المذهب الحنفي :
قال في تبيين الحقائق : " ومن في يده شيء سوى الرقيق لك أن تشهد أنه له ؛ لأن اليد بلا منازع أقصى ما يستدل به على الملك ، إذ لا دليل بمعرفة الملك في حق الشاهد سوى اليد بلا منازع ".
فنرى في هذا النص ما يدل على مشروعية حماية الحيازة ؛ إذ أجاز أن يُشهد لمن في يده شيء تحت حيازته أنه ملكه ، وفي هذا حماية واضحة للحيازة ، إذ رتب عليها أهم ثمراتها وهي الملكية.

المذهب المالكي :
قال في المدونة : "إذا كان الرجل حاضراً وماله في يد غيـره فمضت عليه عشر سنين وهو على ذلك كان المال للذي هو في يديه لحيازته إياه عشر سنين ، إلا أن يأتي الآخر بالبينة على أنه أكرى ، أو أسكن ، أو أعار عارية ، أو صنع شيئاً من هذا ، وإلا فلا شيء له ".
فحماية الـحيازة واضحة فـي نص المدونة ، إذ جعل من حاز شيئا عشر سنين – وهذا مذهب المالكية في المدة – مالكاً لهذا الشيء الذي حازه ، إلا أن يأتي خصمه بعكس ذلك.

المذهب الشافعي :
بعد البحث في كتب الشافعية لم يجد الباحث كلامهم عن الحيازة واليد واضحاً ، ولكن نقل في شرح فتح القدير عن الإمام الشافعي القول بأن توافر اليد مع التصرف في هذا الشيء الذي وضعت اليد عليه يدل على الملكية ، قـال في شرح فتح القدير : " وقـال الشافعي: دليل الملك اليد مع التصرف ، وبه قال بعض مشايخنا؛ لأن اليد متنوعة إلى إنابة وملك ".
ومما ورد في كتب الشافعية – وإن لم يكن جلياً – ما ورد في إعانة الطالبين في بيان أحوال المدعي والمدعى عليه في الدعوى حيث قال : " أو ادعيا شيئاً بيد أحدهما تصرفاً أو إمساكاً قُـدمت بينته من غير يمين وإن تأخر تاريخها أو كانت شاهداً ويميناً وبينة الخارج شاهدين ، أو لم تبين سبب الملك من شراء وغيره ترجيحاً لبينة صاحب اليد بيده ، ويُسمى الداخل ".
وتعليقاً على قول الماتن : " بيد أحدهما تصرفاً أو إمساكاً " قال في حاشية إعانة الطالبين : " [ قوله : تصرفاً أو إمساكاً ] بيان لمعنى اليد : أي أن المراد باليد الحكمية كالتصرف ، أو الحسية كالإمساك ".
ففي هذا النص بيّن أن من وضع يده على المدعى به فإن بينته تقدم – وإن تأخر تاريخها – ، بل إن بينة الحائز تقدم ولو كانت أقل درجة من بينة الخارج ، كأن تكون بينة الحائز شاهد ويمين ، وبينة الخارج شاهدان ، وفي هذا حماية لحيازة الحائز بأن قُدمت بينته ، ولو كانت أقل من بينة خصمه.

المذهب الحنبلي :
نبيّن بداية ما قاله ابن القيم قبل أن نتعرض للكتب المتقدمة ؛ لوضوح ما ذكره عن الحيازة ، حيث قال في بيان أمثلة الدعاوى : " كمن يُشاهد في يده دار يتصرف فيها بأنواع التصرفات من عمارة ، وخراب ، وإجارة ، وإعارة مدة طويلة من غيـر منـازع ولا مطالب مع عدم سطوته وشوكته فجاء من ادعى أنه غصبها منه واستولى عليها بغير حق وهو يشاهده في هذه المدة الطويلة ويمكنه طلب خلاصها منه ولا يفعل ذلك فهذا مما يُعلم فيه كذب المدعي وأن يد المدعى عليه محقة ، هذا مذهب مالك وأصحابه وأهل المدينة وهو الصواب ، قالوا : إذا رأينا رجلا حائزاً لدار متصرفاً فيها مدة سنين طويلة بالبناء والـهدم والإجارة والعمارة ، وهو ينسبها إلى نفسه ويضيفها إلى ملكه ، وإنسان حاضر يراه ويشاهد أفعاله فيها طوال هذه المدة ، وهو مع ذلك لا يعارضه فيها ولا يذكر أن له فيها حقاَ ، ولا مانعاً يمنعه من مطالبته من خوف سلطان أو نحوه من الضرر المانع من المطالبة ، وليس بينه وبين المتصرف في الدار قرابة ولا شراكة في ميراث ، وما أشبه ذلك مما يتسامح فيه القرابات والصهر بينهم في إضافة أحدهم أموال الشركة إلى نفسه بل كان عرياً عن ذلك أجمع ثم جاء بعد طول هذه المدة يدعيها لنفسه ويريد أن يقيم بينة بذلك فدعواه غير مسموعة أصلاً فضلاً عن بينته ".
وكلام ابن القيم واضح في مشروعية حماية الحيازة ، بل إنه صرح بلفظ الحيازة في قوله " إذا رأينا رجلا حائزاً لدار متصرفاً فيها مدة سنين طويلة " فلا يحتاج إلى مزيد إيضاح.

وقال ابن قدامة : " فإن كان في يد رجل دار أو عقار يتصرف فيهـا تصرف الملاك بالسكنى ، والإعارة ‏,‏ والإجارة ، والعمارة ، والهدم‏ ,‏ والبناء من غير منازع ، فقال أبو عبد الله بن حامد ‏:‏ يجوز أن يشهد له بملكها وهو قول أبي حنيفة ‏,‏ ... ووجه الأول : أن اليد دليل الـملك واستمرارها من غيـر منازع يقويهـا فجرت مجرى الاستفاضة ".
فنرى في هذه النصوص الحماية الجلية للحيازة ، فأجازوا لمن يرى شيئاً في حيازة إنسان يتصرف فيه تصرف الملاك فله أن يشهد له بالملك ، ولم يصرحوا باشتراط أن يعلم الشاهد أنه يملكه يقيناً أو أنه يعلم سبب الملك ، بل يُكتفى بالحيازة مع التصرف في المحوز دليلاً على الملكية ، بل قد صرح في الإنصاف أن هذا القول هو المذهب ، وأن عليه جماهير الأصحاب.منقول