نشرت في صحيفة الإقتصادية العدد 4836

نظاميات في الحلقة الأولى تعرضنا لأربعٍ من آليات تطوير العمل القضائي هي : اللقاءات القضائية الرسمية ، البحوث والدراسات ، التفاعل الفوري مع الشكاوى المعلنة والنقد ، الحضور الإعلامي القضائي ؛ ونواصل حديثنا اليوم في استعراض ثلاثٍ من آليات تطوير العمل القضائي المطلوبة .

الآلية الخامسة : الزيارات الداخلية بين القضاة .

لبثت في العمل القضائي - حتى الآن - أكثر من تسعةٍ وعشرين عاماً ، عملت خلالها في أربعٍ من المحاكم العامة بصفةٍ أصلية ، وفي محاكم الرياض الثلاث عن طريق الندب ، كما زرت عدداً من محاكم المملكة اطلعت خلالها على أنواعٍ كثيرةٍ من القضايا ، ووقفت على طرقٍ شتى من الإجراءات التي ينتهجها قضاة تلك النواحي لإنجاز قضاياهم في ظل غياب القانون الإجرائي الموحَّد ذلك الوقت ، فاستفدت الكثير من أولئك الزملاء ، وشاركتهم الرأي فيما أعلم مما تباحثنا فيه من أمور القضاء .

وقد أدرك القضاة - جميعهم - أهمية هذه اللقاءات ، فتعارفوا على الترتيب فيما بينهم أو برعاية أحدهم ؛ ليجتمعوا مرة كل أسبوعٍ أو أكثر ؛ يتذاكرون قضاياهم ، ويتباحثون مشكلاتهم ، ويستنبطون الحلول ، ويديرون الرأي حولها ، فيدلي هذا برأيٍ مجرد ، وذاك بنقلٍ موثق ، وآخر بتجربةٍ سابقة ، ويفترقون وهم توَّاقون لِلِّقاء القادم .

ولو علمت جهة الاختصاص بأهمية هذه اللقاءات والزيارات الداخلية بين القضاة لسارعت إلى ترتيبها ورعايتها والإنفاق عليها والإلزام بها ؛ فهي من أفضل سبل تطوير العمل القضائي .

والطريقة المقترحة : أن يحدَّدَ زيارةٌ شهرية إلى إحدى مناطق المملكة الثلاث عشرة ؛ بحيث يستقبل نصف قضاة المنطقة الواحدة ضيوفهم من المنطقة الأخرى ، في حين يغادر النصف الآخر لزيارة باقي قضاة المنطقة الضيف ، وهكذا حتى يتمكن كل قاضٍ من الالتقاء بكافة قضاة المملكة في سنتين فقط .

وزمن الزيارة : عطلة أحد الأسابيع الأربعة من كل شهر ؛ حتى لا يتسبب ذلك في تعطيل الأعمال .

وبرنامج الرحلة : يكون باقةً من الاجتماعات المغلقة بين القضاة أنفسهم ، والمفتوحة بمشاركة الجهة الإدارية ورؤساء الدوائر ذات العلاقة وعلماء البلد المضيف ؛ علاوة على النزهات الترفيهية والترويحية والاستطلاعية .

المتطلبات النهائية : يقدم كلٌ من رئيس الوفد الضيف والمستضيف تقريراً وافياً عن الرحلة ، ورؤية كلٍ منهما تجاه مشاهداتهما ما عليه الفريق الآخر ، وما يريانه من لوازم تطوير العمل القضائي ؛ سواءٌ : مما استفاداه أثناء الزيارة ، أو مما وقفا على حاجة الطرف المقابل إليه .

كما يحرر كل عضوٍ مشاركٍ استبانةً معدودةً سلفاً ؛ يذكر فيه أبرز ما لحظه في اللقاء القضائي ، مع الإسهام برأيه في ما يحقق تطوير آلية اللقاءات القادمة .

ولابد أن يخصص دائرةٌ لدراسة التقارير والاستبانات ، ولها حق الاتصال بمعديها والاستفصال منهم عما يرونه لازماً لتطوير آلية اللقاءات القضائية ، ومن ثَمَّ تعمل تلك الدائرة على استنباط الفوائد وتعميمها ، واستخراج السلبيات وتلافيها ، وطرح النتائج للاطلاع عليها عبر الموقع الإلكتروني للوزارة الموقرة ، وتلقِّي ما يُورد على أيٍ منها من أصحاب الشأن من المحامين والمستشارين وأرباب المصالح .

إنَّ هذه الزيارات وما يثمر عنها سوف تجعل كل قاضٍ على علمٍ كاملٍ بأحوال القضاء في جميع المناطق خلال عامين فقط ؛ مما يثري معارفه ، وينمي مداركه ، ويزيد من علمه وفهمه على نحوٍ أفضل وأعمَّ وأشمل مما تلقاه في سنوات تدريبه .

الآلية السادسة : الاحتكاك الخارجي .

في عام 1404هـ قضى الله لي أن أزور دار القضاء الشرعي في مدينة ( أبو ظبي ) ، والمحكمة الشرعية في دوحة قطر ، وفي عام 1422هـ حضرت مؤتمراً دولياً في محكمة العدل الدولية بمدينة ( لاهاي ) من مملكة هولندا ، وفي عام 1423هـ زرت - رسمياً - محكمة الأحوال الشخصية بمدينة ( دبي ) ، والمحكمة الدستورية بمدينة ( القاهرة ) ، وفي عام 1425هـ اضطررت إلى دخول المحكمة الابتدائية بمدينة ( أوكسفورد ) من مملكة بريطانيا ، من كل هذه الزيارات رأيت ما يمكن أن نستفيد منه في عملنا القضائي ؛ سواءٌ : في الإجراءات ، أو في التنظيم ، أو من حيث تصميم مباني المحاكم والمكاتب القضائية ونحوها .

ولأنَّ الدول العربية والإسلامية تنعم بقضاءٍ تتميز به كل دولةٍ عن الأخرى ، فمن الملائم الإحاطة بتلك الميزات وجلبها وتطبيقها في سبيل تطوير العمل القضائي السعودي ؛ خصوصاً بعد انفتاح المملكة على العالم الخارجي في المجال الاقتصادي ، ومع توافد الاستثمارات العالمية المتعاقبة على هذه البلاد المباركة ؛ الأمر الذي يجعل تواصل جهات التقاضي مع مثيلاتها في العالم مطلباً هاماً وعاملاً من عوامل المواكبة والتطور .

وإن كانت وزارة العدل قد رتبت أمور استقبال الوفود القضائية من بعض الدول الشقيقة والصديقة إلى المملكة ، ووضعت البرامج اللازمة لاكتمال استفادتهم مما جاؤوا من أجله ، إلا أنَّ الحاجة ماسةٌ لإيفاد نخبةٍ من قضاة المملكة إلى أبرز الدول العربية والإسلامية والعالمية في سبيل نقل خبرات تلك الدول في التنظيم والإجراءات ، والتعريف بالنظام القضائي السعودي ، وكشف مزايا تحكيم الشريعة الإسلامية في جميع جوانب الحياة العامة والخاصة في بلادنا العزيزة .

الآلية السابعة : برامج التدريب .

لاشك أنَّ الأعمال تتجدد والأحداث تتعدد ، ولا يمكن معالجة الحادث الجديد بإجراءٍ قديم ، كما لا يمكن تثبيت أوضاع الناس على حالٍ واحدة أو أحوالٍ محددة .

ولذلك فإنَّ من اللازم : سبر كلِّ جديدٍ من تعاملات الناس ، ووضع الحلول المناسبة لها وطرق حسمها قبل استفحال مشكلاتها ؛ توحيداً للإجراء في كافة المحاكم ، وتعريفاً بها لجميع المهتمين من ذوي الاختصاص .

وسبيل ذلك : برامج التدريب ودورات التطبيق وجلسات العمل المشترك وحلقات النقاش ؛ التي تنظمها الوزارة إدارياً ومالياً ، ويشرف عليها مهنياً المجلس الأعلى للقضاء .

وقد أحسن ديوان المظالم الموقر في انتهاجه سبيل التطوير بهذه الآلية منذ ثلاث سنوات ؛ في قفزةٍ جبارةٍ منه في المظهر العام ، ونقلةٍ مشرفةٍ وخطواتٍ واثقةٍ في المضمون تستحق التقدير والإشادة بالقائمين على تلك التطورات الواعدة .

ولا أبوح بِسِرٍ إن قلت : أنني لم أتلق خلال عملي في القضاء ولا دورة تدريبية واحدة بصفة رسمية ، وأنَّ كل الدورات التي تلقيتها في مجال الإدارة والتحليل والتخطيط والحاسوب كانت بجهدٍ وتمويلٍ ذاتي .
ومن الغريب : أنك تجد رؤساء وقضاة المحاكم يختارون من بين موظفيهم من يصلح للالتحاق بدورات معهد الإدارة العامة بحسب طلب الوزارة الموقرة ؛ في الوقت الذي أولئك القضاة - وأنا أحدهم - أولى بأن يخضعوا لكثيرٍ منها .

وليس المطلوب لتحقق هذه الآلية انتقاء مجموعة من القضاة للاجتماع بخبيرٍ في غسيل الأموال ، أو للتعريف بأنواع المخدرات ، أو لاستماع المحاضرات التقليدية حول أهمية القضاء ، أو التعريف بالدعوى وأطرافها ، أو أحكام الشهادة ونحو ذلك فقط ؛ فذلك إما : تكريرٌ لمعلوماتٍ مفترضٍ الإلمام بها ، أو : مما يمكن القاضي الإحاطةَ بما يحتاجه منها في كتابٍ أو بحثٍ يطلع عليه وقت فراغه .

إنَّ المطلوب هو : إحداث دوراتٍ للبحث في جزئياتٍ تتفاوت فيها أفهام القضاة ؛ مما تلحظ جهات التدقيق اختلاف وجهات النظر بين القضاة بشأنها ، أو مما يشكو الناس والمحامون من تضارب الأحكام فيه من محكمةٍ لأخرى .

وكذا : عقد حلقات النقاش بشأن الأنظمة واللوائح والتعليمات ؛ لحصر أوجه الإشكال ، ومواطن الغموض ، ومواضع اللبس فيها ، وتفسيرها ، وتجليتها ، وتضمينها ما يناسبها من إصدارات الوزارة الموقرة .

وما لا يمكن إيضاحه وبيان المراد منه بما تعممه الوزارة من تعليمات فتعقد له برامج التدريب تحت إشراف خبراء في ذات المجال موضع البحث ؛ سواءٌ : من داخل الوزارة ، أو خارجها .

إن آليات تطوير العمل القضائي المطلوبة تعمل على تفكيك ملكات الاستيعاب الضامرة ، وتحرير مكامن الإبداع من الانعزالية والتقوقع على الذات ، كما تنزع عصائب النرجسية عن عيون ذوي الفطر السليمة ، وتنير السبيل نحو الحقيقة المغَيَّبَة ؛ التي هي : أننا من ( خير أمةٍ أخرجت للناس ) ، ولسنا خير الأمة على الإطلاق ؛ فالخيرية المطلقة إنما هي لأمة محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الأمم ، ونحن نرجوها ولا ندعيها على سائر الأمة . والله الموفق .

الفقير إلى عفو الودود ناصر بن زيد بن داود

ليست هناك تعليقات | عدد القراء : 2637 | تأريخ النشر : الأحد 18 ذو الحجة 1427هـ الموافق 7 يناير 2007م

طباعة المقال

إرسال المقالة
آليات تطوير العمل القضائي 2-5 في الحلقة الأولى تعرضنا لأربع من آليات تطوير العمل القضائي هي : اللقاءات القضائية الرسمية ، البحوث والدراسات ، التفاعل الفوري مع الشكاوى المعلنة والنقد ، الحضور الإعلامي القضائي ؛ ونواصل حديثنا اليوم في استعراض ثلاث من آليات تطوير العمل القضائي المطلوبة . الآلية الخامسة : الزيارات الداخلية بين القضاة . لبثت في العمل القضائي - حتى الآن - أكثر من تسعة وعشرين عاما ، عملت خلالها في أربع من المحاكم العامة بصفة أصلية ، وفي محاكم الرياض الثلاث عن طريق الندب ، كما زرت عددا من محاكم المملكة اطلعت خلالها على أنواع كثيرة من القضايا ، ووقفت على طرق شتى من الإجراءات التي ينتهجها قضاة تلك النواحي لإنجاز قضاياهم في ظل غياب القانون الإجرائي الموحد ذلك الوقت ، فاستفدت الكثير من أولئك الزملاء ، وشاركتهم الرأي فيما أعلم مما تباحثنا فيه من أمور القضاء . وقد أدرك القضاة - جميعهم - أهمية هذه اللقاءات ، فتعارفوا على الترتيب فيما بينهم أو برعاية أحدهم ؛ ليجتمعوا مرة كل أسبوع أو أكثر ؛ يتذاكرون قضاياهم ، ويتباحثون مشكلاتهم ، ويستنبطون الحلول ، ويديرون الرأي حولها ، فيدلي هذا برأي مجرد ، وذاك بنقل موثق ، وآخر بتجربة سابقة ، ويفترقون وهم تواقون للقاء القادم . ولو علمت جهة الاختصاص بأهمية هذه اللقاءات والزيارات الداخلية بين القضاة لسارعت إلى ترتيبها ورعايتها والإنفاق عليها والإلزام بها ؛ فهي من أفضل سبل تطوير العمل القضائي . والطريقة المقترحة : أن يحدد زيارة شهرية إلى إحدى مناطق المملكة الثلاث عشرة ؛ بحيث يستقبل نصف قضاة المنطقة الواحدة ضيوفهم من المنطقة الأخرى ، في حين يغادر النصف الآخر لزيارة باقي قضاة المنطقة الضيف ، وهكذا حتى يتمكن كل قاض من الالتقاء بكافة قضاة المملكة في سنتين فقط . وزمن الزيارة : عطلة أحد الأسابيع الأربعة من كل شهر ؛ حتى لا يتسبب ذلك في تعطيل الأعمال . وبرنامج الرحلة : يكون باقة من الاجتماعات المغلقة بين القضاة أنفسهم ، والمفتوحة بمشاركة الجهة الإدارية ورؤساء الدوائر ذات العلاقة وعلماء البلد المضيف ؛ علاوة على النزهات الترفيهية والترويحية والاستطلاعية . المتطلبات النهائية : يقدم كل من رئيس الوفد الضيف والمستضيف تقريرا وافيا عن الرحلة ، ورؤية كل منهما تجاه مشاهداتهما ما عليه الفريق الآخر ، وما يريانه من لوازم تطوير العمل القضائي ؛ سواء : مما استفاداه أثناء الزيارة ، أو مما وقفا على حاجة الطرف المقابل إليه . كما يحرر كل عضو مشارك استبانة معدودة سلفا ؛ يذكر فيه أبرز ما لحظه في اللقاء القضائي ، مع الإسهام برأيه في ما يحقق تطوير آلية اللقاءات القادمة . ولابد أن يخصص دائرة لدراسة التقارير والاستبانات ، ولها حق الاتصال بمعديها والاستفصال منهم عما يرونه لازما لتطوير آلية اللقاءات القضائية ، ومن ثم تعمل تلك الدائرة على استنباط الفوائد وتعميمها ، واستخراج السلبيات وتلافيها ، وطرح النتائج للاطلاع عليها عبر الموقع الإلكتروني للوزارة الموقرة ، وتلقي ما يورد على أي منها من أصحاب الشأن من المحامين والمستشارين وأرباب المصالح . إن هذه الزيارات وما يثمر عنها سوف تجعل كل قاض على علم كامل بأحوال القضاء في جميع المناطق خلال عامين فقط ؛ مما يثري معارفه ، وينمي مداركه ، ويزيد من علمه وفهمه على نحو أفضل وأعم وأشمل مما تلقاه في سنوات تدريبه . الآلية السادسة : الاحتكاك الخارجي . في عام 1404هـ قضى الله لي أن أزور دار القضاء الشرعي في مدينة ( أبو ظبي ) ، والمحكمة الشرعية في دوحة قطر ، وفي عام 1422هـ حضرت مؤتمرا دوليا في محكمة العدل الدولية بمدينة ( لاهاي ) من مملكة هولندا ، وفي عام 1423هـ زرت - رسميا - محكمة الأحوال الشخصية بمدينة ( دبي ) ، والمحكمة الدستورية بمدينة ( القاهرة ) ، وفي عام 1425هـ اضطررت إلى دخول المحكمة الابتدائية بمدينة ( أوكسفورد ) من مملكة بريطانيا ، من كل هذه الزيارات رأيت ما يمكن أن نستفيد منه في عملنا القضائي ؛ سواء : في الإجراءات ، أو في التنظيم ، أو من حيث تصميم مباني المحاكم والمكاتب القضائية ونحوها . ولأن الدول العربية والإسلامية تنعم بقضاء تتميز به كل دولة عن الأخرى ، فمن الملائم الإحاطة بتلك الميزات وجلبها وتطبيقها في سبيل تطوير العمل القضائي السعودي ؛ خصوصا بعد انفتاح المملكة على العالم الخارجي في المجال الاقتصادي ، ومع توافد الاستثمارات العالمية المتعاقبة على هذه البلاد المباركة ؛ الأمر الذي يجعل تواصل جهات التقاضي مع مثيلاتها في العالم مطلبا هاما وعاملا من عوامل المواكبة والتطور . وإن كانت وزارة العدل قد رتبت أمور استقبال الوفود القضائية من بعض الدول الشقيقة والصديقة إلى المملكة ، ووضعت البرامج اللازمة لاكتمال استفادتهم مما جاؤوا من أجله ، إلا أن الحاجة ماسة لإيفاد نخبة من قضاة المملكة إلى أبرز الدول العربية والإسلامية والعالمية في سبيل نقل خبرات تلك الدول في التنظيم والإجراءات ، والتعريف بالنظام القضائي السعودي ، وكشف مزايا تحكيم الشريعة الإسلامية في جميع جوانب الحياة العامة والخاصة في بلادنا العزيزة . الآلية السابعة : برامج التدريب . لاشك أن الأعمال تتجدد والأحداث تتعدد ، ولا يمكن معالجة الحادث الجديد بإجراء قديم ، كما لا يمكن تثبيت أوضاع الناس على حال واحدة أو أحوال محددة . ولذلك فإن من اللازم : سبر كل جديد من تعاملات الناس ، ووضع الحلول المناسبة لها وطرق حسمها قبل استفحال مشكلاتها ؛ توحيدا للإجراء في كافة المحاكم ، وتعريفا بها لجميع المهتمين من ذوي الاختصاص . وسبيل ذلك : برامج التدريب ودورات التطبيق وجلسات العمل المشترك وحلقات النقاش ؛ التي تنظمها الوزارة إداريا وماليا ، ويشرف عليها مهنيا المجلس الأعلى للقضاء . وقد أحسن ديوان المظالم الموقر في انتهاجه سبيل التطوير بهذه الآلية منذ ثلاث سنوات ؛ في قفزة جبارة منه في المظهر العام ، ونقلة مشرفة وخطوات واثقة في المضمون تستحق التقدير والإشادة بالقائمين على تلك التطورات الواعدة . ولا أبوح بسر إن قلت : أنني لم أتلق خلال عملي في القضاء ولا دورة تدريبية واحدة بصفة رسمية ، وأن كل الدورات التي تلقيتها في مجال الإدارة والتحليل والتخطيط والحاسوب كانت بجهد وتمويل ذاتي . ومن الغريب : أنك تجد رؤساء وقضاة المحاكم يختارون من بين موظفيهم من يصلح للالتحاق بدورات معهد الإدارة العامة بحسب طلب الوزارة الموقرة ؛ في الوقت الذي أولئك القضاة - وأنا أحدهم - أولى بأن يخضعوا لكثير منها . وليس المطلوب لتحقق هذه الآلية انتقاء مجموعة من القضاة للاجتماع بخبير في غسيل الأموال ، أو للتعريف بأنواع المخدرات ، أو لاستماع المحاضرات التقليدية حول أهمية القضاء ، أو التعريف بالدعوى وأطرافها ، أو أحكام الشهادة ونحو ذلك فقط ؛ فذلك إما : تكرير لمعلومات مفترض الإلمام بها ، أو : مما يمكن القاضي الإحاطة بما يحتاجه منها في كتاب أو بحث يطلع عليه وقت فراغه . إن المطلوب هو : إحداث دورات للبحث في جزئيات تتفاوت فيها أفهام القضاة ؛ مما تلحظ جهات التدقيق اختلاف وجهات النظر بين القضاة بشأنها ، أو مما يشكو الناس والمحامون من تضارب الأحكام فيه من محكمة لأخرى . وكذا : عقد حلقات النقاش بشأن الأنظمة واللوائح والتعليمات ؛ لحصر أوجه الإشكال ، ومواطن الغموض ، ومواضع اللبس فيها ، وتفسيرها ، وتجليتها ، وتضمينها ما يناسبها من إصدارات الوزارة الموقرة . وما لا يمكن إيضاحه وبيان المراد منه بما تعممه الوزارة من تعليمات فتعقد له برامج التدريب تحت إشراف خبراء في ذات المجال موضع البحث ؛ سواء : من داخل الوزارة ، أو خارجها . إن آليات تطوير العمل القضائي المطلوبة تعمل على تفكيك ملكات الاستيعاب الضامرة ، وتحرير مكامن الإبداع من الانعزالية والتقوقع على الذات ، كما تنزع عصائب النرجسية عن عيون ذوي الفطر السليمة ، وتنير السبيل نحو الحقيقة المغيبة ؛ التي هي : أننا من ( خير أمة أخرجت للناس ) ، ولسنا خير الأمة على الإطلاق ؛ فالخيرية المطلقة إنما هي لأمة محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الأمم ، ونحن نرجوها ولا ندعيها على سائر الأمة . والله الموفق .
التعليقات متاحة للزوار التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع