المحكمة الإلكترونية

قضائيات تخيلت يوماً ـ وأنا أنادم صديقاً لي ؛ بعد أن ذهب بنا الحديث مذاهبه ، وأخذنا من حلو الكلام عجائبه ـ أننا تحدثنا في الخصوصيات ، فابتدأني الكلام عن منزلي الذي هجرت سكناه بعد ابتعاثي للدراسة خارج المملكة فأخبرته بخبره وبما انتهى إليه سومه ، فطلب شراءه بأعلى سومة ، فوافقته على ذلك ، واتفقنا على توكيل أحد المحامين لتخليص إجراءات المبايعة .



فما لبث صاحبي أن أخرج هاتفه المحمول ، وانتقش من جانبه عصا أشبه بالقلم ، وأخذ ينقر على سطح شاشته عدة مرات ، ثم صوَّب نظره إلي قائلاً : لقد أدخلت القيمة في حسابك كاملة .



وكان جهاز الحاسب الآلي المحمول بجواري ، فأدرت دفته ، وولجت إلى داخل شبكة المعلومات ( الأنترنت ) ، فوجدت في صندوق البريد رسالتين :



الأولى : من المصرف الذي أودعت حسابي عنده ، وفيها : انه قد أودع في حسابي مبلغ وقدره كذا تحويلا من حساب فلان مع ذكر زمن ذلك .



الثانية : من المحكمة الابتدائية ، وفيها : أن الشركة ( س ) تقدمت بدعوى ضدي ضمن مجموعة من عملائها ، وهذا نصها : عند مراجعتنا لحسابات الشركة خلال عشرة أعوام وجدنا عجزاً مالياً ، وبتدقيق عقود الشركة وجدنا أن المدعى عليه قد اتفق مع الشركة على فك وتخزين ونقل وتركيب أثاث منزله ، ولم يسدد أجرة تلك الخدمة . نطلب الحكم عليه بدفع الأجرة وقدرها كذا ، أو إبراز ما يثبت تقدم السداد . انتهى



ولأني أعلم يقيناً أني قد سددت الشركة وقت تعاقدي معها فقد سارعت ـ وعلى الفور ـ بالبحث في ملف الوثائق والمستندات في نفس الجهاز فوجدت صورة الإيصال المطلوب ، ثم كتبت جوابي في النموذج المرفق برسالة الدعوى ، وأرفقت معه صورة سند القبض ؛ وفيه رقمه وتاريخه وقدر المبلغ واسم القابض وتوقيعه .



بعد ذلك فتحت موقع إدارة التوثيقات الشرعية أو ( الكتابة بالعدل ) كما يجب أن تسمى ، وقرعت باب التوكيلات القضائية لتوكيل المحامي المتفق عليه ، فانفتح أمامي نموذج لصك وكالة ، فقمت بتعبئة البيانات الخاصة بالموكل والوكيل والغرض من الوكالة ، ثم أكدت الطلب فظهر أمامي مربع ؛ نصه : إدخال البيانات تمَّ بنجاح راجع بريدك الإلكتروني .



ثم انتقلت من موقع التوكيلات إلى المبايعات فظهر لي نموذج لصك إفراغ ، فأدخلت بيانات البائع والمشتري ورقم وثيقة المنزل وقدر القيمة وصفة القبض ، وبعد تأكيد الطلب ظهر ذلك المربع ؛ وفيه : تم إدخال البيانات بنجاح راجع بريدك الإلكتروني .



وفجأة : انبثق من أسفل شاشة الحاسب نافذة صغيرة ؛ فيها : يوجد ثلاث رسائل في صندوق بريدك .



فتحت صندوق البريد فوجدت الرسالة الأولى والثانية من إدارة التوثيقات الشرعية تفيدان قبول طلبي التوكيل والإفراغ وتحديد موعد الحضور لدى الموثق أو ( الكاتب بالعدل ) للتوقيع على الإجراء .

أما الثالثة فمن المحكمة الابتدائية وفيها : لقد تم عرض جوابكم على الشركة المدعية فأفادت بصحة ما ذكرتم ، وقررت إسقاط دعواها ؛ مبدية أسفها على إزعاجكم ، وتشكركم على المعلومات الواردة في جواب الدعوى .



كل ذلك لم يستغرق سوى نصف ساعة ، والحديث مع صاحبي متواصل وذو شجون .



لا تنس ـ أخي القارئ ـ أن تعيد قراءة أول كلمة وردت في هذا المقال ، فالأمور تبدأ بفكرة ، ثم تشق طريقها في دروب الدراسة والتحليل ؛ لتنصب في قوالب التطبيق والتنفيذ .



قريباً ـ إن شاء الله ـ سنرى هذه الخدمة الإلكترونية في بلادنا فمثلها متحقق الآن في البنوك والاتصالات والبقية تأتي . | عدد القراء : 4369 | تأريخ النشر : السبت 9 ذو القعدة 1426هـ الموافق 10 ديسمبر 2005م
طبعت هذه المقالة من ( مركز الدراسات القضائية التخصصي - قضاء )
على الرابط التالي
http://www.cojss.com/article.php?a=8
+ تكبير الخط | + تصغير الخط
اطبع