لا يختلف الفقهاء في مشروعية هذه الدعوى مهما كان محلها عقاراً أو منقولاً ؛ لقول النبي r « على اليد ما أخذت حتى تؤديه » ؛ ولأن للحائز حيازة مشروعة ولو لم يكن مالكاً يد معتبرة في المحوز فإذا أزالها غاصب ونحوه كان له الحق في أن يخاصم عن نفسه لإعادة اليد التي أزالها الغصب ، ولأنه مأمور بالحفظ من جهة من أذن له بالحيازة ، ولا يتأتي له الحفظ إلا باسترداد عينه من الغاصب ، وفي إثبات حق الخصومة له تحقيق معنى الحفظ ؛ لأن الغاصب ونحوه إذا علم أن الحائز غير المالك لا يخاصمه في حال غيبة مالك المحوز تجاسر على الغصب ؛ فلهذا كان الحائز فيه خصماً.

وقد ورد في السنة النبوية ما يدل على مشروعية دعوى استرداد الحيازة ، وذلك أنه اختصم رجلان إلى النبي r ، غرس أحدهما نخلاً في أرض الآخر فقضى لصاحب الأرض بأرضه ، وأمر صاحب النخل أن يخرج نخله منها ، فرُؤي الرجل يضرب في أصول النخل.

ففي هذه الدعوى ادعى رجل على آخر أنه سلب حيازة أرضه منه ؛ ذلك أنه لا يمكن لصاحب النخل أن يغرس نخله إلا بعد أن يسلب حيازة الأرض ، فقضى النبي r برد حيازة الأرض إلى مستحقها الشرعي ، بل وأمر بإعادة الأرض كما كانت عليه قبل سلب الحيازة ، وذلك بقلع النخل ، مع أن صاحب النخل سوف يتضرر من قلع نخله ، إلا أن الشرع العادل نظر إلى أهمية الحيازة ، وتأثير اختلال العدالة في الحيازة على النظام العام لملكية المجتمع.

وقد تحدث الفقهاء عن دعاوى شبيهة بدعـوى استرداد الحيازة ، وبيّنوا مشروعيتها ، قال في بدائع الصنائع : " فإذا شهدوا للخارج فقد أثبتوا كون المال في يده وكون المال في يد ذي اليد ظاهراً ثابت للحال ، فكانت يد الخارج سابقة على يده فكان ملكه سابقاً ضرورة ، وإذا ثبت سبق الملك للخارج يقضي ببينته ؛ لأنه لما ثبت له الملك واليد في هذه العين في زمان سابق ولم يعرف لثالث فيها يد وملك علم أنها انتقلت من يده إليه ، فوجب إعادة يده ورد المال إليه حتى يقيم صاحب اليد الآخر الحجة أنه بأي طريق انتقل إليه ، كما إذا عاين القاضي كون المال في يد إنسان ويدعيه لنفسه ثم رآه في يد غيره فإنه يأمره بالرد إليه إذا أدعاه ذلك الرجل إلى أن يبين سبباً صالحاً للانتقال إليه ، وكذا إذا أقر المدعى عليه أن هذا المال كان في يد المدعي فإنه يؤمر بالرد إليه إلى أن يبين بالحجة طريقاً صالحاً للانتقال إليه ".

فهذا النص يكاد ينطبق على دعوى استرداد الحيازة ، فهو وإن لم يُنطق بها لفظاً إلا أنه نُطق – تقريباً – معنى ، فبيّن أن الشيء إذا كان في يد شخص ، وثبت لدى القاضي – سواء بالبينة أو بعلمه – أن هذا شيء كان في يد شخصاً آخر ، فإن القاضي يعيد هذا الشيء إلى يد السابق إلى أن يثبت اللاحق مشروعية انتقال هذا الشيء من يد السابق إلى يد اللاحق ، وهذا هو المقصود تقريباً من دعوى استرداد الحيازة.

وقال ابن فرحون : " ولو شهد شاهدان أن أحد الخصمين غلب الآخر على ما في يديه ، فإنه يحكم على هذا الغالب بأن يرده إلى المغلوب عليه ، ويكون هذا المردود إليه صاحب يد ، وهو أعم من الملك ولا يشهدون بأنه ملك ".
وتعليقاً على قول ابن فرحون يقول عدلي أمير خالد : " يتضمن شروط دعوى استرداد الحيازة ، وتكاد تكون هي ذاتها كما في القانون المدني ، فيكفي أن يثبت الحائز حيازته المادية ، ومن ثم يستوي أن يكون الحائز مالكاً أو غير مالك ".

وقال في مغني المحتاج : " وعلى الغاصب الرد للمغصوب على الفور عند التمكن وإن عظمت المؤنة في رده ، ولو كان غير متمول كحبة بر أو كلب يقتنى ؛ للحديث المار « على اليد ما أخذت حتى تؤديه » ".

وقال في الشرح الكبير : " ويلزمه رد الـمغصوب إذا كان باقياً ؛ لقول رسول الله r : « على اليد ما أخذت حتى تؤديه » ، وقوله r : « لا يأخذ أحدكم متاع صاحبه لاعباً ولا جاداً ومن أخذ عصا أخيه فليردها » ، يعني أنه يقصد المزح مع صاحبه بأخذ متاعه وهو جاد في إدخال الغم والغيظ عليه ؛ ولأنه أزال يد المالك عن ملكه بغير حق فلزمه إعادتها ، وأجمع العلماء على وجوب رد المغصوب إذا كان بحاله لم يتغير ولم يشتغل بغيره ".

فنرى أن الفقهاء في النصوص السابقة أوجبوا على الغـاصب أن يرد ما غـصبه – إن كان بحاله – إلى المغصوب منه – الحائز الشرعي – ، وبيّنوا أنه يجب على الغاصب أن يرد المغصوب ولو عظمت مؤنة الرد ، وأنه يجب الرد ولو كان المغصوب ليس بمال متمول ، وضربوا الأمثلة على ذلك ، وبيّن في الشرح الكبير أن العلماء أجمعوا على وجوب رد المغصوب.

وقيام المدعى عليه في دعوى استرداد الحيازة بسلب المدعى به من حيازة المدعي هو عمل من أعمال الغصب ، وعليه فما قرره الفقهاء في وجوب رد المغصوب ينزّل على وجوب رد الحيازة المغصوبة إلى من غُصبت منه وهو المدعي. منقول