نشرت في صحيفة الإقتصادية العدد 4732

قضائيات في العصور اللاحقة للقرون المفضلة الأولى - وحتى عصرنا هذا - كان للجمود والركون إلى الموروث البشري دولةٌ ورجال ؛ أوجبوا التقليد ، وَحَرَّمُوا الاجتهاد ، وحجروا على دعاة الإصلاح والمجددين ؛ بل سجنوهم ، وجلدوهم ، وطردوهم من ديارهم ، وما نقموا منهم إلا أنهم أقدموا حيث أحجم الباقون عن معالجة قضايا الأمة المتجددة ، فأفتوا في النوازل ، ونقدوا أوضاعاً سائدةً في مجتمعاتهم مخالفةً لمقتضى الدليل الشرعي ؛ ذلك المقتضى الذي يتجلى عند تطبيق الدليل وتعليله وغايته ومقصده على الحوادث والنوازل الطارئة ، دون النظر إلى المقتضى المُوَرَّثِ من خَلْفٍ لِمَن بعده عارياً عن التدليل والتعليل ، وغيرَ موافقٍ لغايات الشريعة ومقاصدها .

ومن آلاء الله على عباده : أنه لا ينفك عصرٌ ولا مصرٌ من هؤلاء الأفذاذ الصابرين الصامدين ؛ فضلاً من الله ونعمة ، فحفظ الله لهم سعيهم ونفع به من بعدهم ، وضاع في ركام السنين سعي من ناوأهم . وتلك - لعمري - عبرةٌ لمن يعتبر !.

ورحم الله القائل :
ولا يُعرفُ الإحجامُ إلا عن الخنا = ولا يُنكرُ الإقدامُ إلا على الذَّمِّ


= ففي عصر النبوة : أقدم بعض الصحابة على الكتابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ما يرونه أو يسمعونه منه ؛ ليحفظوا للأجيال القادمة سيرة نبيهم عليه الصلاة والسلام ، فخشي النبي صلى الله عليه وسلم أن يشغلهم ذلك عن القرآن الكريم فمنعهم أول الأمر بقوله صلى الله عليه وسلم ( لا تَكْتُبُوا عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ ، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ ) ، ثم أذن عليه الصلاة والسلام لهم فيه ؛ روى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيدُ حِفْظَهُ ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ ، وَقَالُوا : أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ ؛ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا . فَأَمْسَكْتُ عَنْ الْكِتَابِ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ ، فَقَالَ : اكْتُبْ ؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلا حَقٌّ ) قال عليه الصلاة والسلام تلك المقولة مقرونةً بتعليلٍ يدفع لمضاعفة الجهد في تحقيق المطلب ، فجزاه الله خير ما جزى نبياً عن أمته .

= وفي عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه : أقدم الخليفة الراشد على قتال المرتدين مانعي الزكاة في حادثة مشهورة شهدت اعتراضاً حاداً من كبار الصحابة على قتالهم ، فكتب الله النصر والتمكين لدولة الإسلام .

= وفي عهد عمر الفاروق رضي الله عنه : أقدم قادة الفتح الإسلامي على نشر الإسلام في أقاليم العراق والشام ومصر خلال بضع سنين ، مع ما في ذلك من المخاطرة بجيوش المسلمين فيما لو توحد أعدائهم فباغتوهم من خلفهم .

= وفي عهد عثمان ذي النورين رضي الله عنه : أقدم الخليفة على جمع الناس على مصحفٍ واحدٍ ، وحرَّق ما سواه من المصاحف ، فاجتمعت الكلمة وزال الخلاف ، ولم يفت الأمةَ شيءٌ مما في المصاحف المحروقة ؛ فقد نقل إليها بالأسانيد .

= وفي عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه : أقدم الخليفة على قتال الخوارج والبغاة من المسلمين ، فظهرت بذلك أحكامٌ لم تكن لتظهر لولا إقدامه رضي الله عنه على ذلك .

= وفي عهد الحجاج بن يوسف الثقفي : أمر علماء عصره بوضع أصول علم النحو ، بعد أن فشا اللحن في كلام العرب مع اتصالهم بالفرس والروم ، فلم يحجموا عن تلك المهمة ، وحفظوا للأمة ولدينها لغةَ القرآن الكريم صافيةً خالصة .

= وفي عهد المنصور العباسي : أقدم إمامُ دار الهجرة مالكُ بنُ أنسٍ رضي الله عنه على تدوين ( الموطأ ) في أحكام الشريعة ، وتوالى بعده إقدام العلماء على التأليف والتدوين في جميع الفنون .

= بل إن إقدام علماء القرون الأولى وصل إلى : تنقيط المصحف ، وتشكيله ، وتحليته بعلامات الوقف والوصل ، وتحزيبه ، وتجزئته ؛ في خطوة لم تكن لتحظى بموافقة من بعدهم لو أريد لها أن تكون ابتداء في عصرنا هذا .

= ولله در الموفق ابن قدامة المقدسي الذي دَوَّنَ في الفقه أربعة كتبٍ ؛ كل كتابٍ يناسب مرحلةً من مراحل التعليم في زماننا هذا ؛ حيث جعل - رحمه الله - كتابه ( العمدة ) للمبتدئين ، وكتابه ( المقنع ) للمتوسطين ، وكتابه ( الكافي ) لما يسمى عندنا : المرحلة الثانوية ، وكتابه ( المغني ) لما نسميه : المرحلة الجامعية .

وقد راعى العلماء - رحمهم الله تعالى - في تآليفهم الاختصار حيناً والإسهاب حيناً آخر ؛ لأنَّ لكل نوعٍ غاية ؛ فالمختصرات أسهلُ للحفظ ، والمطوَّلات أوعبُ للتفاصيل .

وبلغ الأمرُ بِثُلَّةٍ من العلماء : أن أقدموا على تأليف المختصرات في العلوم منظومةً أحكامها في أبياتٍ شعرية ؛ ليسهل حفظها على طلبة العلم ، وسواءٌ في ذلك : علوم العربية ، والقراءات ، ومصطلح الحديث ، والفقه ، والفرائض ، وغيرها .

والمتونُ الفقهية المسرودةُ نثراً تحوي كلُّ جملةٍ منها حكماً فقهياً ، والمتونُ المنظومةُ شعراً يحوي كلُّ بيتٍ منها حكماًً فقهياً كذلك . وهذه المتون - التي توالى إخراجها على مر العصور - ما كانت لتظهر لولا إقدام أولئك الرجال على تأليفها ، والتصدي لابتداعها ؛ باذلين الجهد والوقت والمال في سبيل ذلك . جعله الله في موازين حسناتهم .

ولست أرى فرقاً بين تلك المتون الفقهية وبين القانون - المطلوب استمداده من أحكام الشريعة الإسلامية الغراء - سوى تخصيصِ القانونِ كلَّ حكمٍ فقهيٍ برقمٍ تحت مسمى ( مادة ) ؛ لتسهلَ الإشارةُ إليه في الحكم ؛ على وجهٍ أضبط وأدق من ذكر الباب والفصل ، أو الجزء والصفحة ورقم السطر .

= فهل هذا الفرق في القانون مدعاةٌ لمحاربته ونبذه والتنفير والتحذير منه ؟.

= وهل ترك المسلمون الأوائلُ التأليفَ الذي سبقهم إليه الفرس والروم والهند والصين لمجرد أنَّ في ذلك تقليداً لهم ؟.

= وهل نستطيع القولَ : أنَّ جميعَ أمم الأرض التي طبقت القوانين قد فشلت في تطبيقها ؟ ، ونحن نرى انضباطَ أمورِ بلادهم - فيما بينهم - انضباطاً يحسدهم عليه غيرهم ، ويقلدونهم فيما يقدرون عليه منها ، وهم الذين قال عنهم الرب جل وعلا في كتابه العزيز ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) .

= وهل فشل دولةٍ أو اثنتين يقضي بفشلِ المشروعِ كله ؟.

= وَلِمَ لا يكون الفشلُ محصوراً في سوء التطبيق للقانون لا في أصل المشروع ؟.

= وعلى فرض حصوله في تلك الدول ، فهل يعني ذلك أنَّ الفشلَ لازمٌ لجميع الدول ؟.

= ثُمَّ ألا يجوز خوضُ تجربةٍ جديدةٍ خاليةٍ من سلبيات تجارب الأمم السابقة ؟.

= وهل عدمُ التقنينِ أرحمُ من حصوله ؛ ونحن نرى التفاوتَ في الأحكام الجزائية ، والاضطرابَ في أحكام القضايا الأخرى في درجات التقاضي الثلاث جميعها ؟.

= وما هي البلادُ التي نجحت مع عدم التقنين ؛ حتى يمكنَ الاستئناسُ بوجود تجربةٍ عدميةٍ ناجحة ؟!.

إني لأرجو أن لا يكون الجوابُ عن السؤال الأخير هو : أن بلادنا هي التي نجحت مع عدم التقنين !!! ؛ لأنَّ تلك مغالطةٌ ظاهرة ؛ فبلادنا - بفضل الله ثم بفضل حكمة قادتها - استطاعت أن تسايرَ الحضارةَ الحديثةَ خلال أقل من خمسين عاماً ، وأن تنجحَ في مجالاتٍ كثيرةٍ ، منها : التعليم ، والأمن ، والإدارة المحلية ، والطب ، والصناعات المختلفة وغيرها ؛ إلا أن المؤسسةَ القضائيةَ فيها عجزت عن تطوير نفسها وعن استيعاب أنواعٍ من القضايا الطارئة ؛ بسبب موقف قياداتها الرافض العمل بالقوانين والأنظمة ، مما أحدث في بلادنا - اليوم - أكثرَ من ثلاثين جهةً قضائيةً ونحواً من ثلاثين نظاماً وقانوناً يُقضى بها خارجَ المؤسسة القضائية الأصل ؛ بحسب ( دليل الجهات القضائية في المملكة العربية السعودية ) الصادر عن الإدارة القانونية بالغرفة التجارية الصناعية بالرياض بالتعاون مع : المعهد العالي للقضاء بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، وبحسب ما جاء في ( مجموعة الأنظمة السعودية ) الصادرة عن هيئة الخبراء بمجلس الوزراء .

= فأيُّ نجاحٍ وراء هذا التفتيت والتشرذم والتشتيت ؟.

= وأيُّ فشلٍ أكبرُ من هذا التضاؤلِ والتقازمِ والخُبُوِّ ؟.

= أمَا نعتبر بدولٍ شقيقةٍ وقفت أمام تقنين أحكام الفقه الإسلامي كما نقف نحن اليوم ، فآل أمرها إلى تهميش أحكام الشريعة واستبدال القانون الوضعي بها حتى الساعة ؛ في خطوةٍ هي وصمةُ عارٍ في جبين من تسبب في حصولها ؟.

= أمَا نرعوي ؟ ، فنجعل جهدنا فيما يُصلحُ أمرَ أمتنا ، بدلاً عن : المهاترات ، والتطاحن ، وَكَيْلِ الاتهامات ، واللمز بالمعائب ، واختلاق النقائص لمن يخالفنا من إخواننا !.

إن مَثَلَنَا وَمَثَلَ إخواننا - مع قضايا أمتنا - كمثل رجلين أدركا ثالثاً يوشك أن يقضيَ من شدة العطش ، فأراد الأولُ أن يجلسه ؛ ليسقيه جرعةَ ماءٍ من كأسٍ نظيفٍ ، فأنكر عليه صاحبه ؛ مكتفياً بأن توضعَ قربةُ ماءٍ فوق رأس الرجل الطريح ، ليقوم هو بحل وكائها والشرب منها ؛ مع أنه لا يستطيعُ حتى تحريكَ أجفانه من شدة الجفاف الذي سببه له العطش .

= كيف لمثل هذا الصَّديَانِ : أن يتحركَ ، فضلاً عن أن يقومَ بحل الأوكية ، ورفع القربة الثقيلة ليشربَ منها ؟، وربما خارت قواه - لو أمكنه ذلك - فأراق ماءَ القربة قبل أن ينهلَ منها !.

= أما نرتدعُ عن كل ما يُظهرنا بالمظهر المزري أمام سائر الحضارات ؛ التي لا تنفك تجهد في إعلاء شأن دولها وشعوبها بين الأمم والشعوب الأخرى ؟.

= أما نكفُّ عن النواح وَعَيْبِ الزمان الذي نحن فيه ؟ ؛ حتى لا نكونَ كما قال الشاعر :
نعيبُ زماننا والعيبُ فينا = وما لزماننا عيبٌ سوانا

ونهجو ذا الزمانِ بغير جرمٍ = ولو نطق الزمانُ إذاً هجانا

فدُنْيانا التَّصنُّعُ والترائي = ونحن به نُخادعُ من يرانا

يعافُ الذئبُ يأكلُ لحمَ ذئبٍ = ويأكلُ بعضنا بعضاً عياناً


لقد آن أوانُ القرارِ السياسي ليأخذَ طريقه نحو حسمِ قضيةِ تقنينِ الشريعة ، فيقطعَ قولَ كلِّ خطيبٍ بشأنها ؛ ليتفرغَ الجميعُ لما هو أهمُّ من بين قضايا الأمةِ المتراكمة . والله الموفق .

الفقير إلى عفو الودود ناصر بن زيد بن داود

عدد التعليقات : 1 | عدد القراء : 3414 | تأريخ النشر : الاثنين 2 رمضان 1427هـ الموافق 25 سبتمبر 2006م

طباعة المقال

إرسال المقالة
التقنين بين الإقدام والإحجام في العصور اللاحقة للقرون المفضلة الأولى - وحتى عصرنا هذا - كان للجمود والركون إلى الموروث البشري دولة ورجال ؛ أوجبوا التقليد ، وحرموا الاجتهاد ، وحجروا على دعاة الإصلاح والمجددين ؛ بل سجنوهم ، وجلدوهم ، وطردوهم من ديارهم ، وما نقموا منهم إلا أنهم أقدموا حيث أحجم الباقون عن معالجة قضايا الأمة المتجددة ، فأفتوا في النوازل ، ونقدوا أوضاعا سائدة في مجتمعاتهم مخالفة لمقتضى الدليل الشرعي ؛ ذلك المقتضى الذي يتجلى عند تطبيق الدليل وتعليله وغايته ومقصده على الحوادث والنوازل الطارئة ، دون النظر إلى المقتضى المورث من خلف لمن بعده عاريا عن التدليل والتعليل ، وغير موافق لغايات الشريعة ومقاصدها . ومن آلاء الله على عباده : أنه لا ينفك عصر ولا مصر من هؤلاء الأفذاذ الصابرين الصامدين ؛ فضلا من الله ونعمة ، فحفظ الله لهم سعيهم ونفع به من بعدهم ، وضاع في ركام السنين سعي من ناوأهم . وتلك - لعمري - عبرة لمن يعتبر !. ورحم الله القائل : ولا يعرف الإحجام إلا عن الخنا = ولا ينكر الإقدام إلا على الذمdoPoem(0,'font="Arial,1em,black,bold,normal" bkcolor="" bkimage="" border="double,3,green" type=0 line=1 align=center use=sp num="0,red" star="***,green" style="display:none"',1) = ففي عصر النبوة : أقدم بعض الصحابة على الكتابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ما يرونه أو يسمعونه منه ؛ ليحفظوا للأجيال القادمة سيرة نبيهم عليه الصلاة والسلام ، فخشي النبي صلى الله عليه وسلم أن يشغلهم ذلك عن القرآن الكريم فمنعهم أول الأمر بقوله صلى الله عليه وسلم ( لا تكتبوا عني غير القرآن ، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه ) ، ثم أذن عليه الصلاة والسلام لهم فيه ؛ روى عبد الله بن عمرو قال : كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه ، فنهتني قريش ، وقالوا : أتكتب كل شيء تسمعه ؛ ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب والرضا . فأمسكت عن الكتاب ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأومأ بأصبعه إلى فيه ، فقال : اكتب ؛ فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق ) قال عليه الصلاة والسلام تلك المقولة مقرونة بتعليل يدفع لمضاعفة الجهد في تحقيق المطلب ، فجزاه الله خير ما جزى نبيا عن أمته . = وفي عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه : أقدم الخليفة الراشد على قتال المرتدين مانعي الزكاة في حادثة مشهورة شهدت اعتراضا حادا من كبار الصحابة على قتالهم ، فكتب الله النصر والتمكين لدولة الإسلام . = وفي عهد عمر الفاروق رضي الله عنه : أقدم قادة الفتح الإسلامي على نشر الإسلام في أقاليم العراق والشام ومصر خلال بضع سنين ، مع ما في ذلك من المخاطرة بجيوش المسلمين فيما لو توحد أعدائهم فباغتوهم من خلفهم . = وفي عهد عثمان ذي النورين رضي الله عنه : أقدم الخليفة على جمع الناس على مصحف واحد ، وحرق ما سواه من المصاحف ، فاجتمعت الكلمة وزال الخلاف ، ولم يفت الأمة شيء مما في المصاحف المحروقة ؛ فقد نقل إليها بالأسانيد . = وفي عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه : أقدم الخليفة على قتال الخوارج والبغاة من المسلمين ، فظهرت بذلك أحكام لم تكن لتظهر لولا إقدامه رضي الله عنه على ذلك . = وفي عهد الحجاج بن يوسف الثقفي : أمر علماء عصره بوضع أصول علم النحو ، بعد أن فشا اللحن في كلام العرب مع اتصالهم بالفرس والروم ، فلم يحجموا عن تلك المهمة ، وحفظوا للأمة ولدينها لغة القرآن الكريم صافية خالصة . = وفي عهد المنصور العباسي : أقدم إمام دار الهجرة مالك بن أنس رضي الله عنه على تدوين ( الموطأ ) في أحكام الشريعة ، وتوالى بعده إقدام العلماء على التأليف والتدوين في جميع الفنون . = بل إن إقدام علماء القرون الأولى وصل إلى : تنقيط المصحف ، وتشكيله ، وتحليته بعلامات الوقف والوصل ، وتحزيبه ، وتجزئته ؛ في خطوة لم تكن لتحظى بموافقة من بعدهم لو أريد لها أن تكون ابتداء في عصرنا هذا . = ولله در الموفق ابن قدامة المقدسي الذي دون في الفقه أربعة كتب ؛ كل كتاب يناسب مرحلة من مراحل التعليم في زماننا هذا ؛ حيث جعل - رحمه الله - كتابه ( العمدة ) للمبتدئين ، وكتابه ( المقنع ) للمتوسطين ، وكتابه ( الكافي ) لما يسمى عندنا : المرحلة الثانوية ، وكتابه ( المغني ) لما نسميه : المرحلة الجامعية . وقد راعى العلماء - رحمهم الله تعالى - في تآليفهم الاختصار حينا والإسهاب حينا آخر ؛ لأن لكل نوع غاية ؛ فالمختصرات أسهل للحفظ ، والمطولات أوعب للتفاصيل . وبلغ الأمر بثلة من العلماء : أن أقدموا على تأليف المختصرات في العلوم منظومة أحكامها في أبيات شعرية ؛ ليسهل حفظها على طلبة العلم ، وسواء في ذلك : علوم العربية ، والقراءات ، ومصطلح الحديث ، والفقه ، والفرائض ، وغيرها . والمتون الفقهية المسرودة نثرا تحوي كل جملة منها حكما فقهيا ، والمتون المنظومة شعرا يحوي كل بيت منها حكما فقهيا كذلك . وهذه المتون - التي توالى إخراجها على مر العصور - ما كانت لتظهر لولا إقدام أولئك الرجال على تأليفها ، والتصدي لابتداعها ؛ باذلين الجهد والوقت والمال في سبيل ذلك . جعله الله في موازين حسناتهم . ولست أرى فرقا بين تلك المتون الفقهية وبين القانون - المطلوب استمداده من أحكام الشريعة الإسلامية الغراء - سوى تخصيص القانون كل حكم فقهي برقم تحت مسمى ( مادة ) ؛ لتسهل الإشارة إليه في الحكم ؛ على وجه أضبط وأدق من ذكر الباب والفصل ، أو الجزء والصفحة ورقم السطر . = فهل هذا الفرق في القانون مدعاة لمحاربته ونبذه والتنفير والتحذير منه ؟. = وهل ترك المسلمون الأوائل التأليف الذي سبقهم إليه الفرس والروم والهند والصين لمجرد أن في ذلك تقليدا لهم ؟. = وهل نستطيع القول : أن جميع أمم الأرض التي طبقت القوانين قد فشلت في تطبيقها ؟ ، ونحن نرى انضباط أمور بلادهم - فيما بينهم - انضباطا يحسدهم عليه غيرهم ، ويقلدونهم فيما يقدرون عليه منها ، وهم الذين قال عنهم الرب جل وعلا في كتابه العزيز ( يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ) . = وهل فشل دولة أو اثنتين يقضي بفشل المشروع كله ؟. = ولم لا يكون الفشل محصورا في سوء التطبيق للقانون لا في أصل المشروع ؟. = وعلى فرض حصوله في تلك الدول ، فهل يعني ذلك أن الفشل لازم لجميع الدول ؟. = ثم ألا يجوز خوض تجربة جديدة خالية من سلبيات تجارب الأمم السابقة ؟. = وهل عدم التقنين أرحم من حصوله ؛ ونحن نرى التفاوت في الأحكام الجزائية ، والاضطراب في أحكام القضايا الأخرى في درجات التقاضي الثلاث جميعها ؟. = وما هي البلاد التي نجحت مع عدم التقنين ؛ حتى يمكن الاستئناس بوجود تجربة عدمية ناجحة ؟!. إني لأرجو أن لا يكون الجواب عن السؤال الأخير هو : أن بلادنا هي التي نجحت مع عدم التقنين !!! ؛ لأن تلك مغالطة ظاهرة ؛ فبلادنا - بفضل الله ثم بفضل حكمة قادتها - استطاعت أن تساير الحضارة الحديثة خلال أقل من خمسين عاما ، وأن تنجح في مجالات كثيرة ، منها : التعليم ، والأمن ، والإدارة المحلية ، والطب ، والصناعات المختلفة وغيرها ؛ إلا أن المؤسسة القضائية فيها عجزت عن تطوير نفسها وعن استيعاب أنواع من القضايا الطارئة ؛ بسبب موقف قياداتها الرافض العمل بالقوانين والأنظمة ، مما أحدث في بلادنا - اليوم - أكثر من ثلاثين جهة قضائية ونحوا من ثلاثين نظاما وقانونا يقضى بها خارج المؤسسة القضائية الأصل ؛ بحسب ( دليل الجهات القضائية في المملكة العربية السعودية ) الصادر عن الإدارة القانونية بالغرفة التجارية الصناعية بالرياض بالتعاون مع : المعهد العالي للقضاء بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، وبحسب ما جاء في ( مجموعة الأنظمة السعودية ) الصادرة عن هيئة الخبراء بمجلس الوزراء . = فأي نجاح وراء هذا التفتيت والتشرذم والتشتيت ؟. = وأي فشل أكبر من هذا التضاؤل والتقازم والخبو ؟. = أما نعتبر بدول شقيقة وقفت أمام تقنين أحكام الفقه الإسلامي كما نقف نحن اليوم ، فآل أمرها إلى تهميش أحكام الشريعة واستبدال القانون الوضعي بها حتى الساعة ؛ في خطوة هي وصمة عار في جبين من تسبب في حصولها ؟. = أما نرعوي ؟ ، فنجعل جهدنا فيما يصلح أمر أمتنا ، بدلا عن : المهاترات ، والتطاحن ، وكيل الاتهامات ، واللمز بالمعائب ، واختلاق النقائص لمن يخالفنا من إخواننا !. إن مثلنا ومثل إخواننا - مع قضايا أمتنا - كمثل رجلين أدركا ثالثا يوشك أن يقضي من شدة العطش ، فأراد الأول أن يجلسه ؛ ليسقيه جرعة ماء من كأس نظيف ، فأنكر عليه صاحبه ؛ مكتفيا بأن توضع قربة ماء فوق رأس الرجل الطريح ، ليقوم هو بحل وكائها والشرب منها ؛ مع أنه لا يستطيع حتى تحريك أجفانه من شدة الجفاف الذي سببه له العطش . = كيف لمثل هذا الصديان : أن يتحرك ، فضلا عن أن يقوم بحل الأوكية ، ورفع القربة الثقيلة ليشرب منها ؟، وربما خارت قواه - لو أمكنه ذلك - فأراق ماء القربة قبل أن ينهل منها !. = أما نرتدع عن كل ما يظهرنا بالمظهر المزري أمام سائر الحضارات ؛ التي لا تنفك تجهد في إعلاء شأن دولها وشعوبها بين الأمم والشعوب الأخرى ؟. = أما نكف عن النواح وعيب الزمان الذي نحن فيه ؟ ؛ حتى لا نكون كما قال الشاعر : نعيب زماننا والعيب فينا = وما لزماننا عيب سوانا ونهجو ذا الزمان بغير جرم = ولو نطق الزمان إذا هجانا فدنيانا التصنع والترائي = ونحن به نخادع من يرانا يعاف الذئب يأكل لحم ذئب = ويأكل بعضنا بعضا عياناdoPoem(0,'font="Arial,1em,black,bold,normal" bkcolor="" bkimage="" border="double,3,green" type=0 line=1 align=center use=sp num="1,red" star="***,green" style="display:none"',2) لقد آن أوان القرار السياسي ليأخذ طريقه نحو حسم قضية تقنين الشريعة ، فيقطع قول كل خطيب بشأنها ؛ ليتفرغ الجميع لما هو أهم من بين قضايا الأمة المتراكمة . والله الموفق .
(1) - عنوان التعليق : أحسنت وأجدت..

تأريخ النشر: الاثنين 1 ذو الحجة 1431هـ الموافق 8 نوفمبر 2010مسيحية

نص التعليق
تذكرت قول أحمد مطر..
أنا لست إلا شاعرا..
أبصرت نار العار عالقة بأردية الغفاة..
فصرخت هبوا للنجاة..
فإذا أفاقوا للنداء ستحتفي بهم الحياة..
وإذا تلاشت صرختي.. وسط الحرائق كالدخان..
فلأن صرخة شاعر..
لا تبعث الروح الجديدة في الرفات..
شكراً لك وأرجو أن لا تتلاشى هذه الصرخة وسط المعمعة..

طباعة التعليق

إرسال التعليق
إرسال المقالة والتعليقات إلى صديق
التعليقات متاحة للزوار التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع