نشرت في صحيفة الإقتصادية العدد 4724

نظاميات يطلق لفظ ( العامة ) ويراد به : من يتعلق أمرهم بغيرهم ، ويطلق لفظ ( الخاصة ) ويراد به : من يتعلق أمر غيرهم بهم . ويبقى لفظ ( العامة ) خاصاً بأفراد الرعية بالنظر إلى من فوقهم من الولاة ، الذين يشتركون مع من دونهم في وصف ( العامة ) عند النظر إلى من فوقهم ، وهكذا حتى يستقر الأمر للقائد العام ؛ سواءٌ للدولة أو للطائفة .

والقيادة بجميع طبقاتها لا يمكن للمتصف بها القيام بوظائفها ، ولا بحاجاته المعينة على أداء مهامها ، ولا بأمور من تحت قيادته إلا بأعوانٍ يقومون بما يوكله القائد إليهم من أمر العامة ، وهنا تتجلى إرادة الله جل جلاله في التوفيق لاختيار أخلص الأتباع وأصلح الأعوان ؛ قال صلى الله عليه وسلم ( إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِالأَمِيرِ خَيْرًا جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ ؛ إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ ، وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ سُوءٍ ؛ إِنْ نَسِيَ لَمْ يُذَكِّرْهُ ، وَإِنْ ذَكَرَ لَمْ يُعِنْهُ ) .

فالصدق أمانة ، والتذكير والإعانة قوة ، وهما عماد التابع والمعين والأجير ونحوهم ؛ قال تعالى ( إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ ) .
والقوة والأمانة قد تجتمعان ، وقد تتخلفان ، وقد يحصل أحدهما دون الآخر ؛ في أحوالٍ أربعة :

الأولى : اجتماعهما في شخصٍ واحد ؛ وذلك خير لمن اجتمعتا فيه ، ولمن يستعين به ، وللعمل المستعان به عليه ، وللمقصود بذلك العمل من الناس .

الحال الثانية : تخلفهما في شخصٍ واحد ؛ وذلك شرٌ على من افتقدهما ، وعلى من استعان به ، وعلى العمل الموكول إليه ، وعلى الناس ؛ قال تعالى ( وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) .

الثالثة : وجود القوة وتخلف الأمانة ، وتلك مع كونها مصيبة ؛ إلا أن ذلك لا يمنع من الاستفادة من القوي بما لا يعود بالضرر على صاحب العمل ، ولا على عمله ، ولا على الناس ؛ وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : اللهم أشكو إليك جلد الفاجر ، وعجز الثقة .

الرابعة : وجود الأمانة وتخلف القوة ، وهي صفة الكثير من الصالحين عبر القرون ممن تعتريهم الغفلة ؛ قال الإمام أبو أيوب السختياني رضي الله عنه : في أصحابي من أرجو بركته ودعاءه ، ولا أقبل شهادته .

ولهذا يجب على كل ولي أمرٍ أن يستعين بأهل الصدق والعدل ، وإذا تعذر ذلك عليه استعان بالأمثل فالأمثل ، وإن كان فيه خللٌ أو نقص , فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ، وسيؤيده بأقوامٍ لا خلاق لهم ؛ كما جاء في الحديث الشريف .

والغالب أنه لا يوجد شخصٌ كامل ، وأنَّ اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل ، حينئذٍ يجب فعل خير الخيرين ودفع شر الشرين .

فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والأخر أعظم قوة : قدم أنفعهما لتلك الولاية ، وأقلهما ضرراً فيها ؛ فيقدم في إمارة الجيش الرجل القوي الشجاع - وإن كان فيه فجور - على الرجل الضعيف العاجز ، وإن كان أميناً .

ويقدَّم في حفظ الأموال ونحوها الرجل التقي الأمين - وإن كان فيه ضعف - على من به فجور ، وإن كان قوياً . وكذا : يقدم في كل ولاية الأصلح بحسبها .

وإذا لم تتم المصلحة برجلٍ واحدٍ جمع بين اثنين أو أكثر في الولاية الواحدة يكمل بعضهم بعضاً ؛ فيولى القوي فيما هو فيه قوي ، ويجعل الآخر على ما بقي من أمر الولاية ، أو يجعل عليه رقيبٌ ؛ كما أثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أنكر عليه حذيفة رضي الله عنه بقوله : إنك تستعين بالرجل الفاجر ؟! . فقال له عمر : إني لأستعمله لأستعين بقوته ، ثم أكون على قفائه . أي : أراقبه من حيث لا يشعر .

والقوة في القاضي هي : العلم بما يحقق العدل مما دل عليه الكتاب والسنة ، والأمانة فيه : أن يقضي بذلك بين الناس ابتغاء وجه الله لا يخاف لومة لائم ؛ قال صلى الله عليه وسلم ( القضاة ثلاثة : قاضيان في النار ، وقاض في الجنة ؛ فرجل علم الحق وقضى بخلافه : فهو في النار ، ورجل قضى بين الناس على جهل : فهو في النار ، ورجل علم الحق وقضى به : فهو في الجنة ) .

ولا يعني تنصيب القوي الأمين - عند وجوده ، أو عند اعتقاد كونه كذلك - أن يترك حبله على غاربه ، بل لابد من الرقابة على ما يفعل ؛ بحيث لا يتجاوز إلى فعل ما ليس إليه ، ولا يقصر عن فعل ما يجب عليه .

روي عن الخليفة العباسي أبي جعفرٍ المنصور رحمه الله أنه قال : ما كان أحوجني إلى أن يكون على بابي أربعة نفر ؛ لا يكون على بابي أعفَّ منهم . قيل له : يا أمير المؤمنين ! من هم ؟ . قال : هم أركانُ الملك ، ولا يصلح الملك إلا بِهِم ؛ كما أنَّ السريرَ لا يصلح إلا بأربعِ قوائم ، إن نقصت قائمةٌ واحدةٌ فقد وَهَى ؛ أما أحدهم : فقاضٍ ؛ لا تأخذه في الله لومة لائم ، والآخر : صاحبُ شرطةٍ ؛ ينصف الضعيف من القوي ، والثالث : صاحبُ خراجٍ ؛ يستقصي ولا يظلم الرعية ؛ فإني عن ظلمها غني ، والرابع : ثم عضَّ على أصبعه السبابة ثلاث مراتٍ ؛ يقول في كل مرةٍ : آهٍ آه . قيل له : ومن هو ؟ يا أمير المؤمنين ! . قال : صاحبُ بريدٍ ؛ يكتب بخبر هؤلاء على الصِّحَّة .
أي : رقيبٌ عليهم ؛ يرفع إليه من أخبارهم ما يمكن أن يكونوا قد نقلوه إلى الخليفة على غير وجهه ، وهو ما يسمى اليوم : بأجهزة الرقابة والمتابعة ؛ الظاهر منها والسري .

والحزم الذي هو : النظر في الأمور قبل نزولها ، وتوقي المهالك قبل الوقوع فيها ، وتدبير الأمور على أحسن ما تكون من وجوهها . منه : أن يحتاط ولي الأمر لأمر العامة بالاحتراز من جميع ولاته بسوء الظن ؛ فإنَّ الثقة المطلقة عجز ، والاحتياط من الوقوع في الظلم حزم .

وكل هذا كما هو المطلوب الأسمى من القائد العام فهو مطلوب من كل قائد ومسؤول ممن هم دونه .

الفقير إلى عفو الودود ناصر بن زيد بن داود

ليست هناك تعليقات | عدد القراء : 2434 | تأريخ النشر : الأحد 24 شعبان 1427هـ الموافق 17 سبتمبر 2006م

طباعة المقال

إرسال المقالة
رقابة القائد على أعوانه يطلق لفظ ( العامة ) ويراد به : من يتعلق أمرهم بغيرهم ، ويطلق لفظ ( الخاصة ) ويراد به : من يتعلق أمر غيرهم بهم . ويبقى لفظ ( العامة ) خاصا بأفراد الرعية بالنظر إلى من فوقهم من الولاة ، الذين يشتركون مع من دونهم في وصف ( العامة ) عند النظر إلى من فوقهم ، وهكذا حتى يستقر الأمر للقائد العام ؛ سواء للدولة أو للطائفة . والقيادة بجميع طبقاتها لا يمكن للمتصف بها القيام بوظائفها ، ولا بحاجاته المعينة على أداء مهامها ، ولا بأمور من تحت قيادته إلا بأعوان يقومون بما يوكله القائد إليهم من أمر العامة ، وهنا تتجلى إرادة الله جل جلاله في التوفيق لاختيار أخلص الأتباع وأصلح الأعوان ؛ قال صلى الله عليه وسلم ( إذا أراد الله بالأمير خيرا جعل له وزير صدق ؛ إن نسي ذكره ، وإن ذكر أعانه ، وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء ؛ إن نسي لم يذكره ، وإن ذكر لم يعنه ) . فالصدق أمانة ، والتذكير والإعانة قوة ، وهما عماد التابع والمعين والأجير ونحوهم ؛ قال تعالى ( إن خير من استأجرت القوي الأمين ) . والقوة والأمانة قد تجتمعان ، وقد تتخلفان ، وقد يحصل أحدهما دون الآخر ؛ في أحوال أربعة : الأولى : اجتماعهما في شخص واحد ؛ وذلك خير لمن اجتمعتا فيه ، ولمن يستعين به ، وللعمل المستعان به عليه ، وللمقصود بذلك العمل من الناس . الحال الثانية : تخلفهما في شخص واحد ؛ وذلك شر على من افتقدهما ، وعلى من استعان به ، وعلى العمل الموكول إليه ، وعلى الناس ؛ قال تعالى ( وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ) . الثالثة : وجود القوة وتخلف الأمانة ، وتلك مع كونها مصيبة ؛ إلا أن ذلك لا يمنع من الاستفادة من القوي بما لا يعود بالضرر على صاحب العمل ، ولا على عمله ، ولا على الناس ؛ وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول : اللهم أشكو إليك جلد الفاجر ، وعجز الثقة . الرابعة : وجود الأمانة وتخلف القوة ، وهي صفة الكثير من الصالحين عبر القرون ممن تعتريهم الغفلة ؛ قال الإمام أبو أيوب السختياني رضي الله عنه : في أصحابي من أرجو بركته ودعاءه ، ولا أقبل شهادته . ولهذا يجب على كل ولي أمر أن يستعين بأهل الصدق والعدل ، وإذا تعذر ذلك عليه استعان بالأمثل فالأمثل ، وإن كان فيه خلل أو نقص , فإن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ، وسيؤيده بأقوام لا خلاق لهم ؛ كما جاء في الحديث الشريف . والغالب أنه لا يوجد شخص كامل ، وأن اجتماع القوة والأمانة في الناس قليل ، حينئذ يجب فعل خير الخيرين ودفع شر الشرين . فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة والأخر أعظم قوة : قدم أنفعهما لتلك الولاية ، وأقلهما ضررا فيها ؛ فيقدم في إمارة الجيش الرجل القوي الشجاع - وإن كان فيه فجور - على الرجل الضعيف العاجز ، وإن كان أمينا . ويقدم في حفظ الأموال ونحوها الرجل التقي الأمين - وإن كان فيه ضعف - على من به فجور ، وإن كان قويا . وكذا : يقدم في كل ولاية الأصلح بحسبها . وإذا لم تتم المصلحة برجل واحد جمع بين اثنين أو أكثر في الولاية الواحدة يكمل بعضهم بعضا ؛ فيولى القوي فيما هو فيه قوي ، ويجعل الآخر على ما بقي من أمر الولاية ، أو يجعل عليه رقيب ؛ كما أثر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أنكر عليه حذيفة رضي الله عنه بقوله : إنك تستعين بالرجل الفاجر ؟! . فقال له عمر : إني لأستعمله لأستعين بقوته ، ثم أكون على قفائه . أي : أراقبه من حيث لا يشعر . والقوة في القاضي هي : العلم بما يحقق العدل مما دل عليه الكتاب والسنة ، والأمانة فيه : أن يقضي بذلك بين الناس ابتغاء وجه الله لا يخاف لومة لائم ؛ قال صلى الله عليه وسلم ( القضاة ثلاثة : قاضيان في النار ، وقاض في الجنة ؛ فرجل علم الحق وقضى بخلافه : فهو في النار ، ورجل قضى بين الناس على جهل : فهو في النار ، ورجل علم الحق وقضى به : فهو في الجنة ) . ولا يعني تنصيب القوي الأمين - عند وجوده ، أو عند اعتقاد كونه كذلك - أن يترك حبله على غاربه ، بل لابد من الرقابة على ما يفعل ؛ بحيث لا يتجاوز إلى فعل ما ليس إليه ، ولا يقصر عن فعل ما يجب عليه . روي عن الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور رحمه الله أنه قال : ما كان أحوجني إلى أن يكون على بابي أربعة نفر ؛ لا يكون على بابي أعف منهم . قيل له : يا أمير المؤمنين ! من هم ؟ . قال : هم أركان الملك ، ولا يصلح الملك إلا بهم ؛ كما أن السرير لا يصلح إلا بأربع قوائم ، إن نقصت قائمة واحدة فقد وهى ؛ أما أحدهم : فقاض ؛ لا تأخذه في الله لومة لائم ، والآخر : صاحب شرطة ؛ ينصف الضعيف من القوي ، والثالث : صاحب خراج ؛ يستقصي ولا يظلم الرعية ؛ فإني عن ظلمها غني ، والرابع : ثم عض على أصبعه السبابة ثلاث مرات ؛ يقول في كل مرة : آه آه . قيل له : ومن هو ؟ يا أمير المؤمنين ! . قال : صاحب بريد ؛ يكتب بخبر هؤلاء على الصحة . أي : رقيب عليهم ؛ يرفع إليه من أخبارهم ما يمكن أن يكونوا قد نقلوه إلى الخليفة على غير وجهه ، وهو ما يسمى اليوم : بأجهزة الرقابة والمتابعة ؛ الظاهر منها والسري . والحزم الذي هو : النظر في الأمور قبل نزولها ، وتوقي المهالك قبل الوقوع فيها ، وتدبير الأمور على أحسن ما تكون من وجوهها . منه : أن يحتاط ولي الأمر لأمر العامة بالاحتراز من جميع ولاته بسوء الظن ؛ فإن الثقة المطلقة عجز ، والاحتياط من الوقوع في الظلم حزم . وكل هذا كما هو المطلوب الأسمى من القائد العام فهو مطلوب من كل قائد ومسؤول ممن هم دونه .
التعليقات متاحة للزوار التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع