لو أنك جالست المحامين والقانونيين بشكل عام وتحدثت معهم عن الأنظمة واللوائح والتشريعات والقوانين وأحكام القضاء والمذكرات التفسيرية أو التنفيذية، لهالك الكم الكثير الذي صدر عن عدة جهات لخدمة العديد من شؤون حياتنا ومصالحنا العامة والخاصة ومع ذلك لا نعرف عنها شيئا، بل إن أكثرنا معرفة بها بالكاد يعرف فقط ما له علاقة بنشاط عمله إن أحسنا الظن.

هناك أكثر من 250 نظاما ولائحة تنظيمية وتنفيذية درسها مجلس الشورى، أما عدد الأنظمة السائدة في المملكة فيبلغ نحو 171 نظاما، في حين بلغ عدد الأنظمة التي أعيد إصدارها من أجل الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية أكثر من 45 نظاما. ولو أنك سألت أكثرنا اطلاعا عن مجرد أسماء الأنظمة والقوانين التي صدرت لربما ضرب لك مثالا بالنظام الأساسي للحكم، وربما ذكر لك نظام المرور ونظام الاستثمار الأجنبي لكثرة ما تم ذكرها في وسائل الإعلام, أما غيرها فلا سبيل لمعرفتها ما لم يصطدم الواحد منا بمشكلة أو توكل إليه مهمة ذات علاقة بهذا النظام أو ذاك. وهذا في الواقع أمر طبيعي, فليس مطلوبا أن يكون الواحد منا ملما بها جميعها وبأسمائها وتفصيلاتها. إنما بالتأكيد مطلوب أن تكون هذه كلها متاحة قريبة للمنال لا يضطر الواحد للسؤال عنها والبحث في الدوائر الحكومية وأروقة وزارة التجارة أو العدل أو الهيئة العامة للاستثمار أو غيرها من الجهات.

الغريب في هذا الأمر أن البعض لا يفهم من القوانين والأنظمة إلا أنها للعقاب والردع وفرض الجزاءات البدنية والنفسية أو الغرامات المادية، مع أنها في الأساس تصاغ من أجل صيانة الحقوق وحراسة الكرامة الإنسانية من الظلم أو التعدي، وأنها تنظم العلاقة بين الأفراد أنفسهم وبينهم والمؤسسات الاجتماعية وأجهزة الدولة المختلفة، تحدد الواجبات والاستحقاقات، ما للفرد وما عليه، ما للأجهزة والمؤسسات وللدولة وما عليها، ومع ذلك تكاد تغيب هذه الحقيقة ولا يبقى إلا منظور الردع والعقاب، لذلك يتيح نشر الأنظمة والتشريعات تبديد هذا الوهم، كما يتيح لكل مزمع على عمل أو نشاط ولكل من تواجهه مشكلة أن يختصر الطريق في مسعاه لإنجاز شأنه الخاص وفي هذا اختصار للوقت وتوفير للسؤال والجواب والركض نحو هذه الجهة أو تلك وإثقال كاهل هذا الموظف أو ذاك فيما قد يكون ليس في نطاق اختصاصه أو ليس من مسؤوليات جهته. وهكذا فنشرها جزء أساسي من الوعي بها وجزء أولي في الحد من الإشكالات وجزء أولي أيضا من حلها.

لذا ينبغي المبادرة إلى إصدار سلسلة من الكتيبات المتخصصة بكل نظام أو قانون أو تشريع إلى جانب موسوعة شاملة يتم تجديدها كل حين, وكتب أخرى عن قضايا القضاء والأحكام الصادرة بشأنها لكي تقدم مشهدا حيا لواقع الحال تقاس عليه القضايا المماثلة وتقدر عليها الأحكام المحتملة فيما يشكل ردعا لمن قد تحدثه نفسه بارتكاب ما يسيء وتضيء في الوقت نفسه لمن يجهل سبل الوصول إلى حقوقه. فلماذا تبقى الأنظمة والقوانين موزعة ومشتتة بين هذه الجهة وتلك؟ ولماذا تظل في الأدراج وعلى أرفف المكاتب أو مخزنة في أجهزة الحواسيب الخاصة بالجهة، تصدر بالقطارة في كتيبات تنفذ يوم ميلادها؟ ما قيمة تشريع حين لا يعرف الناس بوجوده إلا ساعة الشدة؟

ما قيمة نظام وقانون لا تعرف عنه إلا حين يشهر في وجوهنا عندما نتعرض لمخالفة من نوع ما؟ ما قيمة حديث طويل عريض عن جهود سنوات مضت في سبيل وضع وتطوير وتجديد ومواءمة أنظمتنا مع مستجدات العصر وآخرها الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية؟ ينبغي أن يتنفس الناس ويتحركوا وهم على بينة من تلك الأنظمة والتشريعات والأحكام التي أنجزت, ولن يتأتى لهم ذلك ما لم يتم توفيرها وجعلها في متناول الأيدي مطبوعة منشورة على نطاق واسع يصل إليها الناس, سواء عند الغرف التجارية الصناعية أو الهيئة العامة للاستثمار أو أي جهة يتم إسناد المهمة إليها، فهل نفعل؟!

صالح الشهوان