نشرت في صحيفة الإقتصادية العدد 4879

نظاميات تحدثت في الحلقات الثلاث الماضية عن ثمانٍ من آليات تطوير العمل القضائي ؛ وهي على التوالي : اللقاءات القضائية الرسمية ، البحوث والدراسات ، التفاعل الفوري مع الشكاوى المعلنة والنقد ، الحضور الإعلامي القضائي ، الزيارات الداخلية ، الاحتكاك الخارجي ، برامج التدريب ، منهجية التقييم .

وسيكون الحديث في هذه الحلقة عن آلية : أسس اختيار القضاة .
مع الاعتذار عن أمرين :
الأول/ الانقطاع الطارئ لظروفٍ صحية ،
والثاني/ زيادة عدد حلقات الموضوع بعد توجيه الصحيفة الموقرة بالالتزام بقدرٍ محدود من كلمات المقالة هو أقل بكثيرٍ من المشاركات السابقة .

الآلية التاسعة : أسس الاختيار .

إنَّ اختيار القاضي - في جميع دول العالم - يقوم على أسسٍ ثابتة ؛ تتمحور كلها على قواعد المصلحة العامة ، مع إتاحة الفرصة لجميع فئات المواطنين لخدمة بلادهم في أيِّ مجالٍ يحسنون الإسهام فيه ؛ دون إيثارٍ لفئةٍ ، ولا استئثارٍ على أخرى .

فالاعتبار في سائر المجتمعات العادلة للكفاءة والجدارة ، وليست للعرق ، ولا للجنس ، ولا للمذهب ، ولا للمنطقة ، ولا للقرابة ، ولا للقبيلة .

وإذا كان هذا في البلدان متعددة الطوائف والأعراق والأجناس والمذاهب والمعتقدات ؛ فحصوله في البلاد المتوافقة في دينها وعقيدتها وعرقها وعاداتها أولى وأحرى .

ولذا فإنَّ اختيار القضاة من الخريجين في جامعةٍ بعينها دون غيرها من الجامعات- مع اتحاد التخصص - تحكُّمٌ ظاهر وتهميشٌ ملحوظ ، فكيف إذا اجتمع معه تمييز فرعٍ أو فرعين من فروع الجامعة الواحدة على بقية الفروع !!.

كما أنَّ رفضَ تعيين الخريجين في قسم القضاء من جامعة أم القرى في مجال القضاء بتأوُّلٍ مفاده : أنَّ من درس في هذا القسم فهو يطلب القضاء ، وطلب القضاء منهيٌ عنه ؛ إذا أمكن أن يكون عذراً ؛ فما هو جواب كون هذه القاعدة مُعَارَضَةً بحصول تعيين قضاةٍ من الخريجين الدارسين في المعهد العالي للقضاء ؛ إلا أن يكون التأوُّل هنا قد تغيَّر بالقياس على قصة نبي الله يوسف عليه السلام عندما طلب من عزيز مصر أن يجعله على خزائن الأرض ؟!.

إنَّ كل هذه التصرفات - مع تناقضها - مُخَالِفَةٌ صراحةً للفقرة (د) من المادة (37) من نظام القضاء ، ونص المقصود من المادة ( يشترط فيمن يُوَلَّى القضاء .. ..
د/ أن يكون حاصلاً على شهادة إحدى كليات الشريعة بالمملكة العربية السعودية .. .. ) الخ .

فالنص جاء في المادة على ( إحدى كليات الشريعة بالمملكة ) ؛ دون تمييزٍ ولا استثناء .
مما يعني أنَّ طريقة اختيار القضاة اليوم ليست سبيلاً من سبل تطوير القضاء ، ولا طريقاً لتأليف فئات المجتمع السعودي .
وهنا يظهر مسيسُ الحاجة لوضع أسسٍ ( محددةٍ ، ومعلومة ) لاختيار القضاة ؛ متوافقةٍ مع أحكام الفقه الإسلامي ونصوص النظام السعودي المعتبر ، لا مجال لاختراقها ولا للتَّحكُّم فيها ؛ بإعمالها تارة ، وإهمالها تارة أخرى .

ويمكن اعتبار الأسس الأربعة التالية منطلقاً لما يمكن الاتفاق عليه منها ؛ خدمةً لجهاز القضاء ، وإسهاماً في تطويره ، وفتحاً لمجال المشاركة فيه من كافة فئات المجتمع السعودي المتجانس بطبيعته .

الأساس الأول : الجانب العلمي .
ويتحقق بالالتزام بشروط تعيين القاضي الواردة في المادة (39) من نظام القضاء ، وفيها ( أن يكون قد حصل على الشهادة العالية بتقديرٍ عامٍ لا يقل عن : جيد ، وبتقدير : جيد جداً في مادتي الفقه وأصوله ) .

ويمكن أن ينضم إليه إلزام القاضي بإعداد بحثٍ سنوي خلال سنوات ملازمته الثلاث وفي سنته التجريبية الأولى بعد تعيينه قاضياً ؛ بحيث يكون تثبيته في القضاء مشروطاً بإجازة تلك البحوث الأربعة من لجنةٍ علميةٍ متخصصة ؛ على اعتبار أنَّ ذلك من مستلزمات ثبوت الصلاحية المشروط في المادة (50) .

الأساس الثاني : الجانب العقلي .
وألطف ما جاء في بيان هذا الجانب ما ذكره الماوردي في الأحكام السلطانية عند بيان شرط العقل في القاضي حيث قال ( وَالشَّرْطُ الثَّانِي : وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَى اعْتِبَارِهِ ، وَلا يُكْتَفَى فِيهِ بِالْعَقْلِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّكْلِيفُ مِنْ عِلْمِهِ بِالْمُدْرَكَاتِ الضَّرُورِيَّةِ ؛ حَتَّى يَكُونَ : صَحِيحَ التَّمْيِيزِ ، جَيِّدَ الْفَطِنَةِ ، بَعِيدًا عَنْ السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ ، يَتَوَصَّلُ بِذَكَائِهِ إلَى إيضَاحِ مَا أَشْكَلَ وَفَصْلَ مَا أَعْضَلَ ) .

ومثل هذا لا يتحقق إلا باجتياز القاضي الفحوص الطبية المثبتة لسلامة عقله من الأمراض النفسية ؛ أشبه : الحماقةَ ، والنَزَقَ ، وازدواجَ الشخصية ، والكِبْرَ ، والنرجسيةَ ، وغيرها من الأعراض المؤثِّرة في سلامة عقل صاحبها .

الأساس الثالث : الجانب البدني .
والمتمثل في اشتراط الفقهاء : السمع ، والبصر ، والكلام في القاضي ، غير أنه من اللائق عند اختيار القضاة ابتداءً اعتبار سلامته من العيوب الظاهرة ؛ مثل : البَرَصِ المُستَقْذَر ، والعَوَر ، والحَوَل الفاحش ، والهُزَال ، والسِّمنة المفرطة ، والشلل ، والعَرَج البَيِّن ، ودمامةِ الخِلقة ، والطُّولِ أو القِصَرِ الشديدين ، وعيوب اللسان والكلام ؛ لأنَّ السَّلامَةَ مِنْ الآفَاتِ أَهْيَبُ لِذَوِي الْوِلايَةِ كما قرره أهل العلم ، ولأنَّ هذه العيوب تكون مصحوبةً في الأغلب بأعراضٍ نفسيةٍ تتعدَّى إلى عمل صاحبها فتمنع كماله . على أنَّه في بعض هذه الآفات : يُغتفر في الاستدامة ما لا يُغتفر في الابتداء .

الأساس الرابع : الجانب الأخلاقي .
حيث ورد في الفقرة (ب) ، (و) من المادة (37) آنفة الذكر اشتراط : حسن السيرة والسلوك في القاضي ، وأن لا يكون قد حُكم عليه بحدٍ أو تعزيرٍ ، أو في جرمٍ مخلٍ بالشرف ، أو صدر بحقه قرارٌ تأديبيٌ بالفصل من وظيفةٍ عامةٍ ؛ ولو كان قد رُدَّ إليه اعتباره .

ويمكن أن ينضاف إلى ذلك : ما يلحظه القاضي الذي يتدرب عنده الملازم من سلوكياتٍ شائنةٍ تمنع من اختياره قاضياً ، أو سِمَاتٍ حسنةٍ تؤيد اعتماده وتوليته القضاء . والله الموفق .

الفقير إلى عفو الودود ناصر بن زيد بن داود

ليست هناك تعليقات | عدد القراء : 3526 | تأريخ النشر : الاثنين 2 صفر 1428هـ الموافق 19 فبراير 2007م

طباعة المقال

إرسال المقالة
آليات تطوير العمل القضائي 4-5 تحدثت في الحلقات الثلاث الماضية عن ثمان من آليات تطوير العمل القضائي ؛ وهي على التوالي : اللقاءات القضائية الرسمية ، البحوث والدراسات ، التفاعل الفوري مع الشكاوى المعلنة والنقد ، الحضور الإعلامي القضائي ، الزيارات الداخلية ، الاحتكاك الخارجي ، برامج التدريب ، منهجية التقييم . وسيكون الحديث في هذه الحلقة عن آلية : أسس اختيار القضاة . مع الاعتذار عن أمرين : الأول/ الانقطاع الطارئ لظروف صحية ، والثاني/ زيادة عدد حلقات الموضوع بعد توجيه الصحيفة الموقرة بالالتزام بقدر محدود من كلمات المقالة هو أقل بكثير من المشاركات السابقة . الآلية التاسعة : أسس الاختيار . إن اختيار القاضي - في جميع دول العالم - يقوم على أسس ثابتة ؛ تتمحور كلها على قواعد المصلحة العامة ، مع إتاحة الفرصة لجميع فئات المواطنين لخدمة بلادهم في أي مجال يحسنون الإسهام فيه ؛ دون إيثار لفئة ، ولا استئثار على أخرى . فالاعتبار في سائر المجتمعات العادلة للكفاءة والجدارة ، وليست للعرق ، ولا للجنس ، ولا للمذهب ، ولا للمنطقة ، ولا للقرابة ، ولا للقبيلة . وإذا كان هذا في البلدان متعددة الطوائف والأعراق والأجناس والمذاهب والمعتقدات ؛ فحصوله في البلاد المتوافقة في دينها وعقيدتها وعرقها وعاداتها أولى وأحرى . ولذا فإن اختيار القضاة من الخريجين في جامعة بعينها دون غيرها من الجامعات- مع اتحاد التخصص - تحكم ظاهر وتهميش ملحوظ ، فكيف إذا اجتمع معه تمييز فرع أو فرعين من فروع الجامعة الواحدة على بقية الفروع !!. كما أن رفض تعيين الخريجين في قسم القضاء من جامعة أم القرى في مجال القضاء بتأول مفاده : أن من درس في هذا القسم فهو يطلب القضاء ، وطلب القضاء منهي عنه ؛ إذا أمكن أن يكون عذرا ؛ فما هو جواب كون هذه القاعدة معارضة بحصول تعيين قضاة من الخريجين الدارسين في المعهد العالي للقضاء ؛ إلا أن يكون التأول هنا قد تغير بالقياس على قصة نبي الله يوسف عليه السلام عندما طلب من عزيز مصر أن يجعله على خزائن الأرض ؟!. إن كل هذه التصرفات - مع تناقضها - مخالفة صراحة للفقرة (د) من المادة (37) من نظام القضاء ، ونص المقصود من المادة ( يشترط فيمن يولى القضاء .. .. د/ أن يكون حاصلا على شهادة إحدى كليات الشريعة بالمملكة العربية السعودية .. .. ) الخ . فالنص جاء في المادة على ( إحدى كليات الشريعة بالمملكة ) ؛ دون تمييز ولا استثناء . مما يعني أن طريقة اختيار القضاة اليوم ليست سبيلا من سبل تطوير القضاء ، ولا طريقا لتأليف فئات المجتمع السعودي . وهنا يظهر مسيس الحاجة لوضع أسس ( محددة ، ومعلومة ) لاختيار القضاة ؛ متوافقة مع أحكام الفقه الإسلامي ونصوص النظام السعودي المعتبر ، لا مجال لاختراقها ولا للتحكم فيها ؛ بإعمالها تارة ، وإهمالها تارة أخرى . ويمكن اعتبار الأسس الأربعة التالية منطلقا لما يمكن الاتفاق عليه منها ؛ خدمة لجهاز القضاء ، وإسهاما في تطويره ، وفتحا لمجال المشاركة فيه من كافة فئات المجتمع السعودي المتجانس بطبيعته . الأساس الأول : الجانب العلمي . ويتحقق بالالتزام بشروط تعيين القاضي الواردة في المادة (39) من نظام القضاء ، وفيها ( أن يكون قد حصل على الشهادة العالية بتقدير عام لا يقل عن : جيد ، وبتقدير : جيد جدا في مادتي الفقه وأصوله ) . ويمكن أن ينضم إليه إلزام القاضي بإعداد بحث سنوي خلال سنوات ملازمته الثلاث وفي سنته التجريبية الأولى بعد تعيينه قاضيا ؛ بحيث يكون تثبيته في القضاء مشروطا بإجازة تلك البحوث الأربعة من لجنة علمية متخصصة ؛ على اعتبار أن ذلك من مستلزمات ثبوت الصلاحية المشروط في المادة (50) . الأساس الثاني : الجانب العقلي . وألطف ما جاء في بيان هذا الجانب ما ذكره الماوردي في الأحكام السلطانية عند بيان شرط العقل في القاضي حيث قال ( والشرط الثاني : وهو مجمع على اعتباره ، ولا يكتفى فيه بالعقل الذي يتعلق به التكليف من علمه بالمدركات الضرورية ؛ حتى يكون : صحيح التمييز ، جيد الفطنة ، بعيدا عن السهو والغفلة ، يتوصل بذكائه إلى إيضاح ما أشكل وفصل ما أعضل ) . ومثل هذا لا يتحقق إلا باجتياز القاضي الفحوص الطبية المثبتة لسلامة عقله من الأمراض النفسية ؛ أشبه : الحماقة ، والنزق ، وازدواج الشخصية ، والكبر ، والنرجسية ، وغيرها من الأعراض المؤثرة في سلامة عقل صاحبها . الأساس الثالث : الجانب البدني . والمتمثل في اشتراط الفقهاء : السمع ، والبصر ، والكلام في القاضي ، غير أنه من اللائق عند اختيار القضاة ابتداء اعتبار سلامته من العيوب الظاهرة ؛ مثل : البرص المستقذر ، والعور ، والحول الفاحش ، والهزال ، والسمنة المفرطة ، والشلل ، والعرج البين ، ودمامة الخلقة ، والطول أو القصر الشديدين ، وعيوب اللسان والكلام ؛ لأن السلامة من الآفات أهيب لذوي الولاية كما قرره أهل العلم ، ولأن هذه العيوب تكون مصحوبة في الأغلب بأعراض نفسية تتعدى إلى عمل صاحبها فتمنع كماله . على أنه في بعض هذه الآفات : يغتفر في الاستدامة ما لا يغتفر في الابتداء . الأساس الرابع : الجانب الأخلاقي . حيث ورد في الفقرة (ب) ، (و) من المادة (37) آنفة الذكر اشتراط : حسن السيرة والسلوك في القاضي ، وأن لا يكون قد حكم عليه بحد أو تعزير ، أو في جرم مخل بالشرف ، أو صدر بحقه قرار تأديبي بالفصل من وظيفة عامة ؛ ولو كان قد رد إليه اعتباره . ويمكن أن ينضاف إلى ذلك : ما يلحظه القاضي الذي يتدرب عنده الملازم من سلوكيات شائنة تمنع من اختياره قاضيا ، أو سمات حسنة تؤيد اعتماده وتوليته القضاء . والله الموفق .
التعليقات متاحة للزوار التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع