حقوق القضاة المعنوية

قضائيات استلمت وثيقة شهادة الدكتوراه من يد الأمير المحبوب صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبد العزيز آل سعود يحفظه الله أمير منطقة الرياض ، ثم سارعت إلى كتابة خطابين لكلٍ من معالي : وزير العدل ومعالي رئيس مجلس القضاء الأعلى ، مرفقٌ بكلٍ منهما صورةً مصدقةً من الوثيقة ، أزُفُّ في الخطابين البشرى بحصول أحد أبناء الجهاز القضائي على شهادة العالمية العالية ، وما هي إلا بضعة أيام حتى تلقيت خطاباً غالياً من معالي وزير العدل وفقه الله ؛ يهنئ فيه بإدراك تلك الدرجة العليا ، ويدعو فيه بدعواتٍ رقيقاتٍ . أسأل الله أن لا يحرمني وإياه وجميع المسلمين من قبولها واستجابتها .



عندها أدركت : أن القضاءَ لن يزال بخيرٍ ما دام ذلك الرجلُ وأمثاله يَلُونَ أَمْرَه ، وكان لذلك التفاعل من معاليه أَثَرُهُ البالغُ في نفسي ؛ فجزاه الله عني خير الجزاء وأجزله ، وقد ظهر أثر ذلك وانعكس على ما بذلته وزملائي في إنجاز اللوائح التنفيذية لنظام المرافعات الشرعية ، وفي بذل الوسع للتحضير للوائح التنفيذية لنظام السجل العيني للعقار ؛ التي أتمها الله على أيدي رجالٍ من أفاضلِ القضاة نفع الله بهم .



من ذلك رأيت لزوم الكتابة عن حقوق القضاة المعنوية ؛ لما لها من أثرٍ ظاهرٍ على الأداء وحسن سير الأعمال في جميع القطاعات ، وأوجزت ذلك في أمور :



أولاً / اللقاءات الخاصة :

يعمد بعض القضاة إلى زيارة المسؤولين في وزارة العدل ومجلس القضاء الأعلى بقصد السلام فقط ، أو التهنئة بالعيد ، أو بسلامة الوصول من سفر ونحوه ؛ سواءٌ : في الرياض ، أو في الطائف .

وهذه زيارات مجاملة يتقنها البعض ؛ وإن كانت على حسابِ أعمالهم وأجزاءَ غاليةٍ من أوقات دوامهم .

ولله در المسؤول الذي يجعل مكان مثل هذه الاستقبالات في منزله مرة أو مرتين كل أسبوع .

أما اللقاءات المقصودة فهي التي يُرَادُ منها مصلحة القاضي بطلب نقلٍ ونحوه ، أو مصلحة العمل بطلب مشورة أو شرحِ موقفٍ ما ، والتي يحتاج القاضي فيها إلى لقاءٍ مختصر وخلوة بالمسؤول لا تطول عادة .

ولو أدرك المعنيون بالأمر أهميتها وأثرها في نفوس القضاة لما تأخروا عن تحقيقها ، بدلاً عن إدخال بعض القضاة في مجموعات أو برفقة المراجعين من أصحاب المعاملات ؛ الأمر الذي يمنع القاضي من الإفصاح بكل ما لديه ، فيعود أدراجه لم يدرك شيئاً ، ولم يسلم من عناء الأسفار وهدر الأوقات بلا فائدة .



ثانياً / قرارات التدقيق :

أدركت وزملائي الرعيلَ الأولَ من قضاة محكمة التمييز والهيئة القضائية العليا ، وطَعِمنا حلاوةَ تعبيراتهم في تدقيق الأحكام ، وقت أن كان التعامل بين القاضي وبين جهات التدقيق تعاملاً مهذباً ؛ سواءٌ : في التعبير عن الملحوظات ، أو : عن تصديق الأحكام ، لقد كانت تلك التعبيرات ممزوجةً بالتماس الأعذار عند الاستدراك على القاضي ، ومُتَوَّجَةً بعبارات الثناء على ما يقوم به القاضي من جهدٍ وحسن إدراك مُوصِلٍ للحكم الصائب ، ولم نكن نتلقى العبارات القاصرة والتعبيرات الجوفاء مثل ( لم نجد ما يوجب النقض ) أو ( لم نر ما يوجب الملاحظة !! ) هكذا !! ، مع أن التعبير بلفظ ( الملاحظة ) عن الملحوظة خللٌ ظاهر ، وخطأٌ لغويٌ سافر ؛ فالملاحظة صيغة مفاعلة تكون من جانبين ، بخلاف الملحوظة التي لا تكون إلا من جانب واحد .

أما عبارات التصديق الأصيلة فمنها ( قررت الهيئة صحة الحكم ) ومنها ( قررت الهيئة أن الحكم صحيح وموافق للأصول الشرعية والنظامية ) ونحو ذلك .

ومن حقوق القضاة المعنوية العودة إلى فيض ذلك المعين الصافي ، الدافع للإبداع ، المُسعِدِ للأسماع .



ثالثاً / التفتيش :

إذ يشتكي كثيرٌ من القضاة من أخلاقيات قِلَّةٍ من المفتشين عند التحقيق في قضية ما ؛ ولعل ذلك بسبب شيوع مبدأ لبعض رموزهم البائدة ، وهو أن ( القاضي متهمٌ حتى تثبت براءته ) لا العكس ؛ الذي نصت الشرائع على صحته ولزوم تطبيقه في حَقِّ كُلِّ مُتَّهَمٍ .

ويذكر ضحايا تلك السجايا الشاذة : أن المفتش يأتي مشحوناً بالانفعالات ، محملاً بالتوجيهات ؛ لِتَطَلُّبِ العثرات ، واستنباط الزَّلاَّت ؛ ولو باللجوء إلى إغراء أو تهديد القاضي أو موظفيه ؛ لَعَلَّه يدرك شيئاً فينفخ فيه لتضخيمه .

ونحمد الله أن ذلك غيرُ شائعٍ فيهم ؛ وإن كان موجوداً حقيقةً ، ولقد أدركت ثلاثةً من خيرة أسلافهم ؛ يقعون على الحسنة كما يقع النحل على الأزهار ، ويشيدون بما يرون من تَمَيُّزٍ ، ويلتمسون الحلول لما قد يرون من قصور ، بارك لهم في أعمالهم وأعمارهم وذراريهم .

ومن حقوق القضاة المعنوية التأدب معه ومع موظفيه ، كما ينبغي أن يفعله القاضي مع الخصوم سواءً بسواء ولا فرق ! .

وليعلم أولئك القلة الشاذة أن ما يحقق المصلحة العامة هو : خلوص النية لله في أداء العمل ، لا الانقياد للاجتهاد الموجَّه من هنا وهناك ، فقديماً قال الشاعر:

إذا لم يكن عونٌ من الله للفتى = فأوَّلُ ما يجني عليه اجتهاده



رابعاً / المشاركة في القرارات :

يَعْمَدُ الكثير من الدوائر في سبيل تطوير أدائها إلى استطلاع رأي منسوبيها ؛ لمعرفة آراء ذوي الاختصاص في مناطق عدة ، ومن مجموع تلك الاقتراحات - مضافاً إليها الخبرات العالية والتجارب الطويلة للمسؤولين - يُمكِنُ صياغة القرارات ، وابتداع الأنظمة المناسبة الجامعة لكثيرٍ من المزايا الخالية من الكثير من الأخطاء .

غير أن العمل لدينا جارٍ على خلاف ذلك ؛ إذ لم يسبق لمجلس القضاء الأعلى أن استطلع آراء جميع القضاة في أيٍ من أمور القضاء ، كما لم يسبق للمجلس أن بعث أيَّ استبيان حيال الإجراءات ، أو : بشأن توحيد الاجتهاد في أيٍ من الأحكام ، وقد يكون مرد ذلك إما : للثقة المطلقة بما يراه أعضاء المجلس فقط ، أو : لعدم الثقة أصلاً في رأي أفراد القضاة ، وقد ينضاف إليهما : الخشية من استمراء القضاة تلك المشاركات ، مما قد يؤدي إلى الاعتراض منهم مستقبلاً على ما لم يشاركوا في صُنعِه أو يُسْتَفْتَوا بشأنه .

وتلك - لعمري - الداهية الدهياء !!! .



فمن حقوق القضاة المعنوية المشاركة في صنع الحلول ، وصياغة الأسباب ، واستنباط العلل ، وافتراض الأحكام المناسبة ، وتكوين مدونة السوابق القضائية .

فهل نُضيء للقضاء والقضاة شموع الأمل في نهاية النفق المظلم ؟! . | عدد القراء : 3434 | تأريخ النشر : السبت 8 ربيع الثاني 1427هـ الموافق 6 مايو 2006م
طبعت هذه المقالة من ( مركز الدراسات القضائية التخصصي - قضاء )
على الرابط التالي
http://www.cojss.com/article.php?a=25
+ تكبير الخط | + تصغير الخط
اطبع