الحِسْبَة، والغرامات الماليَّة

نظاميات للحِسبة - الممثَّلة في هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - دورٌ كبير في أيِّ مجتمعٍ مسلمٍ. وحُقَّ للمملكة العربية السعودية أن تفخرَ بكونها البلدَ الأوحدَ على وجه الأرض ـ الآن ـ التي تُعنى بالحِسْبَة عناية فائقة؛ حتى أنها جعلت لها وزارة خاصة بها بِمَا لَهَا من اعتماداتٍ ماليَّةٍ ووظيفيَّةٍ متناميةٍ سنةً بعد سنة؛ كغيرها من وزارات الدولة أيدها الله.

وما ذلك إلا استشعاراً من ولاة الأمر في هذه البلاد ـ وفقهم الله ـ بِعِظَمِ دَورها في المجتمع المسلم؛ الذي وصلت الحِسْبَة فيه إلى اعتبارها الركنَ السادسَ من أركان الإسلام؛ كما ذكره بعض أهل العلم.



والهيئات مثل غيرها من إدارات المصالح العامة؛ لها حقوقٌ وعليها واجبات، ومتى شاءت القيام بواجباتها لَزِمَهَا توفيرُ الإمكاناتِ الماديَّةِ والكوادرِ الوظيفيَّةِ المناسبةِ وعقدِ الدوراتِ التطويريةِ للطَّاقاتِ البَشَريَّةِ. وكُلُّ ذلك تقوم به الدولةُ دون تحميل القطاع الخاص أيَّ جزءٍ من هذه التبعاتِ الماليَّةِ المتزايدةِ.

ومن يطَّلعُ على إحصاءات نشاط هذه الهيئات المباركة يقفُ على ما يسُرُّ الخاطرَ، ويُثلِجُ الصَّدرَ، ويرفعُ الرأسَ عالياً أمام الأمم الأخرى.



ولاشك أنَّ عمل الهيئات منصبٌ على المخالفات؛ التي لا ينفكُّ عنها أيُّ مجتمعٍ مهما بلغ من المكانة في تحضُّره وتمدُّنِه؛ وسواءٌ كانت تلك المخالفات: في مجال العبادات، أو السلوك العام.

فمنها: ما هو من قبيل المكروهات، ومنها: ما هو في عِداد المحرمات. وكُلٌ من هذين النوعين درجاتٌ بحسب الأثر الناتج عنها.

ولذلك تفاوتت عقوباتها في الشرع؛ ابتداءً من: الإعراض، والهجر، والتأنيب، مروراً: بالقطع، والجلد، والتغريب، وانتهاءً: بالقتل؛ قصاصاً، أو حداً، أو تعزيراًً.



وإنَّ الحل الأنسب متمثلٌ في تصنيف المخالفات، وترتيبُها بحسب أثرها، وتحديدُ غرامةٍ ماليةٍ لِكُلِّ مخالفةٍ من باب التعزير بالمال، وإعداد قسائم لكل نوعٍ منها يُعطى للمخالف، وَيُسجل باسمه في الحاسب الآلي المركزي، وَيُدخل ما يقابله في حساب الرئاسة العامة للهيئات فور تسجيله، وتتولى وزارة المالية تحصيله بطريقتها الخاصة؛ كما هو الحال في المخالفات المرورية، وكما في سداد أجور خدمات الجوازات ونحوها. ولا يمنع هذا من إحالة المخالف إلى المحكمة الجزائية للمطالبة بتشديد العقوبة عليه عند اللزوم بما يتقرر في حقه شرعاً؛ بحسب ما تراه هيئة التحقيق والإدعاء العام محققاً لمصلحة العامة.



وهذا الإجراء مصلحيٌ لا يخالف الشرع؛ لا في أصله ومستنده، ولا في غايته ومقصده. قَالَ صلى الله عليه وسلم*فِي كُلِّ سَائِمَةِ إِبِلٍ فِي أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَلا يُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا. مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا بِهَا: فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا: فَإِنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ؛ لَيْسَ لآلِ مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْءٌ* رواه أبو داود.

فهذا المانع زكاةَ مالِهِ يحكم عليه النبي صلى الله عليه وسلم بأخذها منه، مع تعزيره بالمال؛ وذلك بمصادرة نصف ما يملكه من المال الذي منع زكاته ؛ يأخذه الإمام، ويصرفه في مصالح المسلمين.



وروى النسائي في سننه: أَنَّ رَجُلاً مِنْ مُزَيْنَةَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ تَرَى فِي حَرِيسَةِ الْجَبَلِ؟. فَقَالَ: هِيَ وَمِثْلُهَا وَالنَّكَالُ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمَاشِيَةِ قَطْعٌ؛ إِلا فِيمَا آوَاهُ الْمُرَاحُ، فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ: فَفِيهِ قَطْعُ الْيَدِ، وَمَا لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنَ الْمِجَنِّ: فَفِيهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَجَلَدَاتُ نَكَالٍ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ تَرَى فِي الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ؟. قَالَ: هُوَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ وَالنَّكَالُ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ قَطْعٌ؛ إِلا فِيمَا آوَاهُ الْجَرِينُ، فَمَا أُخِذَ مِنْ الْجَرِينِ، فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ: فَفِيهِ الْقَطْعُ، وَمَا لَمْ يَبْلُغْ ثَمَنَ الْمِجَنِّ: فَفِيهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَجَلَدَاتُ نَكَالٍ*

فهذا السارق - الذي يسرق الماشية أو الثمار من غير حِرْزٍ - سلَّمه الله من قطع يده، وأوقع عليه عقوبةً ماليةً؛ هي غرامةُ مثلي المسروق لبيت مال المسلمين.



كل هذه المخالفات قضى فيها النبي عليه الصلاة والسلام بالتعزير المالي زيادة على الواجب الشرعي في حق المخالف. وهو ما ندعو إليه هنا للقضاء على المخالفات التي تختص الهيئات بأمر الإنكار على فاعليها. ولو حصل ذلك على هذا النحو: لَعَادَ بالفائدة الكبرى على كلٍ من: المُخالف، وجهاز الحِسْبَة، والمجتمع.



فالمخالف: يرتدع - ولاشكَّ - بتغريمه مالياً أكثر مما يرتدع بجلده أو بحبسه. فكيف به! إذا استوجب بفعله أن يجتمعا في حقه، وقد رأينا وسمعنا من كثيرٍ من المخالفين تهاونهم بالعقوبة البدنية وتحاشيهم للعقوبات المالية؛ ولو بزيادة حبسهم أو عدد الجلدات؛ خصوصاً من العمال في قضايا المسكر شرباً وتصنيعاً وترويجاً.



وجهاز الحِسْبَة: يستفيد من العوائد المالية؛ في تطوير خدمات الجهاز وتحديث طاقاته وقدراته؛ بما يرفع من كفاءته؛ فيًحَقِّقُ بذلك الكثيرَ مما يُؤَمَّل منه، ويسخر مدفوعات المخالفين في ضد ما يعملون.



والمجتمع: الذي ترقى فيه قُدُرَاتُ الحِسْبَة إلى تحقيق وظائفها ومسؤولياتها، وإلى النهوض بأعبائها والتزاماتها أو بعضها: لاشك أنَّ الخير والأمن سيحالفانه، ويقترنان به، فيصرف طاقاتِه فيما لا مخالفة فيه؛ فيعلو شأنُه في ذاته وبين الأمم المجاورة له، ويكون مجتمعاً دعوياً بسيرته وسلوكه، وبما يُحَقِّقُهُ من إنجازاتٍ في أمر دينه ودنياه عندما يصرف همَّه إلى ما ينفعه عمَّا يضره في دنياه وآخرته.



كما ستنحسر - ولاشك - الانتقادات التي تتعرض لأنشطة الهيئات بين الحين والآخر، فإنَّ إطلاق سراح المخالف بعد تسجيل المخالفة ضده، وتسجيلها في ملفه المدني آلياً يمنع من دعاوى الاعتداء البدني على المخالفين، ومن تحميل الهيئة آثار الصدمات النفسية التي تطال المخالفين لقاء الفضيحة التي وقعوا فيها، كما يخفف من التجاوزات التي قد تحدث من بعض المتحمسين في الإنكار بما يعود بالضرر على أمر الحسبة أجمع، أو يسيء إلى المجتهدين المعتدلين من منسوبيها.



ومن المناسب: تمكين المخالف من الاعتراض على المخالفة لدى القضاء الجزائي، على أنه في حال ثبوت المخالفة في حقه تضاعف عليه.

بمثل هذا الإجراء يمكن السيطرة على الخروج عن الآداب الشرعية والأخلاق المرعية؛ بأسلوبٍ أكثر ضبطاً، وأوثق أمناً، وأجمل طريقةً، وأحدث تحضراً. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل

-

-

-

-

-

- | عدد القراء : 4271 | تأريخ النشر : الاثنين 3 ربيع الأول 1429هـ الموافق 10 مارس 2008م
طبعت هذه المقالة من ( مركز الدراسات القضائية التخصصي - قضاء )
على الرابط التالي
http://www.cojss.com/article.php?a=187
+ تكبير الخط | + تصغير الخط
اطبع