(( دروس من تاريخنا القضائي الحاضر ))

قضائيات في كل مرة يُعلن فيها عن تعيين مسؤولٍ أو استبداله ينقسم الناس بين مؤيِّدٍ ومعارضٍ ومتوقف ، والمعارض في العادة شخصٌ تغلب عليه طيبة القلب وكرم النفس وصدق الولاء ، ولكنه يفتقد بُعدَ النظر وقوة الحسم والتجرُّد التام للمصالح العظمى ، وحديثنا اليوم موجَّهٌ له وللمتوقف الحائر .





= إنَّ في التاريخ الإسلامي شواهدَ وأحداثاً كثيرة ؛ لو تُرِكَ للعواطف أن تتحكَّم فيها لما قامت ، ولما ظهر للناس الحِكَم العِظام من تلك التصرفات المصلحيَّة في التعيين والعزل .



- ولعل أهم حادثتين وقف عندهما التاريخ وقفة تأمُّلٍ وترقُّب هما :-



الأولى/ حادثة تقليد أسامة بن زيد قيادة جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غزو الروم وهو ابن ثمانية عشر عاماً ، وفي الجيش عمر بن الخطاب وغيره من كبار المجاهدين من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين .



الثانية/ حادثة عزل أمير المؤمنين الفاروق لخالد بن الوليد رضي الله عنهما من إمارة قنسرين شمالي بلاد الشام ومن قيادة الجيش في فتوح الشام ، وخالدٌ هو من قال فيه عليه الصلاة والسلام ( اللَّهُمَّ !، هُوَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِكَ ، فَانْصُرْهُ ! ) .



- لقد استنكر الأنصار تولية أسامة ، وطلبوا أن يُستبدل به من هو أقدم سناً منه ، فلم يَستجب لهم الصديقُ رضي الله عنه ، كما واجه الفاروق معارضةً على عزله سيف الله المسلول ، فلم يلتفت لمن عارضه ، وكانت الحكمة متجليةً في الحادثتين ، ولم تتبين للمعارضين إلا بعد حصولها .





= وفي تاريخنا القضائي المعاصر يحدث بين الحين والحين تغييراتٌ في القيادات القضائية ، نَحَار نحن في بعضها ، ونستبطئ بعضها الآخر ، غير أنَّ من يُمعن النظر في تلك القرارات يعجب لحكمة الله أولاً في تقديرها ، ثم في توفيق الله لولي الأمر في العزم على اتخاذها والحزم في الإقدام عليها ، وهي مما يختلف عليها الخاصة قبل العامة .



- وابتعاداً بمقالنا هذا عن احتفاليات الشامتين وبُكائيات الحَزانى : فلن نتحدث عن موضوع تلك القرارات ، بل سنركز على انتقاش الدروس والعِبَر من تلك الأحداث ، فنقول :-





أولاً/ لابد للمسلم من تقديم النظر إلى المصلحة العظمى قبل تسليط الضوء على أفراد تلك الأحداث ؛ فإنَّ قدوم شخصٍ ورحيل آخر لا يعنيان في ميزان الأمم شيئاً ، فكلا الأمرين لا يعدو أن يكون مُسَرِّعاً أو مُبَطِّئاً لعجلة التقدم ، أما مصير الأمة فهو محسوم بغير مَقدم هذا ولا رحيل ذاك .





ثانياً/ أنَّ على المنصف أن يعلم : أنَّ الراحل - إن كان ذا نفعٍ متجددٍ - فسيجد مجالاً جديداً يُظهر فيه نفعه ؛ متى توافرت الهمة وصدقت النية ، فالفشل عند العظماء درجةٌ من درجات تصحيح المسار ، وَحَجَرُ صُعُودٍ إلى قمم النجاح .





ثالثاً/ أنَّ الله لم يجعل مصالح عباده معلقةً بأعيان الأشخاص ، وإلا لما قضى بالموت على خيرة خلقه من الأنبياء والرسل ، ومن هذا المنطلق : فإنَّ من مات أو عزل أو استبدل بغيره : فإنَّ الله سيجعل في خَلَفه خيراً لعباده إن استحقوا المِنَّة عليهم بمن هو خير ؛ قال جل ثناؤه { وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ } .





رابعاً/ أنَّ الله حين يبتلي عباده بِخَلَفٍ هو شرٌ ممن سبقه : فما ذلك إلا بذنبٍ استحقوا أن يُبتَلَوا عليه ؛ ليتذكروا ويصلحوا أمرهم ، فتعود الكرة لهم ؛ قال تعالى { فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا } .





خامساً/ أنَّ الله يهدي عباده طريقي الخير والشر ، ثم ينظر كيف يعملون ؛ إمعاناً في الابتلاء لهم ولمن ابتُلِيَ بهم ، ثم إنَّ ما يصدر منهم بعد ذلك من خيرٍ وصلاحٍ ، أو مما يرونه شراً في الظاهر : كله خيرٌ لجميعهم ؛ إما لرفع درجاتهم ، أو محو سيئاتهم ، أو لدفع البلايا العظام عنهم ؛ متى شكروا في سرائهم ، وصبروا في ضرائهم .





سادساً/ أنَّ الله حين يُؤتِي عباده الصالحين من الولايات ما يُمَكِّنُهُم بها أن يرفعوا من درجاتهم في الدنيا والآخرة بما ينفعون به العباد والبلاد : فإنه لا يُوحي إليهم بكل ما يفعلون وما يَدَعون ، بل إنه تبارك وتعالى يترك أمر الإقدام على الأفعال والإحجام عنها لهم ولمن يستنصحون برأيه ومن يستعينون به .





سابعاً/ أنَّ توفيق الله لمن تقلد الولايةً لا يبلغ تمامه إلا إذا أحسن اختياره لأعوانه ؛ قال عليه الصلاة والسلام ( مَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ عَمَلًا ، فَأَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا : جَعَلَ لَهُ وَزِيرًا صَالِحًا ؛ إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ ، وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ ) .





ثامناً/ أنَّ علامة سوء خاتمة صاحب المنصب أن يُسِيءَ اختيار أعوانه ، ثم يَنطرح بين أيديهم كالميت بين يدي الغاسل ؛ جاء في تتمة حديثٍ بمعنى الحديث السابق قول خير البرية صلى الله عليه وسلم ( .. وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ : جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ سُوءٍ ؛ إِنْ نَسِيَ لَم يُذَكِّرْهُ ، وَإِنْ ذَكَرَ لَم يُعِنْهُ ) .





تاسعاً/ أنَّ عزل صاحب المنصب ليس شراً محضاً ، بل هو تذكيرٌ له بخطئه ، وتمكينٌ له بتعجيل توبته ، قال عليه الصلاة والسلام ( إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) .





عاشراً/ أنَّ ما يحصل من ابتلاءٍ لكل ذي ولاية درسٌ لمن يأتي بعده ؛ حتى لا يَغتر بنفسه كما فعل من سبقه ، وكيلا يقع في الحبائل التي وقع فيها من قبله ، ولئلا ينتهج الطريق التي سلكها ولا ما يماثلها ، ولو أنَّ مُتقلدي المناصب تذكروا سِيَرَ من سبقوهم : لقللوا من فُرَصِ فشلهم ، ولزادوا من إمكانات نجاحهم ، ولتمكَّنوا من أن ينفعوا غيرهم كما أريد منهم .





حادي عشر/ أنَّ من بَهَرَ المنصبُ لُبَّه ، وخلب عقله ، وغفل عما لَحِقَ بمن قبله : سيلقى من المصير الماحق أسوأ مما نزل بأسلافه ؛ لعدم اعتباره بما حلَّ بهم ؛ قال عز وجل { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا } .





ثاني عشر/ أنَّ على من ابتُلي بمثل هؤلاء المُسيئين لمناصبهم - من عامة الناس وخاصتهم - أن يتيقنوا أنَّ الله يعلم المُفسد من المُصلح ، وأنَّ الله لهم جميعاً بالمرصاد ، وأنَّ الله يُملي للظالم منهم حتى إذا أخذه لم يُفلته .





ثالث عشر/ أنَّ الله سبحانه وتعالى لا يُضيع أجر المصلحين ، فمن استعان بالله من الولاة على أداء أمانته ، وصدق في قصده ، وحرص على اتخاذ أسباب ذلك : فهو حريٌ بكل خير وتوفيق ، وكذلك المُولَّى عليهم إذا صلحوا ؛ قال جلت عظمته { وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ } .





http://www.cojss.com/vb/showthread.php?9768 | عدد القراء : 3537 | تأريخ النشر : الأحد 2 جمادى الأولى 1433هـ الموافق 25 مارس 2012م
طبعت هذه المقالة من ( مركز الدراسات القضائية التخصصي - قضاء )
على الرابط التالي
http://www.cojss.com/article.php?a=355
+ تكبير الخط | + تصغير الخط
اطبع