإن ما يقرره ولي الأمر لهذا الشأن واجب القبول والتسليم، لا يقبل المساومة ولا المزايدة عليه من غير ولاة الأمر وعلماء الأمة. سددهم الله ووفقهم لرضاه

ولنأخذ شواهد شؤم المخالفة وفضل الموافقة من التاريخ الإسلامي المجيد:-
1/ شؤم المخالفة في غزوة أحد:
كان رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبقى المسلمون في المدينة، حتى إذا دخلها المشركون قاتلهم الرجال في الشوارع، ورماهم النساء بالحجارة من فوق الأسطح.
فأبى الناس إلا الخروج إليهم فوافقهم، وكان من شؤم تلك المخالفة أن كرر بعضهم المخالفة مرة أخرى، فنزل الرماة من الجبل على خلاف أمره عليه الصلاة والسلام، فأصيب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ووقع السيف في المسلمين حتى قتل منهم سبعون رجلاً.
ولم يكن ليحدث هذا لو وافق الصحابة رسول الله في الموضعين

2/ فضل الموافقة في صلح الحديبية:
في غزوة الحديبية كان جيش المسلمين ثلاثة آلاف رجل، وكانوا قادرين على هزيمة قريش بهذا العدد، وعندما طلبت قريش الصلح وافقهم رسول الله عليه الصلاة والسلام بشروطٍ من يطلع عليها يجزم خاطئاً بضعف الجيش عن ملاقاة قريش، ومع ذلك وافق عليها الحبيب الرؤوف الرحيم بأمته، ومنها: أن يعود بلا عمرة، وأن يحج من العام القادم بغير سلاح، وأن لا يقيم أكثر من عشرة أيام، ومنها: أن من جاءه مؤمناً من قريش يرده إليهم، ومن جاء قريشاً مرتداً لا يردونه إليه.
شروط لا يقبلها في الظاهر إلا من في موقف الضعف، ولذلك اعترض كبار الصحابة، وشعروا بأن الصلح تنازلاً مسيئاً، فلم يتغير موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل صاحب كتابة الصلح موافقته عليه الصلاة والسلام على محو الاستهلالة بـ/ بسم الله الرحمن الرحيم، وعلى مسح كلمة رسول الله من الوثيقة.
كل ذلك: لم يمنع رسول الله ولا صحابته من الامتثال لطاعة من أمر الله بطاعته في قوله جل ذكره {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}.
وكان الاختبار الفعلي لبنود وثيقة الصلح متجلياً في قصة الصحابي الجليل أبي بصير الثقفي، فرأت قريش أن هذا هو الامتحان الأول لتطبيق بنود الصلح، فبعثت في طلبه، فاستجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لطلبهم، وسلمهم أبا بصير وهو مؤمن، وهم كفار، ومع الجزم العقلي أنه لن يسلم منهم بغير الردة عن دينه أو القتل.
ولم ينفك رسول الله عليه الصلاة والسلام عن هذا الشرط إلا بطلب من قريش ذاتها؛ جراء ما لاقت من أبي بصير رضي الله عنه من ضرٍ، بعد أن تخلص من أسره، وأسس عصابة تقطع الطريق على قريش وقوافلها.
ولم يكن ليحدث هذا لولا فضل الموافقة لأمر ولي الأمر، بل كان من نتائج تلك الموافقة حسن العاقبة بفتح مكة سلماً، ودخول الناس في الإسلام أفواجاً، على نحوٍ لم يكن ليحدث لولا موافقة ولي الأمر.

3/ فضل الموافقة في حروب الردة:
لم يكن الصحابة على وفاق بشأن حرب المرتدين (مانعي الزكاة) من العرب بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لولا أن شرح الله صدر أبي بكر الصديق رضي الله عنه لذلك، فعزم أمره، وحسم كل نقاش حوله، وأمر بالمواجهة، مع اعتراض أكبر معاونيه وأقرب مستشاريه عمر الفاروق رضي الله عنه، الذي أشكل عليه قتال مانعي الزكاة وهم مسلمون موحدون.
حصلت المواجهة، وقضى جيش المسلمين على حركة التمرد، وتوحد المسلمون لمواجهة المهمة الكبرى؛ فتوح العراق والشام ومصر، التي مهدت لنشر الإسلام في قارات العالم سلماً وحرباً.
ولم يكن ليحصل هذا لولا موافقة المسلمون لخليفتهم فيما أمرهم به على خلاف ما يظنونه في قرارة أنفسهم.

4/ شؤم المخالفة في موقعة صفين:
استمرت المعركة تسعة أيام بين جيش الخلافة بقيادة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه وجيش معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وحصل فيها مذبحة عظيمة قوامها سبعون ألف شهيد من الجانبين.
أدرك معاوية قرب هزيمته، فلجأ إلى حيلة طلب التحكيم، فرفع جيشه المصاحف على الرماح؛ علامةً على طلب الاحتكام إلى كتاب الله.
أدرك خليفة المسلمين علي بن أبي طالب رضي الله عنه تلك الحيلة، وأدرك معها أن داعيها هو قرب الانهزام النفسي والعسكري في جيش معاوية، فأبى تلبية الطلب، وأمر جيشه بعدم الاغترار بها، فخالفوه ووافقوا على طلب التحكيم، ولم يكتفوا بمخالفة واحدة، بل خالفوا علياً رضي الله عنه في تحديد محكمهم، فاختاروا أبا موسى الأشعري عوضاً عن محكم الخليفة عبد الله بن عباس رضي الله عن الجميع.

فكان من شؤم المخالفة أن خلع الحكمان علياً رضي الله عنه، فانشق المسلمون وتفرقوا، وقتل الخليفة شهيداً في مسجده رضي الله عنه وأرضاه

إن التاريخ حافل بأحداث المخالفات المشؤمة لولاة الأمر الناصحين، وبفضائل الموافقات لأوامرهم بما حباهم الله من بعد نظر وشمول اطلاع، وبما أعطاهم الله من عموم الولاية، التي يفوضون فيها من شاؤوا، وينزعونها متى أرادوا. وفق الله الجميع لمرضاته

الفقير إلى عفو الودود ناصر بن زيد بن داود

ليست هناك تعليقات | عدد القراء : 295 | تأريخ النشر : الأربعاء 1 رجب 1438هـ الموافق 29 مارس 2017م

طباعة المقال

إرسال المقالة
بملء الفم: سمعاً وطاعة !. نعم !، سمعا وطاعة لولي أمرنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود؛ فيما يأمرنا به وينهانا عنه، في عسرنا ويسرنا، ومنشطنا ومكرهنا، وعلى أثرة علينا، لا ننازعه الأمر؛ لأنه أهله ووليه. هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا بايع الصحابة والتابعون خلفاء المسلمين في العصور المفضلة. وهكذا نحن مع ملوكنا وولاة أمرنا لا ننفك عن السمع والطاعة لهم، مقرونة بالنصح لهم وقول الحق حيثما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم. لا نخلع أبدا يدا من طاعة، ولا نعصيهم فيما لم يكن فيه كفرا بواحا عندنا من الله فيه برهان؛ كما أمرنا نبينا عليه أفضل الصلوات وأتم التسليم. لا نبتغي بذلك باطلا، ولا نجحد نعمة الله، بل نطلب طاعة الله وطاعة رسوله وولاة أمره، ونخشى من الفتن وعظائم الكروب من المخالفة، خصوصا في زمن يتخطف الناس فيه من حولنا؛ قال تعالى { أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون}. لم يكن لجهاز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجود في التاريخ الإسلامي بهذا المسمى، وكان القائم بعملها ما يسمى ذلك الوقت والي الحسبة، وكانت هيبة السلطان تحجز الناس عن المنكرات، وصلاح العلماء ينشر الفضيلة بين الناس. فلا تظهر المنكرات إلا مع ضعف السلطة، ولا تضمحل الفضائل إلا بفساد العلماء، وولاية الحسبة ما هي إلا جهاز من أجهزة الحكومة، تفرض هيبتها به على العامة، وتبلغ عبره لزوم التحلي بالآداب والأخلاق الإسلامية. وسواء كان الجهاز بمسمى الحسبة، أو الهيئة، وسواء كان القائمون عليه من طلبة العلم (المدنيين)، أو من الجند (العسكريين)، أو من كليهما، فإن ما يقرره ولي الأمر لهذا الشأن واجب القبول والتسليم، لا يقبل المساومة ولا المزايدة عليه من غير ولاة الأمر وعلماء الأمة. سددهم الله ووفقهم لرضاه ولنأخذ شواهد شؤم المخالفة وفضل الموافقة من التاريخ الإسلامي المجيد:- 1/ شؤم المخالفة في غزوة أحد: كان رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبقى المسلمون في المدينة، حتى إذا دخلها المشركون قاتلهم الرجال في الشوارع، ورماهم النساء بالحجارة من فوق الأسطح. فأبى الناس إلا الخروج إليهم فوافقهم، وكان من شؤم تلك المخالفة أن كرر بعضهم المخالفة مرة أخرى، فنزل الرماة من الجبل على خلاف أمره عليه الصلاة والسلام، فأصيب رسول الله عليه الصلاة والسلام، ووقع السيف في المسلمين حتى قتل منهم سبعون رجلا. ولم يكن ليحدث هذا لو وافق الصحابة رسول الله في الموضعين 2/ فضل الموافقة في صلح الحديبية: في غزوة الحديبية كان جيش المسلمين ثلاثة آلاف رجل، وكانوا قادرين على هزيمة قريش بهذا العدد، وعندما طلبت قريش الصلح وافقهم رسول الله عليه الصلاة والسلام بشروط من يطلع عليها يجزم خاطئا بضعف الجيش عن ملاقاة قريش، ومع ذلك وافق عليها الحبيب الرؤوف الرحيم بأمته، ومنها: أن يعود بلا عمرة، وأن يحج من العام القادم بغير سلاح، وأن لا يقيم أكثر من عشرة أيام، ومنها: أن من جاءه مؤمنا من قريش يرده إليهم، ومن جاء قريشا مرتدا لا يردونه إليه. شروط لا يقبلها في الظاهر إلا من في موقف الضعف، ولذلك اعترض كبار الصحابة، وشعروا بأن الصلح تنازلا مسيئا، فلم يتغير موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل صاحب كتابة الصلح موافقته عليه الصلاة والسلام على محو الاستهلالة بـ/ بسم الله الرحمن الرحيم، وعلى مسح كلمة رسول الله من الوثيقة. كل ذلك: لم يمنع رسول الله ولا صحابته من الامتثال لطاعة من أمر الله بطاعته في قوله جل ذكره {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}. وكان الاختبار الفعلي لبنود وثيقة الصلح متجليا في قصة الصحابي الجليل أبي بصير الثقفي، فرأت قريش أن هذا هو الامتحان الأول لتطبيق بنود الصلح، فبعثت في طلبه، فاستجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لطلبهم، وسلمهم أبا بصير وهو مؤمن، وهم كفار، ومع الجزم العقلي أنه لن يسلم منهم بغير الردة عن دينه أو القتل. ولم ينفك رسول الله عليه الصلاة والسلام عن هذا الشرط إلا بطلب من قريش ذاتها؛ جراء ما لاقت من أبي بصير رضي الله عنه من ضر، بعد أن تخلص من أسره، وأسس عصابة تقطع الطريق على قريش وقوافلها. ولم يكن ليحدث هذا لولا فضل الموافقة لأمر ولي الأمر، بل كان من نتائج تلك الموافقة حسن العاقبة بفتح مكة سلما، ودخول الناس في الإسلام أفواجا، على نحو لم يكن ليحدث لولا موافقة ولي الأمر. 3/ فضل الموافقة في حروب الردة: لم يكن الصحابة على وفاق بشأن حرب المرتدين (مانعي الزكاة) من العرب بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لولا أن شرح الله صدر أبي بكر الصديق رضي الله عنه لذلك، فعزم أمره، وحسم كل نقاش حوله، وأمر بالمواجهة، مع اعتراض أكبر معاونيه وأقرب مستشاريه عمر الفاروق رضي الله عنه، الذي أشكل عليه قتال مانعي الزكاة وهم مسلمون موحدون. حصلت المواجهة، وقضى جيش المسلمين على حركة التمرد، وتوحد المسلمون لمواجهة المهمة الكبرى؛ فتوح العراق والشام ومصر، التي مهدت لنشر الإسلام في قارات العالم سلما وحربا. ولم يكن ليحصل هذا لولا موافقة المسلمون لخليفتهم فيما أمرهم به على خلاف ما يظنونه في قرارة أنفسهم. 4/ شؤم المخالفة في موقعة صفين: استمرت المعركة تسعة أيام بين جيش الخلافة بقيادة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه وجيش معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وحصل فيها مذبحة عظيمة قوامها سبعون ألف شهيد من الجانبين. أدرك معاوية قرب هزيمته، فلجأ إلى حيلة طلب التحكيم، فرفع جيشه المصاحف على الرماح؛ علامة على طلب الاحتكام إلى كتاب الله. أدرك خليفة المسلمين علي بن أبي طالب رضي الله عنه تلك الحيلة، وأدرك معها أن داعيها هو قرب الانهزام النفسي والعسكري في جيش معاوية، فأبى تلبية الطلب، وأمر جيشه بعدم الاغترار بها، فخالفوه ووافقوا على طلب التحكيم، ولم يكتفوا بمخالفة واحدة، بل خالفوا عليا رضي الله عنه في تحديد محكمهم، فاختاروا أبا موسى الأشعري عوضا عن محكم الخليفة عبد الله بن عباس رضي الله عن الجميع. فكان من شؤم المخالفة أن خلع الحكمان عليا رضي الله عنه، فانشق المسلمون وتفرقوا، وقتل الخليفة شهيدا في مسجده رضي الله عنه وأرضاه إن التاريخ حافل بأحداث المخالفات المشؤمة لولاة الأمر الناصحين، وبفضائل الموافقات لأوامرهم بما حباهم الله من بعد نظر وشمول اطلاع، وبما أعطاهم الله من عموم الولاية، التي يفوضون فيها من شاؤوا، وينزعونها متى أرادوا. وفق الله الجميع لمرضاته
التعليقات متاحة للزوار التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع