نشرت في مجلة اليمامة العدد 1885

قضائيات تخيلت يوماً ـ وأنا أنادم صديقاً لي ؛ بعد أن ذهب بنا الحديث مذاهبه ، وأخذنا من حلو الكلام عجائبه ـ أننا تحدثنا في الخصوصيات ، فابتدأني الكلام عن منزلي الذي هجرت سكناه بعد ابتعاثي للدراسة خارج المملكة فأخبرته بخبره وبما انتهى إليه سومه ، فطلب شراءه بأعلى سومة ، فوافقته على ذلك ، واتفقنا على توكيل أحد المحامين لتخليص إجراءات المبايعة .

فما لبث صاحبي أن أخرج هاتفه المحمول ، وانتقش من جانبه عصا أشبه بالقلم ، وأخذ ينقر على سطح شاشته عدة مرات ، ثم صوَّب نظره إلي قائلاً : لقد أدخلت القيمة في حسابك كاملة .

وكان جهاز الحاسب الآلي المحمول بجواري ، فأدرت دفته ، وولجت إلى داخل شبكة المعلومات ( الأنترنت ) ، فوجدت في صندوق البريد رسالتين :

الأولى : من المصرف الذي أودعت حسابي عنده ، وفيها : انه قد أودع في حسابي مبلغ وقدره كذا تحويلا من حساب فلان مع ذكر زمن ذلك .

الثانية : من المحكمة الابتدائية ، وفيها : أن الشركة ( س ) تقدمت بدعوى ضدي ضمن مجموعة من عملائها ، وهذا نصها : عند مراجعتنا لحسابات الشركة خلال عشرة أعوام وجدنا عجزاً مالياً ، وبتدقيق عقود الشركة وجدنا أن المدعى عليه قد اتفق مع الشركة على فك وتخزين ونقل وتركيب أثاث منزله ، ولم يسدد أجرة تلك الخدمة . نطلب الحكم عليه بدفع الأجرة وقدرها كذا ، أو إبراز ما يثبت تقدم السداد . انتهى

ولأني أعلم يقيناً أني قد سددت الشركة وقت تعاقدي معها فقد سارعت ـ وعلى الفور ـ بالبحث في ملف الوثائق والمستندات في نفس الجهاز فوجدت صورة الإيصال المطلوب ، ثم كتبت جوابي في النموذج المرفق برسالة الدعوى ، وأرفقت معه صورة سند القبض ؛ وفيه رقمه وتاريخه وقدر المبلغ واسم القابض وتوقيعه .

بعد ذلك فتحت موقع إدارة التوثيقات الشرعية أو ( الكتابة بالعدل ) كما يجب أن تسمى ، وقرعت باب التوكيلات القضائية لتوكيل المحامي المتفق عليه ، فانفتح أمامي نموذج لصك وكالة ، فقمت بتعبئة البيانات الخاصة بالموكل والوكيل والغرض من الوكالة ، ثم أكدت الطلب فظهر أمامي مربع ؛ نصه : إدخال البيانات تمَّ بنجاح راجع بريدك الإلكتروني .

ثم انتقلت من موقع التوكيلات إلى المبايعات فظهر لي نموذج لصك إفراغ ، فأدخلت بيانات البائع والمشتري ورقم وثيقة المنزل وقدر القيمة وصفة القبض ، وبعد تأكيد الطلب ظهر ذلك المربع ؛ وفيه : تم إدخال البيانات بنجاح راجع بريدك الإلكتروني .

وفجأة : انبثق من أسفل شاشة الحاسب نافذة صغيرة ؛ فيها : يوجد ثلاث رسائل في صندوق بريدك .

فتحت صندوق البريد فوجدت الرسالة الأولى والثانية من إدارة التوثيقات الشرعية تفيدان قبول طلبي التوكيل والإفراغ وتحديد موعد الحضور لدى الموثق أو ( الكاتب بالعدل ) للتوقيع على الإجراء .
أما الثالثة فمن المحكمة الابتدائية وفيها : لقد تم عرض جوابكم على الشركة المدعية فأفادت بصحة ما ذكرتم ، وقررت إسقاط دعواها ؛ مبدية أسفها على إزعاجكم ، وتشكركم على المعلومات الواردة في جواب الدعوى .

كل ذلك لم يستغرق سوى نصف ساعة ، والحديث مع صاحبي متواصل وذو شجون .

لا تنس ـ أخي القارئ ـ أن تعيد قراءة أول كلمة وردت في هذا المقال ، فالأمور تبدأ بفكرة ، ثم تشق طريقها في دروب الدراسة والتحليل ؛ لتنصب في قوالب التطبيق والتنفيذ .

قريباً ـ إن شاء الله ـ سنرى هذه الخدمة الإلكترونية في بلادنا فمثلها متحقق الآن في البنوك والاتصالات والبقية تأتي .

الفقير إلى عفو الودود ناصر بن زيد بن داود

عدد التعليقات : 1 | عدد القراء : 3584 | تأريخ النشر : السبت 9 ذو القعدة 1426هـ الموافق 10 ديسمبر 2005م

اضغط هنا للحصول على صورة المقالة

طباعة المقال

إرسال المقالة
المحكمة الإلكترونية تخيلت يوما ـ وأنا أنادم صديقا لي ؛ بعد أن ذهب بنا الحديث مذاهبه ، وأخذنا من حلو الكلام عجائبه ـ أننا تحدثنا في الخصوصيات ، فابتدأني الكلام عن منزلي الذي هجرت سكناه بعد ابتعاثي للدراسة خارج المملكة فأخبرته بخبره وبما انتهى إليه سومه ، فطلب شراءه بأعلى سومة ، فوافقته على ذلك ، واتفقنا على توكيل أحد المحامين لتخليص إجراءات المبايعة . فما لبث صاحبي أن أخرج هاتفه المحمول ، وانتقش من جانبه عصا أشبه بالقلم ، وأخذ ينقر على سطح شاشته عدة مرات ، ثم صوب نظره إلي قائلا : لقد أدخلت القيمة في حسابك كاملة . وكان جهاز الحاسب الآلي المحمول بجواري ، فأدرت دفته ، وولجت إلى داخل شبكة المعلومات ( الأنترنت ) ، فوجدت في صندوق البريد رسالتين : الأولى : من المصرف الذي أودعت حسابي عنده ، وفيها : انه قد أودع في حسابي مبلغ وقدره كذا تحويلا من حساب فلان مع ذكر زمن ذلك . الثانية : من المحكمة الابتدائية ، وفيها : أن الشركة ( س ) تقدمت بدعوى ضدي ضمن مجموعة من عملائها ، وهذا نصها : عند مراجعتنا لحسابات الشركة خلال عشرة أعوام وجدنا عجزا ماليا ، وبتدقيق عقود الشركة وجدنا أن المدعى عليه قد اتفق مع الشركة على فك وتخزين ونقل وتركيب أثاث منزله ، ولم يسدد أجرة تلك الخدمة . نطلب الحكم عليه بدفع الأجرة وقدرها كذا ، أو إبراز ما يثبت تقدم السداد . انتهى ولأني أعلم يقينا أني قد سددت الشركة وقت تعاقدي معها فقد سارعت ـ وعلى الفور ـ بالبحث في ملف الوثائق والمستندات في نفس الجهاز فوجدت صورة الإيصال المطلوب ، ثم كتبت جوابي في النموذج المرفق برسالة الدعوى ، وأرفقت معه صورة سند القبض ؛ وفيه رقمه وتاريخه وقدر المبلغ واسم القابض وتوقيعه . بعد ذلك فتحت موقع إدارة التوثيقات الشرعية أو ( الكتابة بالعدل ) كما يجب أن تسمى ، وقرعت باب التوكيلات القضائية لتوكيل المحامي المتفق عليه ، فانفتح أمامي نموذج لصك وكالة ، فقمت بتعبئة البيانات الخاصة بالموكل والوكيل والغرض من الوكالة ، ثم أكدت الطلب فظهر أمامي مربع ؛ نصه : إدخال البيانات تم بنجاح راجع بريدك الإلكتروني . ثم انتقلت من موقع التوكيلات إلى المبايعات فظهر لي نموذج لصك إفراغ ، فأدخلت بيانات البائع والمشتري ورقم وثيقة المنزل وقدر القيمة وصفة القبض ، وبعد تأكيد الطلب ظهر ذلك المربع ؛ وفيه : تم إدخال البيانات بنجاح راجع بريدك الإلكتروني . وفجأة : انبثق من أسفل شاشة الحاسب نافذة صغيرة ؛ فيها : يوجد ثلاث رسائل في صندوق بريدك . فتحت صندوق البريد فوجدت الرسالة الأولى والثانية من إدارة التوثيقات الشرعية تفيدان قبول طلبي التوكيل والإفراغ وتحديد موعد الحضور لدى الموثق أو ( الكاتب بالعدل ) للتوقيع على الإجراء . أما الثالثة فمن المحكمة الابتدائية وفيها : لقد تم عرض جوابكم على الشركة المدعية فأفادت بصحة ما ذكرتم ، وقررت إسقاط دعواها ؛ مبدية أسفها على إزعاجكم ، وتشكركم على المعلومات الواردة في جواب الدعوى . كل ذلك لم يستغرق سوى نصف ساعة ، والحديث مع صاحبي متواصل وذو شجون . لا تنس ـ أخي القارئ ـ أن تعيد قراءة أول كلمة وردت في هذا المقال ، فالأمور تبدأ بفكرة ، ثم تشق طريقها في دروب الدراسة والتحليل ؛ لتنصب في قوالب التطبيق والتنفيذ . قريبا ـ إن شاء الله ـ سنرى هذه الخدمة الإلكترونية في بلادنا فمثلها متحقق الآن في البنوك والاتصالات والبقية تأتي .
(1) - عنوان التعليق : لا تعليق

تأريخ النشر: الخميس 28 ربيع الأول 1429هـ الموافق 3 أبريل 2008مسيحية

نص التعليق

طباعة التعليق

إرسال التعليق
إرسال المقالة والتعليقات إلى صديق
التعليقات متاحة للزوار التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع