نشرت في صحيفة الوطن العدد 1754

فقهيات كانت التعاملات إلى ما قبل خمسين عاماً تقريباً محدودة العدد يمكن إدراكها والإحاطة بها وتخريجها على أدلة الشرع واستنتاج أحكام لها من قبل المجتهدين وكبار طلبة العلم المقلدين .

أما اليوم : فالنمو المتسارع في أشكال وهيئات التعاملات بين الناس يجعل أعدادها تتراكم منتظرةً أحكاماً شرعية تقرر لها من قبل من أنيط بهم تقرير تلك الأحكام ، غير أنك تسمع عن تأجيل النظر في بعضها مرة بعد أخرى ليجدوا أن الحكم الذي أجلوا البت فيه قد انضم إليه عشرات ومئات بل آلاف الحوادث والنوازل كلها تنتظر تقرير أحكامٍ لها .

ولا يمكن الجزم إن كان العيب في الحادثة أو النازلة أو فيمن وكل إليه أمر استنباط الحكم لها .
أما إمكان وجود حكم لها في الشرع فذلك مفروغ منه قطعي الثبوت والدلالة قال تعالى {ما فرطنا في الكتاب من شيء} غير أن التأخير والتأجيل ليسا من مصلحة النازلة ، ولا من مصلحة العالم الموكول إليه أمر إيجاد حكمها في الشرع ، ولا من مصلحة العامة ، بل ولا من مصلحة الشرع .

وقديماً قيل : إذا لم تستطع شيئاً فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع . غير أنك نقف أحياناً أمام أناسٍ كالجبال في النظر إلى ذواتهم وكالسنابل في مهب الريح بالنظر إلى أحكامهم ؛ فكم مرت أحكام منهم وتلبس بها الناس وشغلت الذمم بالحقوق ، ثم تفجر من أولئك أو بعضهم قرارات المنع ، وما هي إلا أيام حتى يعاد النظر في تلك القرارات فيتغير الحكم المستنبط بعد أن أبطلت بالأول عقود وضاعت به أموال وخربت به كيانات اقتصادية ضخمة .
والسبب - والله أعلم - مرده إلى الطريقة التي يصار إليها لإيجاد الحكم الجديد .

وكثيراً ما نجد النقول من كتب المذاهب في القرون الغابرة من باب الاستئناس والقياس ؛ وكأن هذه المتون وشروحها هي أدلة الشرع .
تراهم يلجأون إليها لاوين أعناقها معطلين بذلك باب النظر في المصالح والقياس ومقاصد الشريعة وغاياتها ، لا وجود عندهم لتجديد ، ولا لاستقلال عن الموروث البشري من متون وأناظيم وحواشي مذهبية جامدة .
ومن ضمن الأحكام التي تشتد إليها حاجة الناس وتسعى إلى إقرارها الحكومات لمصلحة شعوبها والأجيال القادمة من أبنائها : بنوك الادخار ، وحتى الساعة لم ينشر أي خبر عن دراسة هذا المطلب وعن إيجاد كيفية شرعية مقبولة يمكن من خلالها البدء في تطبيق أنشطة الدولة الحالية لمصلحة العامة ، بدلاً عن ترحيلها مرة أخرى إلى خطة خمسية ثالثة .

هل يمكن بحث هذه المسألة على غرار الادخار المعمول به في معاشات التقاعد والتي لا يمكن لأحد التفريط في المطالبة به ولا التشكيك في حله .

الفقير إلى عفو الودود ناصر بن زيد بن داود

ليست هناك تعليقات | عدد القراء : 2009 | تأريخ النشر : الثلاثاء 12 جمادى الآخرة 1426هـ الموافق 19 يوليو 2005م

طباعة المقال

إرسال المقالة
التسويف حول بنوك الادخار كانت التعاملات إلى ما قبل خمسين عاما تقريبا محدودة العدد يمكن إدراكها والإحاطة بها وتخريجها على أدلة الشرع واستنتاج أحكام لها من قبل المجتهدين وكبار طلبة العلم المقلدين . أما اليوم : فالنمو المتسارع في أشكال وهيئات التعاملات بين الناس يجعل أعدادها تتراكم منتظرة أحكاما شرعية تقرر لها من قبل من أنيط بهم تقرير تلك الأحكام ، غير أنك تسمع عن تأجيل النظر في بعضها مرة بعد أخرى ليجدوا أن الحكم الذي أجلوا البت فيه قد انضم إليه عشرات ومئات بل آلاف الحوادث والنوازل كلها تنتظر تقرير أحكام لها . ولا يمكن الجزم إن كان العيب في الحادثة أو النازلة أو فيمن وكل إليه أمر استنباط الحكم لها . أما إمكان وجود حكم لها في الشرع فذلك مفروغ منه قطعي الثبوت والدلالة قال تعالى {ما فرطنا في الكتاب من شيء} غير أن التأخير والتأجيل ليسا من مصلحة النازلة ، ولا من مصلحة العالم الموكول إليه أمر إيجاد حكمها في الشرع ، ولا من مصلحة العامة ، بل ولا من مصلحة الشرع . وقديما قيل : إذا لم تستطع شيئا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيع . غير أنك نقف أحيانا أمام أناس كالجبال في النظر إلى ذواتهم وكالسنابل في مهب الريح بالنظر إلى أحكامهم ؛ فكم مرت أحكام منهم وتلبس بها الناس وشغلت الذمم بالحقوق ، ثم تفجر من أولئك أو بعضهم قرارات المنع ، وما هي إلا أيام حتى يعاد النظر في تلك القرارات فيتغير الحكم المستنبط بعد أن أبطلت بالأول عقود وضاعت به أموال وخربت به كيانات اقتصادية ضخمة . والسبب - والله أعلم - مرده إلى الطريقة التي يصار إليها لإيجاد الحكم الجديد . وكثيرا ما نجد النقول من كتب المذاهب في القرون الغابرة من باب الاستئناس والقياس ؛ وكأن هذه المتون وشروحها هي أدلة الشرع . تراهم يلجأون إليها لاوين أعناقها معطلين بذلك باب النظر في المصالح والقياس ومقاصد الشريعة وغاياتها ، لا وجود عندهم لتجديد ، ولا لاستقلال عن الموروث البشري من متون وأناظيم وحواشي مذهبية جامدة . ومن ضمن الأحكام التي تشتد إليها حاجة الناس وتسعى إلى إقرارها الحكومات لمصلحة شعوبها والأجيال القادمة من أبنائها : بنوك الادخار ، وحتى الساعة لم ينشر أي خبر عن دراسة هذا المطلب وعن إيجاد كيفية شرعية مقبولة يمكن من خلالها البدء في تطبيق أنشطة الدولة الحالية لمصلحة العامة ، بدلا عن ترحيلها مرة أخرى إلى خطة خمسية ثالثة . هل يمكن بحث هذه المسألة على غرار الادخار المعمول به في معاشات التقاعد والتي لا يمكن لأحد التفريط في المطالبة به ولا التشكيك في حله .
التعليقات متاحة للزوار التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع