التقنين بين الإقدام والإحجام

قضائيات في العصور اللاحقة للقرون المفضلة الأولى - وحتى عصرنا هذا - كان للجمود والركون إلى الموروث البشري دولةٌ ورجال ؛ أوجبوا التقليد ، وَحَرَّمُوا الاجتهاد ، وحجروا على دعاة الإصلاح والمجددين ؛ بل سجنوهم ، وجلدوهم ، وطردوهم من ديارهم ، وما نقموا منهم إلا أنهم أقدموا حيث أحجم الباقون عن معالجة قضايا الأمة المتجددة ، فأفتوا في النوازل ، ونقدوا أوضاعاً سائدةً في مجتمعاتهم مخالفةً لمقتضى الدليل الشرعي ؛ ذلك المقتضى الذي يتجلى عند تطبيق الدليل وتعليله وغايته ومقصده على الحوادث والنوازل الطارئة ، دون النظر إلى المقتضى المُوَرَّثِ من خَلْفٍ لِمَن بعده عارياً عن التدليل والتعليل ، وغيرَ موافقٍ لغايات الشريعة ومقاصدها .



ومن آلاء الله على عباده : أنه لا ينفك عصرٌ ولا مصرٌ من هؤلاء الأفذاذ الصابرين الصامدين ؛ فضلاً من الله ونعمة ، فحفظ الله لهم سعيهم ونفع به من بعدهم ، وضاع في ركام السنين سعي من ناوأهم . وتلك - لعمري - عبرةٌ لمن يعتبر !.



ورحم الله القائل :

ولا يُعرفُ الإحجامُ إلا عن الخنا = ولا يُنكرُ الإقدامُ إلا على الذَّمِّ




= ففي عصر النبوة : أقدم بعض الصحابة على الكتابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ما يرونه أو يسمعونه منه ؛ ليحفظوا للأجيال القادمة سيرة نبيهم عليه الصلاة والسلام ، فخشي النبي صلى الله عليه وسلم أن يشغلهم ذلك عن القرآن الكريم فمنعهم أول الأمر بقوله صلى الله عليه وسلم ( لا تَكْتُبُوا عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ ، وَمَنْ كَتَبَ عَنِّي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ ) ، ثم أذن عليه الصلاة والسلام لهم فيه ؛ روى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : كُنْتُ أَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ أَسْمَعُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيدُ حِفْظَهُ ، فَنَهَتْنِي قُرَيْشٌ ، وَقَالُوا : أَتَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ تَسْمَعُهُ ؛ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَرٌ يَتَكَلَّمُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا . فَأَمْسَكْتُ عَنْ الْكِتَابِ ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ ، فَقَالَ : اكْتُبْ ؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلا حَقٌّ ) قال عليه الصلاة والسلام تلك المقولة مقرونةً بتعليلٍ يدفع لمضاعفة الجهد في تحقيق المطلب ، فجزاه الله خير ما جزى نبياً عن أمته .



= وفي عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه : أقدم الخليفة الراشد على قتال المرتدين مانعي الزكاة في حادثة مشهورة شهدت اعتراضاً حاداً من كبار الصحابة على قتالهم ، فكتب الله النصر والتمكين لدولة الإسلام .



= وفي عهد عمر الفاروق رضي الله عنه : أقدم قادة الفتح الإسلامي على نشر الإسلام في أقاليم العراق والشام ومصر خلال بضع سنين ، مع ما في ذلك من المخاطرة بجيوش المسلمين فيما لو توحد أعدائهم فباغتوهم من خلفهم .



= وفي عهد عثمان ذي النورين رضي الله عنه : أقدم الخليفة على جمع الناس على مصحفٍ واحدٍ ، وحرَّق ما سواه من المصاحف ، فاجتمعت الكلمة وزال الخلاف ، ولم يفت الأمةَ شيءٌ مما في المصاحف المحروقة ؛ فقد نقل إليها بالأسانيد .



= وفي عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه : أقدم الخليفة على قتال الخوارج والبغاة من المسلمين ، فظهرت بذلك أحكامٌ لم تكن لتظهر لولا إقدامه رضي الله عنه على ذلك .



= وفي عهد الحجاج بن يوسف الثقفي : أمر علماء عصره بوضع أصول علم النحو ، بعد أن فشا اللحن في كلام العرب مع اتصالهم بالفرس والروم ، فلم يحجموا عن تلك المهمة ، وحفظوا للأمة ولدينها لغةَ القرآن الكريم صافيةً خالصة .



= وفي عهد المنصور العباسي : أقدم إمامُ دار الهجرة مالكُ بنُ أنسٍ رضي الله عنه على تدوين ( الموطأ ) في أحكام الشريعة ، وتوالى بعده إقدام العلماء على التأليف والتدوين في جميع الفنون .



= بل إن إقدام علماء القرون الأولى وصل إلى : تنقيط المصحف ، وتشكيله ، وتحليته بعلامات الوقف والوصل ، وتحزيبه ، وتجزئته ؛ في خطوة لم تكن لتحظى بموافقة من بعدهم لو أريد لها أن تكون ابتداء في عصرنا هذا .



= ولله در الموفق ابن قدامة المقدسي الذي دَوَّنَ في الفقه أربعة كتبٍ ؛ كل كتابٍ يناسب مرحلةً من مراحل التعليم في زماننا هذا ؛ حيث جعل - رحمه الله - كتابه ( العمدة ) للمبتدئين ، وكتابه ( المقنع ) للمتوسطين ، وكتابه ( الكافي ) لما يسمى عندنا : المرحلة الثانوية ، وكتابه ( المغني ) لما نسميه : المرحلة الجامعية .



وقد راعى العلماء - رحمهم الله تعالى - في تآليفهم الاختصار حيناً والإسهاب حيناً آخر ؛ لأنَّ لكل نوعٍ غاية ؛ فالمختصرات أسهلُ للحفظ ، والمطوَّلات أوعبُ للتفاصيل .



وبلغ الأمرُ بِثُلَّةٍ من العلماء : أن أقدموا على تأليف المختصرات في العلوم منظومةً أحكامها في أبياتٍ شعرية ؛ ليسهل حفظها على طلبة العلم ، وسواءٌ في ذلك : علوم العربية ، والقراءات ، ومصطلح الحديث ، والفقه ، والفرائض ، وغيرها .



والمتونُ الفقهية المسرودةُ نثراً تحوي كلُّ جملةٍ منها حكماً فقهياً ، والمتونُ المنظومةُ شعراً يحوي كلُّ بيتٍ منها حكماًً فقهياً كذلك . وهذه المتون - التي توالى إخراجها على مر العصور - ما كانت لتظهر لولا إقدام أولئك الرجال على تأليفها ، والتصدي لابتداعها ؛ باذلين الجهد والوقت والمال في سبيل ذلك . جعله الله في موازين حسناتهم .



ولست أرى فرقاً بين تلك المتون الفقهية وبين القانون - المطلوب استمداده من أحكام الشريعة الإسلامية الغراء - سوى تخصيصِ القانونِ كلَّ حكمٍ فقهيٍ برقمٍ تحت مسمى ( مادة ) ؛ لتسهلَ الإشارةُ إليه في الحكم ؛ على وجهٍ أضبط وأدق من ذكر الباب والفصل ، أو الجزء والصفحة ورقم السطر .



= فهل هذا الفرق في القانون مدعاةٌ لمحاربته ونبذه والتنفير والتحذير منه ؟.



= وهل ترك المسلمون الأوائلُ التأليفَ الذي سبقهم إليه الفرس والروم والهند والصين لمجرد أنَّ في ذلك تقليداً لهم ؟.



= وهل نستطيع القولَ : أنَّ جميعَ أمم الأرض التي طبقت القوانين قد فشلت في تطبيقها ؟ ، ونحن نرى انضباطَ أمورِ بلادهم - فيما بينهم - انضباطاً يحسدهم عليه غيرهم ، ويقلدونهم فيما يقدرون عليه منها ، وهم الذين قال عنهم الرب جل وعلا في كتابه العزيز ( يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) .



= وهل فشل دولةٍ أو اثنتين يقضي بفشلِ المشروعِ كله ؟.



= وَلِمَ لا يكون الفشلُ محصوراً في سوء التطبيق للقانون لا في أصل المشروع ؟.



= وعلى فرض حصوله في تلك الدول ، فهل يعني ذلك أنَّ الفشلَ لازمٌ لجميع الدول ؟.



= ثُمَّ ألا يجوز خوضُ تجربةٍ جديدةٍ خاليةٍ من سلبيات تجارب الأمم السابقة ؟.



= وهل عدمُ التقنينِ أرحمُ من حصوله ؛ ونحن نرى التفاوتَ في الأحكام الجزائية ، والاضطرابَ في أحكام القضايا الأخرى في درجات التقاضي الثلاث جميعها ؟.



= وما هي البلادُ التي نجحت مع عدم التقنين ؛ حتى يمكنَ الاستئناسُ بوجود تجربةٍ عدميةٍ ناجحة ؟!.



إني لأرجو أن لا يكون الجوابُ عن السؤال الأخير هو : أن بلادنا هي التي نجحت مع عدم التقنين !!! ؛ لأنَّ تلك مغالطةٌ ظاهرة ؛ فبلادنا - بفضل الله ثم بفضل حكمة قادتها - استطاعت أن تسايرَ الحضارةَ الحديثةَ خلال أقل من خمسين عاماً ، وأن تنجحَ في مجالاتٍ كثيرةٍ ، منها : التعليم ، والأمن ، والإدارة المحلية ، والطب ، والصناعات المختلفة وغيرها ؛ إلا أن المؤسسةَ القضائيةَ فيها عجزت عن تطوير نفسها وعن استيعاب أنواعٍ من القضايا الطارئة ؛ بسبب موقف قياداتها الرافض العمل بالقوانين والأنظمة ، مما أحدث في بلادنا - اليوم - أكثرَ من ثلاثين جهةً قضائيةً ونحواً من ثلاثين نظاماً وقانوناً يُقضى بها خارجَ المؤسسة القضائية الأصل ؛ بحسب ( دليل الجهات القضائية في المملكة العربية السعودية ) الصادر عن الإدارة القانونية بالغرفة التجارية الصناعية بالرياض بالتعاون مع : المعهد العالي للقضاء بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ، وبحسب ما جاء في ( مجموعة الأنظمة السعودية ) الصادرة عن هيئة الخبراء بمجلس الوزراء .



= فأيُّ نجاحٍ وراء هذا التفتيت والتشرذم والتشتيت ؟.



= وأيُّ فشلٍ أكبرُ من هذا التضاؤلِ والتقازمِ والخُبُوِّ ؟.



= أمَا نعتبر بدولٍ شقيقةٍ وقفت أمام تقنين أحكام الفقه الإسلامي كما نقف نحن اليوم ، فآل أمرها إلى تهميش أحكام الشريعة واستبدال القانون الوضعي بها حتى الساعة ؛ في خطوةٍ هي وصمةُ عارٍ في جبين من تسبب في حصولها ؟.



= أمَا نرعوي ؟ ، فنجعل جهدنا فيما يُصلحُ أمرَ أمتنا ، بدلاً عن : المهاترات ، والتطاحن ، وَكَيْلِ الاتهامات ، واللمز بالمعائب ، واختلاق النقائص لمن يخالفنا من إخواننا !.



إن مَثَلَنَا وَمَثَلَ إخواننا - مع قضايا أمتنا - كمثل رجلين أدركا ثالثاً يوشك أن يقضيَ من شدة العطش ، فأراد الأولُ أن يجلسه ؛ ليسقيه جرعةَ ماءٍ من كأسٍ نظيفٍ ، فأنكر عليه صاحبه ؛ مكتفياً بأن توضعَ قربةُ ماءٍ فوق رأس الرجل الطريح ، ليقوم هو بحل وكائها والشرب منها ؛ مع أنه لا يستطيعُ حتى تحريكَ أجفانه من شدة الجفاف الذي سببه له العطش .



= كيف لمثل هذا الصَّديَانِ : أن يتحركَ ، فضلاً عن أن يقومَ بحل الأوكية ، ورفع القربة الثقيلة ليشربَ منها ؟، وربما خارت قواه - لو أمكنه ذلك - فأراق ماءَ القربة قبل أن ينهلَ منها !.



= أما نرتدعُ عن كل ما يُظهرنا بالمظهر المزري أمام سائر الحضارات ؛ التي لا تنفك تجهد في إعلاء شأن دولها وشعوبها بين الأمم والشعوب الأخرى ؟.



= أما نكفُّ عن النواح وَعَيْبِ الزمان الذي نحن فيه ؟ ؛ حتى لا نكونَ كما قال الشاعر :

نعيبُ زماننا والعيبُ فينا = وما لزماننا عيبٌ سوانا


ونهجو ذا الزمانِ بغير جرمٍ = ولو نطق الزمانُ إذاً هجانا


فدُنْيانا التَّصنُّعُ والترائي = ونحن به نُخادعُ من يرانا


يعافُ الذئبُ يأكلُ لحمَ ذئبٍ = ويأكلُ بعضنا بعضاً عياناً




لقد آن أوانُ القرارِ السياسي ليأخذَ طريقه نحو حسمِ قضيةِ تقنينِ الشريعة ، فيقطعَ قولَ كلِّ خطيبٍ بشأنها ؛ ليتفرغَ الجميعُ لما هو أهمُّ من بين قضايا الأمةِ المتراكمة . والله الموفق . | عدد القراء : 4124 | تأريخ النشر : الاثنين 2 رمضان 1427هـ الموافق 25 سبتمبر 2006م
طبعت هذه المقالة من ( مركز الدراسات القضائية التخصصي - قضاء )
على الرابط التالي
http://www.cojss.com/article.php?a=68
+ تكبير الخط | + تصغير الخط
اطبع