بيئات العمل القضائي

قضائيات ‎كانت أيام الدوام ستة أيام في الأسبوع بداية من يوم السبت حتى نهاية دوام يوم الخميس، وفي اليوم الحادي عشر من شهر شوال عام 1395 صدر الأمر الملكي بجعل يوم الخميس إجازة أسبوعية مع يوم الجمعة، وكان لهذا القرار وقعٌ مؤلمٌ على طالبٍ لا يزال في السنة الثانية الجامعية؛ لأني كنت أعاني من الفراغ في يوم الجمعة؛ متمنياً لو لم يكن إجازة، فكيف ينضم إليه يوم آخر.

‎
كانت معاناتي من الإجازة قبل ذلك تتضاعف في عطل الأعياد والإجازة الصيفية، مع أني سريعاً ما أتدارك الأمر في إشغال الوقت بارتياد حراج ابن قاسم، يرحمه الله، شمالي المسجد الجامع الكبير في وسط الرياض؛ متنقلاً بين باعة الكتب والمجلات؛ فأشتري بكل ما كسبته من هدايا

‎النجاح كتباً ومجلات أشغل بها الفراغ الطارئ.



‎
وكنت لا أعلم سبب ارتباطي ببيئات دراستي في

‎المراحل الأربع الدنيا، إلا أن علاقتي بزملائي وأساتذتي كانت جيدة جداً، وكذا بمواد الدراسة وواجباتها المنزلية.

‎
وعند التحاقي بالعمل القضائي امتد ذلك الشعور معي؛ بارتباطي بعملي ارتباطاً تركت معه التمتع بالإجازات السنوية حتى توافر لي من الإجازات الشهرية عند تقاعدي أكثر من ستة وعشرين شهراً؛ لما ينعم به القاضي من استقلال صادق وقت إدارة الشيخ عبدالله بن حميد، ثم الشيخ إبراهيم آل الشيخ، ومن بعده الشيخ محمد بن جبير، رحم الله الجميع.

‎
كانت البيئة القضائية وقتها بيئة جاذبة؛ لولا التحوطات التي كانت القيادة القضائية تتخذها عند ابتداء تعيين القضاة، والتي جعلت كثيراً من المراتب الدنيا والمتوسطة شواغر؛ لتزاحم القضاة في المراتب العليا مما جعل القاضي يمكث أضعاف أضعاف المدة المقررة للترقية من رئيس محكمة (أ).

‎
ومن المعلوم أن بيئات العمل في القطاع العام هي أنسب البيئات لانتشار الأمراض النفسية والاجتماعية؛ كالنرجسية والسادية الإدارية، والمحسوبية وإعمال الواسطة في التعيين والترقية وسائر الخدمات الإدارية العليا.

‎
ولأن بيئة العمل القضائي واحدة من تلك البيئات فقد تحولت من بيئة جاذبة لتنضم في عداد بيئات العمل الطاردة؛ حتى صدر نظاما القضاء وديوان المظالم ومعهما آلية العمل التنفيذية لكليهما، ولحقهما مشروع التطوير القضائي الذي جلب معه مئات الوظائف القضائية، فتنفس القضاة الصعداء، وانفرجت المراتب القضائية عن بعضها، ولم يعد يتزاحم القضاة مع بعضهم عند استحقاق الترقية، فانقلبت البيئة من طاردة إلى جاذبة، فدخل إلى الكيان القضائي ضعف ما فيه من قضاة خلال بضع سنوات.

‎
ومن الطبيعي أن يصاحب هذه العشوائية والعجلة في التعيين بعض الأخطاء التي جعلت الوظائف القضائية الدنيا أكثر من نصف الكادر القضائي، فافتقد القضاة الشباب من يلجؤون إليهم من قدماء القضاة في استشاراتهم، وفي الاقتداء بسمتهم، وفي انتهاج مسالكهم في حصر الخلافات وطرق معالجتها وانتقاش الحلول، ثم ما لبث الحال أن عادت موجة الاستقالات لمرفق القضاء لسببين:
الأول/ الأهداف المادية البحتة؛ حيث وجد طالبو الاستقالة أن العمل في المحاماة خير لهم من العمل القضائي، وبعضهم أمَّل في تخصيص مهام التوثيق فرصة لزيادة المداخيل، وبعضهم خاض معترك التحكيم ليوفر عليهم جهوداً كبيرة ويؤمن لهم دخولاً أكبر.
وهؤلاء بلا شك تأثروا بأخبار زملائهم السابقين؛ الذين استقالوا أو تقاعدوا واتجهوا نحو المحاماة، فبان عليهم آثار ارتفاع مستويات الدخل الفارقة في أشخاصهم وأحوالهم.

‎
السبب الثاني/ الأهداف المعنوية البحتة؛ حيث لم يجد طالبو الاستقالة المناخ الملائم للعمل، فطلبوا الاتجاه لأعمال أخرى يحققون فيها ذواتهم، فمنهم من اتجه لإدارة أمواله أو أموال أسرته، ومنهم من اتجه إلى التعليم في الجامعات، ومنهم من اتجه للمحاماة المرشدة؛ يكتفي بمعالجة قضيتين أو ثلاث في العام الواحد، محققاً بها قريباً من دخله وهو على رأس العمل الحكومي بجهدٍ أقل، وراحة أكبر.

‎
وهؤلاء بلا شك عانوا كثيراً من سوء معاملة رؤسائهم، أو من تباطؤ تحقيق طلبات نقلهم.
من كل هذا: وجب على القيادة القضائية أن تستنج من دواعي تجدد موجة الاستقالات ما يحتاجه القضاة من أمور تدعو لاستقرار الكيان القضائي؛ لئلا تضيع سدى جهود تهيئتهم للقضاء خلال سنوات الملازمة وما بعدها، ولن يتحقق ذلك إلا بثلاثة أمور:

‎
أولاً/ المزايا المالية:
حيث يظن الكثير من الناس أن القاضي يتمتع بميزات مادية لا يصل إليها غيره من موظفي القطاع العام، وهذا الظن ليس بدقيق، فالقاضي ليس له غير مرتبه الشهري الذي يساويه فيه كثير من الموظفين العامين في الوقت الذي لا يتساوون معه في الواجبات والمزايا.

‎
فأساتذة الجامعات مثلاً يساوونهم في قدر المرتب الشهري، مع أن المطلوب من القاضي أن يعمل خمسة أيام في الأسبوع بواقع سبع ساعات كل يوم، وأستاذ الجامعة يمكنه نظام الجامعات أن لا يعمل إلا ثلاثة أيام فقط في الأسبوع، كما يمكنه النظام أن يختار الساعات التي تناسبه من بين ساعات النهار والليل المتاحة للعمل في الجامعة، أما ساعات عمله فلا تصل إلى ساعات عمل القاضي في يومي عمل قضائي فقط.

‎
وحتى يصل القاضي إلى مستوى أستاذ الجامعة لا بد له أن يحظى ببدلات مشابهة لما يصرف لأساتذة الجامعة، وأن يؤمن له السكن الذي يلتهم أكثر من ثلاثين في المائة من مرتب القاضي.

‎
الثاني/ المزايا المعنوية:
قديماً قال الشاعر:
 لا خيل عندك تهديها ولا مال 
 فليسعد النطق إن لم يسعد الحال
اعتادت القيادة القضائية في بعض مراحلها على أن لا تسعد بحال ولا بنطق واستبدلت الإسعاد بالقسوة والغلظة تغطية لعجزها عن توفير بيئات جاذبة للعمل القضائي، وهي وإن كانت معذورة في بعض الأزمنة إلا أن أزمنة خير ورفاه مرت على البلاد استفاد منها كثير من القطاعات الحكومية إلا القضاء بقي منزوياً عن اجتلاب ما يسر القضاة ويسعدهم، والله أعلم بأسباب إحجام القيادة عن ذلك مع تيسره وإمكان حصوله.

‎
الثالث/ سن الأنظمة الواقية من التسرب القضائي، ولعل أهمها: استثناء القضاة المتقاعدين قبل إكمالهم عشرين عاماً في الخدمة القضائية من منح تراخيص المحاماة، والتوثيق، والتحكيم، وسائر الخدمات القضائية، ولهذا الموضوع حديث آخر ذو شجون.
 | عدد القراء : 419 | تأريخ النشر : الأحد 7 رمضان 1437هـ الموافق 12 يونيو 2016م
طبعت هذه المقالة من ( مركز الدراسات القضائية التخصصي - قضاء )
على الرابط التالي
http://www.cojss.com/article.php?a=394
+ تكبير الخط | + تصغير الخط
اطبع